عروة بن الورد الفارس المتمرد .. «أمير الشعراء» الصعاليك في الجاهلية

مارس 2017

لم‭ ‬يكن‭ ‬العصر‭ ‬الجاهلي‭ ‬كله‭ ‬شراً،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬مهد‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬الآثار‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬العلمية،‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬مرتبتها‭ ‬العالية‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬العالمية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬القديمة‭ ‬أو‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭.‬

ومن‭ ‬الآثار‭ ‬الرائعة‭ ‬التي‭ ‬تركها‭ ‬لنا‭ ‬الجاهليون،‭ ‬علاقتهم‭ ‬الحميمة‭ ‬بالأنعام‭ ‬بجميع‭ ‬أنواعها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬الخيول،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬عندهم‭ ‬مرتبة‭ ‬خاصة‭.‬

كان‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الجاهلية‭ ‬يعيشون‭ ‬معيشة‭ ‬حربية،‭ ‬إما‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الرعي،‭ ‬أو‭ ‬للثأر،‭ ‬أو‭ ‬اتقاء‭ ‬لشر‭ ‬القبائل‭ ‬المنافسة،‭ ‬وكانوا‭ ‬يحاربون‭ ‬راجلين‭ ‬وركباناً‭ ‬على‭ ‬الإبل‭ ‬والخيل،‭ ‬وكانوا‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬الخيل‭ ‬ميزة‭ ‬لسرعتها‭ ‬في‭ ‬الطراد‭ ‬والإغارة،‭ ‬فأحبوها‭ ‬واعتنوا‭ ‬بها‭ ‬وبتربيتها‭ ‬واستنساخ‭ ‬كرائمها‭ ‬وترويضها‭ ‬للحروب‭ ‬والسباق،‭ ‬ودارت‭ ‬أوصافهم‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬شعرهم،‭ ‬فلم‭ ‬يتركوا‭ ‬عضواً‭ ‬فيها‭ ‬إلا‭ ‬وصفوه،‭ ‬ولا‭ ‬خصلة‭ ‬ولا‭ ‬عيباً‭ ‬إلا‭ ‬ذكروه،‭ ‬وتعد‭ ‬أبيات‭ ‬الشعر‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬معلقة‭ ‬الشاعر‭ ‬الجاهلي‭ ‬امرئ‭ ‬القيس‭ ‬بن‭ ‬حجر‭ ‬بن‭ ‬الحارث‭ ‬من‭ ‬أبلغ‭ ‬أبيات‭ ‬الشعر‭ ‬التي‭ ‬قيلت‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬الخيل،‭ ‬فيتغنى‭ ‬بحصانه‭ ‬أسود‭ ‬اللون‭ ‬قائلاً‭:‬

وَقَد‭ ‬أَغتَدي‭ ‬وَالطَيرُ‭ ‬في‭ ‬وكناتِها

بِمُنجَرِدٍ‭ ‬قَيدِ‭ ‬الأَوابِدِ‭ ‬هَيكَلِ

مِكَرٍّ‭ ‬مِفَرٍّ‭ ‬مُقبِلٍ‭ ‬مُدبِرٍ‭ ‬مَعاً

كَجُلمودِ‭ ‬صَخرٍ‭ ‬حَطَّهُ‭ ‬السَيلُ‭ ‬مِن‭ ‬عَلِ

كُمَيتٍ‭ ‬يَزِلُّ‭ ‬اللبدُ‭ ‬عَن‭ ‬حالِ‭ ‬مَتنِهِ

كَما‭ ‬زَلَّتِ‭ ‬الصَفواءُ‭ ‬بِالمُتَنَزَّلِ

مسحٍّ‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬السابحاتُ‭ ‬على‭ ‬الونى

أثرنَ‭ ‬غباراً‭ ‬بالكديد‭ ‬المركل

على‭ ‬العقبِ‭ ‬جيَّاش‭ ‬كأن‭ ‬اهتزامهُ

إذا‭ ‬جاش‭ ‬فيه‭ ‬حميُه‭ ‬غَليُ‭ ‬مِرْجلِ

يطيرُ‭ ‬الغلامُ‭ ‬الخفُّ‭ ‬عن‭ ‬صهواته

وَيلْوي‭ ‬بأثْوابِ‭ ‬العَنيفِ‭ ‬المُثقَّلِ

دَريرٍ‭ ‬كَخُذْروفِ‭ ‬الوَليدِ‭ ‬أمَرّهُ

تقلبُ‭ ‬كفيهِ‭ ‬بخيطٍ‭ ‬مُوصلِ

لهُ‭ ‬أيطلا‭ ‬ظبيٍ‭ ‬وساقا‭ ‬نعامة

وإرخاء‭ ‬سرحانٍ‭ ‬وتقريبُ‭ ‬تتفلِ

واشتهر‭ ‬بوصفها‭ ‬كذلك‭ ‬أبو‭ ‬داود‭ ‬الإيادي،‭ ‬وطفيل‭ ‬الغنوي،‭ ‬وسلامة‭ ‬بن‭ ‬جندل‭ ‬التميمي‭.‬

وفي‭ ‬الجاهلية‭ ‬اشتهر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الفرسان‭ ‬الذين‭ ‬حاربوا‭ ‬على‭ ‬صهوات‭ ‬الخيل‭ ‬وأظهروا‭ ‬بطولة‭ ‬نادرة‭ ‬حفظها‭ ‬لهم‭ ‬التاريخ،‭ ‬أشهرهم‭ ‬العباس‭ ‬بن‭ ‬مرداس‭ ‬السلمي،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬مُضر،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬سادات‭ ‬قومه،‭ ‬وأمه‭ ‬هي‭ ‬أشهر‭ ‬شاعرة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬العربي،‭ ‬وهي‭ ‬الخنساء،‭ ‬وقد‭ ‬أدرك‭ ‬الجاهلية‭ ‬والإسلام،‭ ‬وأسلم‭ ‬قبل‭ ‬فتح‭ ‬مكة،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬المؤلفة‭ ‬قلوبهم‭.‬

وغيره‭ ‬اشتهر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الفرسان،‭ ‬ولم‭ ‬يرد‭ ‬ذكرهم‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬التراث‭ ‬العربي،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬سيرهم‭ ‬الذاتية‭ ‬ملاحم‭ ‬وأساطير‭ ‬تتوارثها‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬أشهرهم‭ ‬عنترة‭ ‬بن‭ ‬شداد،‭ ‬وعامر‭ ‬بن‭ ‬طفيل،‭ ‬والزير‭ ‬سالم،‭ ‬وأبو‭ ‬زيد‭ ‬الهلالي‭.‬

فرسان‭ ‬الجاهلية‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬فرساناً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬يتمتعون‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬الفضائل‭ ‬والخصال‭ ‬الحميدة،‭ ‬مثل‭ ‬الكرم‭ ‬الفياض،‭ ‬والوفاء،‭ ‬والأنفة،‭ ‬وعزة‭ ‬النفس،‭ ‬والصبر‭ ‬على‭ ‬الشدائد‭ ‬وتحمل‭ ‬المشاق،‭ ‬ونصرة‭ ‬الضعيف،‭ ‬وحماية‭ ‬الجار،‭ ‬والحب‭ ‬العذري،‭ ‬وكان‭ ‬أكثرهم‭ ‬يقرض‭ ‬الشعر‭ ‬ويبرع‭ ‬فيه‭.‬

لقد‭ ‬سبق‭ ‬الفرسان‭ ‬العرب‭ ‬فرسان‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬النقاد‭ ‬يذهبون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السير‭ ‬الذاتية‭ ‬وأدب‭ ‬الفروسية‭ ‬العربية‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬ألهم‭ ‬رواة‭ ‬أدب‭ ‬الفروسية‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬وخلد‭ ‬سير‭ ‬أبطالها‭ ‬في‭ ‬الآداب‭ ‬العالمية‭.‬

ولأن‭ ‬لكل‭ ‬قاعدة‭ ‬شواذ،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬صفحات‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الشعر‭ ‬الجاهلي‭ ‬وشعر‭ ‬الفروسية‭ ‬الجاهلية‭ ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬طائفة‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬المتمردين‭ ‬على‭ ‬مجتمعهم‭ ‬وقبائلهم،‭ ‬وكانوا‭ ‬فرساناً‭ ‬بحق‭ ‬وحقيق‭ ‬وتنطبق‭ ‬عليهم‭ ‬كل‭ ‬خصال‭ ‬الفرسان،‭ ‬لكن‭ ‬حياتهم‭ ‬بنيت‭ ‬على‭ ‬السلب‭ ‬والنهب،‭ ‬ويطلق‭ ‬عليهم‭ ‬النقاد‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك،‭ ‬وخير‭ ‬مثال‭ ‬نختاره‭ ‬ليعرفنا‭ ‬بهم‭ ‬هو‭ ‬الشاعر‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الورد‭ ‬بن‭ ‬زيد‭ ‬العبسي،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬صعلكته‭ ‬من‭ ‬سادات‭ ‬قومه‭ ‬وأشرافهم‭.‬

كان‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك‭ ‬ينتمون‭ ‬لقبائل‭ ‬مختلفة،‭ ‬ونظن‭ ‬أن‭ ‬وصف‭ ‬الصعاليك‭ ‬يظلمهم‭ ‬كثيراً،‭ ‬وأقرب‭ ‬وصف‭ ‬لهم‭ ‬هو‭ ‬المتمردون‭ ‬على‭ ‬مجتمعهم،‭ ‬فقد‭ ‬كانوا‭ ‬لا‭ ‬يعترفون‭ ‬بسلطة‭ ‬القبيلة‭ ‬وواجباتها،‭ ‬لذلك‭ ‬طردوا‭ ‬من‭ ‬قبائلهم،‭ ‬فامتهنوا‭ ‬غزو‭ ‬القبائل‭ ‬بقصد‭ ‬الأخذ‭ ‬من‭ ‬أغنيائها‭ ‬وإعطاء‭ ‬المنبوذين‭ ‬والفقراء،‭ ‬ولم‭ ‬يكونوا‭ ‬يعترفون‭ ‬بالمعاهدات‭ ‬أو‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬بين‭ ‬القبائل،‭ ‬لهذا‭ ‬كانوا‭ ‬يعيشون‭ ‬حياة‭ ‬مليئة‭ ‬بالصراع‭ ‬والهروب‭ ‬الدائم،‭ ‬مطاردين‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القبائل،‭ ‬وكانوا‭ ‬يغيرون‭ ‬على‭ ‬قوافل‭ ‬الأغنياء‭ ‬التجارية،‭ ‬إما‭ ‬على‭ ‬صهوات‭ ‬خيولهم‭ ‬أو‭ ‬راجلين،‭ ‬لهذا‭ ‬اشتهروا‭ ‬بالعدو،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬السليك‭ ‬بن‭ ‬السلكة‭ ‬وصف‭ ‬بأنه‭ ‬أسرع‭ ‬عدواً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬فرس،‭ ‬ويصنفهم‭ ‬دارسو‭ ‬الشعر‭ ‬والمجتمع‭ ‬الجاهلي‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬فئات‭:‬

‮١‬‭- ‬الشواذ‭ ‬الذين‭ ‬نبذتهم‭ ‬قبائلهم‭ ‬لأنهم‭ ‬تمردوا‭ ‬عليها،‭ ‬أمثال‭ ‬حاجز‭ ‬الأزدي،‭ ‬وقيس‭ ‬الحدادية،‭ ‬والبراض‭ ‬بن‭ ‬قيس‭ ‬الكناني‭.‬

‮٢‬‭- ‬أبناء‭ ‬الحبشيات‭ ‬السود‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يلحقهم‭ ‬آباؤهم‭ ‬بأنسابهم،‭ ‬فثاروا‭ ‬على‭ ‬قبيلتهم‭ ‬ومجتمعهم،‭ ‬أمثال‭ ‬السليك‭ ‬بن‭ ‬السلكة‭ ‬وتأبط‭ ‬شراً‭ ‬والشنفرى‭.‬

‮٣‬‭- ‬فئة‭ ‬احترفت‭ ‬الصعلكة‭ ‬والتمرد‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬احترافاً‭ ‬وحولتها‭ ‬إلى‭ ‬مصاف‭ ‬الفروسية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأعمال‭ ‬الإيجابية‭ ‬التي‭ ‬يقومون‭ ‬بها،‭ ‬وهم‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬سلبهم‭ ‬ونهبهم‭ ‬للقوافل‭ ‬اشتهروا‭ ‬بخصال‭ ‬حميدة،‭ ‬منهم‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الورد،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬النقاد‭ ‬يصفون‭ ‬الشاعر‭ ‬المصري‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي‭ ‬بأنه‭ ‬أمير‭ ‬الشعراء،‭ ‬فإن‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الورد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يوصف‭ ‬بأنه‭ ‬أمير‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك‭ ‬في‭ ‬الجاهلية،‭ ‬والوصف‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬عندنا،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬عند‭ ‬النقاد‭ ‬والعارفين‭ ‬بأمره‭ ‬من‭ ‬معاصريه،‭ ‬فقد‭ ‬وصفوه‭ ‬بعروة‭ ‬الصعاليك،‭ ‬لاهتمامه‭ ‬بأمرهم‭ ‬والعناية‭ ‬بهم،‭ ‬وكان‭ ‬يجمعهم‭ ‬ويغير‭ ‬بهم‭.‬

هو‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الورد‭ ‬بن‭ ‬زيد‭ ‬العبسي،‭ ‬توفي‭ ‬قبل‭ ‬الهجرة‭ ‬بخمسة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً،‭ ‬أي‭ ‬حوالي‭ ‬عام‭ ‬‮٦٠٧‬م،‭ ‬كان‭ ‬فارساً‭ ‬من‭ ‬فرسان‭ ‬بني‭ ‬عبس،‭ ‬وكان‭ ‬كريماً‭ ‬جواداً،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يخفي‭ ‬غضبه‭ ‬على‭ ‬الأغنياء‭ ‬البخلاء،‭ ‬فكان‭ ‬يغير‭ ‬عليهم،‭ ‬ويختار‭ ‬في‭ ‬غاراته‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يمدون‭ ‬للمحتاجين‭ ‬يد‭ ‬العون،‭ ‬ولا‭ ‬يراعون‭ ‬الضعيف‭ ‬ولا‭ ‬القرابة،‭ ‬ولا‭ ‬حقاً‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬قومهم،‭ ‬وكان‭ ‬يغزو‭ ‬ليعين‭ ‬الفقراء‭ ‬والمستضعفين‭.‬

وجاء‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬الأثر،‭ ‬وأشهرها‭ ‬الأغاني‭ ‬لأبي‭ ‬الفرج‭ ‬الأصفهاني،‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬جدب‭ ‬يلجأون‭ ‬إلى‭ ‬عروة‭  ‬ويجلسون‭ ‬أمام‭ ‬بيته،‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬خرج‭ ‬وأبصروه‭ ‬قالوا‭ ‬‮«‬يا‭ ‬أبا‭ ‬الصعاليك‭ ‬أغثنا‮»‬،‭ ‬فيقضي‭ ‬حاجتهم،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يتوانى‭ ‬عن‭ ‬نصرة‭ ‬الضعفاء،‭ ‬وورد‭ ‬في‭ ‬الأثر‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬عبدالملك‭ ‬بن‭ ‬مروان‭ ‬قال‭: ‬‮«‬من‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬حاتماً‭ ‬أسمح‭ ‬فقد‭ ‬ظلم‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الورد‮»‬،‭ ‬وورد‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬معاوية‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬سفيان‭ ‬قال‭: ‬‮«‬لو‭ ‬كان‭ ‬لعروة‭ ‬بن‭ ‬الورد‭ ‬ولد‭ ‬لأحببت‭ ‬أن‭ ‬أتزوج‭ ‬إليهم‮»‬،‭ ‬وهناك‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشواهد‭ ‬التي‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الورد‭ ‬تجسدت‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬خصال‭ ‬الفارس‭ ‬العربي‭ ‬الأصيل،‭ ‬لهذا‭ ‬فإننا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬روايات‭ ‬سيرته‭ ‬الذاتية‭ ‬تتعامل‭ ‬معه‭ ‬باحترام‭ ‬شديد‭ ‬وتتحاشى‭ ‬وصفه‭ ‬بأنه‭ ‬صعلوك‭ ‬منبوذ‭ ‬من‭ ‬قبيلته‭.‬

وجاء‭ ‬في‭ ‬لسان‭ ‬العرب‭ ‬لابن‭ ‬منظور‭ ‬عدة‭ ‬معان‭ ‬لكلمة‭ ‬صعلوك،‭ ‬وما‭ ‬ينطبق‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬حال‭ ‬البشر‭ ‬أن‭ ‬الصعلوك‭ ‬هو‭ ‬الفقير‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬مال‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬اعتماد،‭ ‬وحاتم‭ ‬الطائي‭ ‬الذي‭ ‬يضرب‭ ‬به‭ ‬المثل‭ ‬في‭ ‬الكرم‭ ‬العربي‭ ‬يؤكد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬البيتين‭ ‬التاليين‭:‬

غنينا‭ ‬زماناً‭ ‬بالتصعلك‭ ‬والغنى

فكلتاهما‭ ‬يسقي‭ ‬بكأسيهما‭ ‬الدهر

فما‭ ‬زادنا‭ ‬بغياً‭ ‬على‭ ‬ذي‭ ‬قرابةٍ

غنانا‭ ‬ولا‭ ‬أزرى‭ ‬بأحسابنا‭ ‬الفقر

عاش‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك‭ ‬حياة‭ ‬ثورية‭ ‬تحارب‭ ‬الفقر‭ ‬والاضطهاد‭ ‬المجتمعي،‭ ‬لهذا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬شعرهم‭ ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬شجاعتهم‭ ‬والتفاخر‭ ‬بذواتهم‭ ‬ومآثرهم‭ ‬وقدراتهم‭ ‬وتحديهم‭ ‬للمجتمع،‭ ‬وكان‭ ‬شعراً‭ ‬يتميز‭ ‬بقوة‭ ‬العاطفة‭ ‬وسعة‭ ‬الخيال‭.‬

وقد‭ ‬خلا‭ ‬شعرهم‭ ‬من‭ ‬المقدمات‭ ‬الطللية‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬بها‭ ‬القصائد‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬زمنهم،‭ ‬خصوصاً‭ ‬المعلقات،‭ ‬إذ‭ ‬قضوا‭ ‬كل‭ ‬حياتهم‭ ‬في‭ ‬الفيافي‭ ‬وبين‭ ‬كثبان‭ ‬الرمال‭ ‬والقفار،‭ ‬لهذا‭ ‬من‭ ‬المنطقي‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إنهم‭ ‬كتبوا‭ ‬شعراً‭ ‬ثورياً‭ ‬جديداً‭ ‬كسروا‭ ‬به‭ ‬بنية‭ ‬قصيدة‭ ‬الشعر‭ ‬الجاهلي‭ ‬النمطية‭.‬

ترك‭ ‬عروة‭ ‬ديواناً‭ ‬جمعه‭ ‬ابن‭ ‬السكيت،‭ ‬وحققه‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬فؤاد‭ ‬نعناع،‭ ‬ونشرته‭ ‬مكتبة‭ ‬الخانجي‭ ‬بالقاهرة‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٩٥‬م،‭ ‬والصعلوك‭ ‬في‭ ‬ديوانه‭ ‬هو‭:‬

لحى‭ ‬اللَّهُ‭ ‬صُعلوكاً،‭ ‬إذا‭ ‬جَنّ‭ ‬ليلُهُ

مصافي‭ ‬المشاشِ،‭ ‬آلفاً‭ ‬كلَّ‭ ‬مجزرِ

يَعُدّ‭ ‬الغِنى‭ ‬من‭ ‬نفسه،‭ ‬كلّ‭ ‬ليلة

أصابَ‭ ‬قِراها‭ ‬من‭ ‬صَديقٍ‭ ‬ميسَّر

ويقول‭ ‬أيضاً‭:‬

وقد‭ ‬عيروني‭ ‬المال‭ ‬حين‭ ‬جمعته

وقد‭ ‬عيروني‭ ‬الفقر‭ ‬إذ‭ ‬أنا‭ ‬مقتر

ويقول‭ ‬كذلك‭:‬

إذا‭ ‬المرء‭ ‬لم‭ ‬يطلب‭ ‬معاشاً‭ ‬لنفسه

شكا‭ ‬الفقرَ‭ ‬أو‭ ‬لامَ‭ ‬الصّديقَ‭ ‬فأكثرا

ما‭ ‬أحوجنا‭ ‬إلى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬بالحكمة‭ ‬والعدالة‭ ‬شعر‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك،‭ ‬وكذلك‭ ‬شعر‭ ‬كل‭ ‬طوائف‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬يثور‭ ‬حول‭ ‬إنتاجهم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجدل‭.‬

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *