i_2181

البيروني.. الفلكي الذي أطلق اسمه على جبل في القمر

مارس 2017

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ دعوة أصيلة وصادقة، فتاريخنا القديم والمعاصر كتبه المؤرخون والمستشرقون الأجانب، لكن الدعوة يجب أن تتجاوز إعادة كتابة التاريخ السياسي والاجتماعي إلى كتابة التاريخ العلمي والثقافي.

هناك بالفعل بعض الأقلام والعقول الأجنبية النيرة التي كرست حياتها للتعريف بإسهامات الثقافة العربية الإسلامية في الحضارة الإنسانية، لكننا عندما نقلب صفحات كتاب تاريخ العلوم عند العرب نجد أن ما كتبه المستشرقون الأمناء ليس كافياً، ونتعرف على إسهامات العلماء العرب والمسلمين الذين لم ينصفهم التاريخ بالقدر الكافي،
فقد درسونا في تاريخ العلوم أن أول من اكتشف قانون الجاذبية هو عالم الفيزياء والرياضيات البريطاني إسحق نيوتن (١٦٤٥ – ١٧٢٧)، لكن الحقيقة الناصعة هي أن عالم الطبيعة والفيزياء المسلم أبا الريحان محمد بن أحمد البيروني (٩٧٣-١٠٤٨م) قد سبقه إلى ذلك، فهو الذي قال إن «الأجسام تسقط على الأرض بسبب قوى الجذب المتمركزة فيها»، وهذه النظرية فتحت الطريق لنيوتن ليكمل ما بدأه البيروني قائلاً إن كل جسم في الكون يؤثر بقوة جذب في جسم آخر، ومقدار هذه القوة يتناسب طرداً مع حاصل ضرب الكتلتين، وعكسياً مع مربع البعد بينهما.
ولا يرجع الفضل إلى البيروني في التوصل إلى قانون الجاذبية فقط، بل وفي التوصل إلى عدد كبير من النظريات والاختراعات التي ما زالت تؤثر في تاريخ العلوم في عصرنا الراهن، في مجالات الفيزياء والرياضيات وعلوم الأرض والفلك والجغرافيا والتاريخ.
درسونا أيضاً أن البريطاني السير جيمس جورج فريزر (١٨٥٤ – ١٩٤١) هو الذي وضع أسس علم الأنثروبولوجيا «علم الإنسان»، عندما وضع كتابة «الغصن الذهبي»، لكن الحقيقة هي أن أول من وضع أسس علم الأنثروبولوجيا ودراسة اتساق حياة بني البشر هو البيروني، وذلك في كتابه الشهير الذي ألفه بعد إقامة في شبه القارة الهندية امتدت إلى عشرين عاماً تقريباً، وقد ألف أكثر من كتاب عن ثقافات القارة وفلسفاتها ودياناتها ولغاتها وقبائلها، وكتابه المعنون «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة» لا يقل أهمية علمية عن كتاب فريزر.
البيروني من علماء العصر العباسي، عصر ازدهار الثقافة العربية الإسلامية واتصالها وتوافقها مع الثقافات العالمية التي عاصرتها، ويمكن أن نقول إنه عالم أممي إن جاز التعبير، فقد ولد في بلدة تقع في أوزبكستان الحالية، وتنقل بين إيران والهند وكازاخستان، وقضى آخر سني حياته في مدينة غزنة، التي تقع في أفغانستان الحالية، حيث توفي عام ١٠٤٨م عن ٧٥ عاماً.
انتقل البيروني بعد ولادته إلى خوارزم، وينسبه بعض المؤرخين إلى مدينة جنوى، إحدى مدن السند في باكستان اليوم، وهناك أكثر من تفسير للقب البيروني، والكلمة تعني لغوياً في لغة أهل خوارزم الغريب أو الآتي من خارج البلدة.
مراحل تعليمه المبكرة لا نعرف كثيراً عنها، غير أن خوارزم كانت تعج بالعلماء والباحثين، وكان ملوك الدولة الخوارزمية يهتمون بالمعارف والعلوم، وأنه أثناء دراسته أظهر ميلاً إلى الرياضيات والفلك والفيزياء والجغرافيا، وأنه كان كثير الترحال لاكتساب المعرفة، لهذا أجاد أهم اللغات التي كانت تعد لغات نشر العلوم في ذلك العصر، مثل الفارسية، والسنسكريتية، والسريانية، واليونانية، بجانب العربية، التي نعتقد أنها كانت لغته الأم، وهي التي كتب بها أغلب مؤلفاته، التي يتراوح عددها بين ١٢٠ و١٤٦ مؤلفاً وفق بعض المصادر.
بحثاً عن مزيد من المعرفة، غادر البيروني خوارزم إلى الري، حيث التقى العالم الفلكي الخجندي وتتلمذ على يديه وشاركه أبحاثه ورصده للفضاء، ثم شد الرحال إلى جرجان عام ٩٩٨م والتحق ببلاط السلطان قابوس بن وشمجير، الملقب بشمس المعالي، وكان محباً للعلم والعلماء ويحتضن في بلاطه عدداً كبيراً منهم، والتقى البيروني هناك العالم ابن سينا (٩٨٠ – ١٠٣٧م) مؤلف كتاب القانون في الطب، وكان بينهما مساجلات ومحاورات علمية.
إقامته في بلاط السلطان شمس المعالي ساعدته على التفرغ لتأليف كتاب جامع نادر، وهو كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية»، الذي رصد فيه التواريخ والتقاويم التي كانت تستخدم عند العرب قبل الإسلام، وتلك التي كانت تستخدم عند اليهود والروم والهنود، ورصد فيه أيضاً تواريخ الملوك من عهد آدم عليه السلام، وأورد في كتابه جداول تفصيلية للأشهر الفارسية والعبرية والرومية والهندية.
في عام ١٠٠٩م، قفل البيروني راجعاً إلى وطنه خوارزم والتحق بمجلس العلوم الذي أقامه هناك مأمون بن مأمون، وقد سبقه إليه ابن سينا، وابن مسكويه، لكنه تركه عام ١٠١٨م وبدأت مرحلة جديدة مهمة من حياته، فقد التحق ببلاط السلطان محمود الغزنوي وصاحبه في غزواته إلى شبه الجزيرة الهندية، وأثمرت إقامته في الهند عدداً كبيراً من المؤلفات والدراسات عن شعوبها ولغاتها وثقافاتها، وهناك كتب أول بحث عن الأرقام الهندية، ويعد أوفى كتاب نشر عنها منذ العصور الوسطى حتى عصرنا الراهن.
رحلة البحث والدراسة والتنقل بين الهند وباكستان وأوزبكستان وأفغانستان مكنت البيروني من إحراز نجاحات عظمى، الجزء الأكبر منها في مجال الفلك والرياضيات، فقد ألف في هذين العلمين ٩٥ كتاباً من مجموع مؤلفاته، ومن أهم النظريات في مجال الفلك، التي لا تزال تنسب إليه، دوران الأرض حول محورها، وتفسير ظاهرتي الكسوف والخسوف، كما اخترع بعض أدوات الرصد الفلكي، ورسم خطوط الطول والعرض، ووضع نظرية لقياس قطر الأرض وحساب محيطها، وأثبت ذلك عند قياس قمة جبل بباكستان، وذكر أن مجرة درب التبانة هي جزء من عدد كبير من المجرات في الكون، وهو أول من قال إن الأرض تدور حول محورها مرة كل يوم وحول الشمس مرة في العام.
إنجازاته في مجال الفيزياء وعلوم الأرض والتعدين لا تحصى، بل إنه يرجع إليه الفضل في تأليف أهم كتاب عن علاقة الصيدلة بالطب، وقد ألفه آخر سني حياته وأسماه «الصيدنة في الطب».
إن قراءة متأنية لعناوين بعض مؤلفاته تبين لنا قطر دائرة العلوم الطبيعية والإنسانية التي أحاط بها، مثل: «الاستيعاب في تسطيح الكرة»، و«التفهيم لأوائل صناعة التنجيم»، و«تجريد الشعاعات والأنوار»، و«استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني فيها»، و«تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن»، هذا بجانب أبحاثه عن كثافة المعادن، التي لا تزال تستعمل حتى الآن، علماً أن فكره الموسوعي تجاوز علم الرياضيات والرصد الفلكي، الذي كرس له كل حياته، إلى العلوم الإنسانية والأدبية، فقد ألف كتاباً في شرح شعر أبي تمام، وله كتاب «مختار الأشعار والآثار».
البيروني هو بالفعل أحد كبار الفلاسفة المسلمين، ويعد من أعظم العقول التي عرفتها الثقافة الإسلامية، ومن أهم الذين أرسوا مبادئ العلوم التي تعتمد على الرصد والدراسة والملاحظة المباشرة، أو ما يعرف في العلم الحديث بالـ Direct observation، كما أن كتابه الأساسي عن الهند وثقافات شعوبها ولغاتهم وديانتهم الهندوسية نموذج للدراسة الأنثروبولوجية المحايدة للمجتمع البشري، وقد وضع فيه بالفعل أسس علم العمل الميداني لجمع المادة الثقافية من المجتمع، وهو ما تقوم عليه دراسات علوم الأنثروبولوجيا والاجتماع والفولكلور وفروعها.
وتخليداً لإسهامات البيروني العلمية، أنشأت جمهورية أوزباكستان جامعة باسمه في العاصمة طشقند، وفي عام ١٩٧٣م، وبمناسبة مرور ١٠٠٠ عام على ميلاده، أصدرت روسيا طابعاً تذكارياً ومجلداً يحتوي على بعض مؤلفاته عملت على تحقيقها أكاديمية العلوم السوفييتية، كما مجدته الجمهورية الإسلامية الإيرانية في أكثر من مناسبة، ولعل أعظم تكريم له من قبل العلماء والفلكيين في العالم، هو أنهم بعد وصول الإنسان إلى القمر، الذي ساهم في دراسته ورصده، أطلقوا اسمه على إحدى فوهات البراكين الخامدة على سطحه، بجانب ٣٠٠ اسم من أسماء العلماء الأفذاذ على مر التاريخ، وبجانب اسمه كتب اسم ابن سينا والخوارزمي، وهما اثنان من معاصريه.
وتحدد عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية الشهيرة مارجريت ميد (١٩٠١ – ١٩٧٨) مجالات علم الأنثروبولوجيا قائلة: «نحن نصف الخصائص الإنسانية والبيولوجية والثقافية للنوع البشري عبر الأزمان وفي سائر الأماكن، ونحلل الصفات البيولوجية والثقافية المحلية كأنساق مترابطة ومتغيرة، ونعنى ببحث الإدراك العقلي للإنسان وابتكاراته ومعتقداته ووسائل اتصالاته»، وهذا هو بالضبط ما فعله البيروني قبل ألف عام وسطره في دراساته عن ثقافات الهند.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *