عروة بن الورد الفارس المتمرد .. «أمير الشعراء» الصعاليك في الجاهلية

مارس 2017

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

لم يكن العصر الجاهلي كله شراً، بل إنه مهد للكثير من الآثار الثقافية والاجتماعية، بل وحتى العلمية، التي وضعت الثقافة العربية الإسلامية في مرتبتها العالية بين الثقافات العالمية، سواء في العصور القديمة أو العصر الحديث.
ومن الآثار الرائعة التي تركها لنا الجاهليون، علاقتهم الحميمة بالأنعام بجميع أنواعها، خصوصاً الخيول، التي كان لها عندهم مرتبة خاصة.

كان‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الجاهلية‭ ‬يعيشون‭ ‬معيشة‭ ‬حربية،‭ ‬إما‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الرعي،‭ ‬أو‭ ‬للثأر،‭ ‬أو‭ ‬اتقاء‭ ‬لشر‭ ‬القبائل‭ ‬المنافسة،‭ ‬وكانوا‭ ‬يحاربون‭ ‬راجلين‭ ‬وركباناً‭ ‬على‭ ‬الإبل‭ ‬والخيل،‭ ‬وكانوا‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬الخيل‭ ‬ميزة‭ ‬لسرعتها‭ ‬في‭ ‬الطراد‭ ‬والإغارة،‭ ‬فأحبوها‭ ‬واعتنوا‭ ‬بها‭ ‬وبتربيتها‭ ‬واستنساخ‭ ‬كرائمها‭ ‬وترويضها‭ ‬للحروب‭ ‬والسباق،‭ ‬ودارت‭ ‬أوصافهم‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬شعرهم،‭ ‬فلم‭ ‬يتركوا‭ ‬عضواً‭ ‬فيها‭ ‬إلا‭ ‬وصفوه،‭ ‬ولا‭ ‬خصلة‭ ‬ولا‭ ‬عيباً‭ ‬إلا‭ ‬ذكروه،‭ ‬وتعد‭ ‬أبيات‭ ‬الشعر‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬معلقة‭ ‬الشاعر‭ ‬الجاهلي‭ ‬امرئ‭ ‬القيس‭ ‬بن‭ ‬حجر‭ ‬بن‭ ‬الحارث‭ ‬من‭ ‬أبلغ‭ ‬أبيات‭ ‬الشعر‭ ‬التي‭ ‬قيلت‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬الخيل،‭ ‬فيتغنى‭ ‬بحصانه‭ ‬أسود‭ ‬اللون‭ ‬قائلاً‭:‬

وَقَد‭ ‬أَغتَدي‭ ‬وَالطَيرُ‭ ‬في‭ ‬وكناتِها

بِمُنجَرِدٍ‭ ‬قَيدِ‭ ‬الأَوابِدِ‭ ‬هَيكَلِ

مِكَرٍّ‭ ‬مِفَرٍّ‭ ‬مُقبِلٍ‭ ‬مُدبِرٍ‭ ‬مَعاً

كَجُلمودِ‭ ‬صَخرٍ‭ ‬حَطَّهُ‭ ‬السَيلُ‭ ‬مِن‭ ‬عَلِ

كُمَيتٍ‭ ‬يَزِلُّ‭ ‬اللبدُ‭ ‬عَن‭ ‬حالِ‭ ‬مَتنِهِ

كَما‭ ‬زَلَّتِ‭ ‬الصَفواءُ‭ ‬بِالمُتَنَزَّلِ

مسحٍّ‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬السابحاتُ‭ ‬على‭ ‬الونى

أثرنَ‭ ‬غباراً‭ ‬بالكديد‭ ‬المركل

على‭ ‬العقبِ‭ ‬جيَّاش‭ ‬كأن‭ ‬اهتزامهُ

إذا‭ ‬جاش‭ ‬فيه‭ ‬حميُه‭ ‬غَليُ‭ ‬مِرْجلِ

يطيرُ‭ ‬الغلامُ‭ ‬الخفُّ‭ ‬عن‭ ‬صهواته

وَيلْوي‭ ‬بأثْوابِ‭ ‬العَنيفِ‭ ‬المُثقَّلِ

دَريرٍ‭ ‬كَخُذْروفِ‭ ‬الوَليدِ‭ ‬أمَرّهُ

تقلبُ‭ ‬كفيهِ‭ ‬بخيطٍ‭ ‬مُوصلِ

لهُ‭ ‬أيطلا‭ ‬ظبيٍ‭ ‬وساقا‭ ‬نعامة

وإرخاء‭ ‬سرحانٍ‭ ‬وتقريبُ‭ ‬تتفلِ

واشتهر‭ ‬بوصفها‭ ‬كذلك‭ ‬أبو‭ ‬داود‭ ‬الإيادي،‭ ‬وطفيل‭ ‬الغنوي،‭ ‬وسلامة‭ ‬بن‭ ‬جندل‭ ‬التميمي‭.‬

وفي‭ ‬الجاهلية‭ ‬اشتهر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الفرسان‭ ‬الذين‭ ‬حاربوا‭ ‬على‭ ‬صهوات‭ ‬الخيل‭ ‬وأظهروا‭ ‬بطولة‭ ‬نادرة‭ ‬حفظها‭ ‬لهم‭ ‬التاريخ،‭ ‬أشهرهم‭ ‬العباس‭ ‬بن‭ ‬مرداس‭ ‬السلمي،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬مُضر،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬سادات‭ ‬قومه،‭ ‬وأمه‭ ‬هي‭ ‬أشهر‭ ‬شاعرة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬العربي،‭ ‬وهي‭ ‬الخنساء،‭ ‬وقد‭ ‬أدرك‭ ‬الجاهلية‭ ‬والإسلام،‭ ‬وأسلم‭ ‬قبل‭ ‬فتح‭ ‬مكة،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬المؤلفة‭ ‬قلوبهم‭.‬

وغيره‭ ‬اشتهر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الفرسان،‭ ‬ولم‭ ‬يرد‭ ‬ذكرهم‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬التراث‭ ‬العربي،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬سيرهم‭ ‬الذاتية‭ ‬ملاحم‭ ‬وأساطير‭ ‬تتوارثها‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬أشهرهم‭ ‬عنترة‭ ‬بن‭ ‬شداد،‭ ‬وعامر‭ ‬بن‭ ‬طفيل،‭ ‬والزير‭ ‬سالم،‭ ‬وأبو‭ ‬زيد‭ ‬الهلالي‭.‬

فرسان‭ ‬الجاهلية‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬فرساناً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬يتمتعون‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬الفضائل‭ ‬والخصال‭ ‬الحميدة،‭ ‬مثل‭ ‬الكرم‭ ‬الفياض،‭ ‬والوفاء،‭ ‬والأنفة،‭ ‬وعزة‭ ‬النفس،‭ ‬والصبر‭ ‬على‭ ‬الشدائد‭ ‬وتحمل‭ ‬المشاق،‭ ‬ونصرة‭ ‬الضعيف،‭ ‬وحماية‭ ‬الجار،‭ ‬والحب‭ ‬العذري،‭ ‬وكان‭ ‬أكثرهم‭ ‬يقرض‭ ‬الشعر‭ ‬ويبرع‭ ‬فيه‭.‬

لقد‭ ‬سبق‭ ‬الفرسان‭ ‬العرب‭ ‬فرسان‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬النقاد‭ ‬يذهبون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السير‭ ‬الذاتية‭ ‬وأدب‭ ‬الفروسية‭ ‬العربية‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬ألهم‭ ‬رواة‭ ‬أدب‭ ‬الفروسية‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬وخلد‭ ‬سير‭ ‬أبطالها‭ ‬في‭ ‬الآداب‭ ‬العالمية‭.‬

ولأن‭ ‬لكل‭ ‬قاعدة‭ ‬شواذ،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬صفحات‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الشعر‭ ‬الجاهلي‭ ‬وشعر‭ ‬الفروسية‭ ‬الجاهلية‭ ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬طائفة‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬المتمردين‭ ‬على‭ ‬مجتمعهم‭ ‬وقبائلهم،‭ ‬وكانوا‭ ‬فرساناً‭ ‬بحق‭ ‬وحقيق‭ ‬وتنطبق‭ ‬عليهم‭ ‬كل‭ ‬خصال‭ ‬الفرسان،‭ ‬لكن‭ ‬حياتهم‭ ‬بنيت‭ ‬على‭ ‬السلب‭ ‬والنهب،‭ ‬ويطلق‭ ‬عليهم‭ ‬النقاد‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك،‭ ‬وخير‭ ‬مثال‭ ‬نختاره‭ ‬ليعرفنا‭ ‬بهم‭ ‬هو‭ ‬الشاعر‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الورد‭ ‬بن‭ ‬زيد‭ ‬العبسي،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬صعلكته‭ ‬من‭ ‬سادات‭ ‬قومه‭ ‬وأشرافهم‭.‬

كان‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك‭ ‬ينتمون‭ ‬لقبائل‭ ‬مختلفة،‭ ‬ونظن‭ ‬أن‭ ‬وصف‭ ‬الصعاليك‭ ‬يظلمهم‭ ‬كثيراً،‭ ‬وأقرب‭ ‬وصف‭ ‬لهم‭ ‬هو‭ ‬المتمردون‭ ‬على‭ ‬مجتمعهم،‭ ‬فقد‭ ‬كانوا‭ ‬لا‭ ‬يعترفون‭ ‬بسلطة‭ ‬القبيلة‭ ‬وواجباتها،‭ ‬لذلك‭ ‬طردوا‭ ‬من‭ ‬قبائلهم،‭ ‬فامتهنوا‭ ‬غزو‭ ‬القبائل‭ ‬بقصد‭ ‬الأخذ‭ ‬من‭ ‬أغنيائها‭ ‬وإعطاء‭ ‬المنبوذين‭ ‬والفقراء،‭ ‬ولم‭ ‬يكونوا‭ ‬يعترفون‭ ‬بالمعاهدات‭ ‬أو‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬بين‭ ‬القبائل،‭ ‬لهذا‭ ‬كانوا‭ ‬يعيشون‭ ‬حياة‭ ‬مليئة‭ ‬بالصراع‭ ‬والهروب‭ ‬الدائم،‭ ‬مطاردين‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القبائل،‭ ‬وكانوا‭ ‬يغيرون‭ ‬على‭ ‬قوافل‭ ‬الأغنياء‭ ‬التجارية،‭ ‬إما‭ ‬على‭ ‬صهوات‭ ‬خيولهم‭ ‬أو‭ ‬راجلين،‭ ‬لهذا‭ ‬اشتهروا‭ ‬بالعدو،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬السليك‭ ‬بن‭ ‬السلكة‭ ‬وصف‭ ‬بأنه‭ ‬أسرع‭ ‬عدواً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬فرس،‭ ‬ويصنفهم‭ ‬دارسو‭ ‬الشعر‭ ‬والمجتمع‭ ‬الجاهلي‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬فئات‭:‬

‮١‬‭- ‬الشواذ‭ ‬الذين‭ ‬نبذتهم‭ ‬قبائلهم‭ ‬لأنهم‭ ‬تمردوا‭ ‬عليها،‭ ‬أمثال‭ ‬حاجز‭ ‬الأزدي،‭ ‬وقيس‭ ‬الحدادية،‭ ‬والبراض‭ ‬بن‭ ‬قيس‭ ‬الكناني‭.‬

‮٢‬‭- ‬أبناء‭ ‬الحبشيات‭ ‬السود‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يلحقهم‭ ‬آباؤهم‭ ‬بأنسابهم،‭ ‬فثاروا‭ ‬على‭ ‬قبيلتهم‭ ‬ومجتمعهم،‭ ‬أمثال‭ ‬السليك‭ ‬بن‭ ‬السلكة‭ ‬وتأبط‭ ‬شراً‭ ‬والشنفرى‭.‬

‮٣‬‭- ‬فئة‭ ‬احترفت‭ ‬الصعلكة‭ ‬والتمرد‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬احترافاً‭ ‬وحولتها‭ ‬إلى‭ ‬مصاف‭ ‬الفروسية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأعمال‭ ‬الإيجابية‭ ‬التي‭ ‬يقومون‭ ‬بها،‭ ‬وهم‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬سلبهم‭ ‬ونهبهم‭ ‬للقوافل‭ ‬اشتهروا‭ ‬بخصال‭ ‬حميدة،‭ ‬منهم‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الورد،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬النقاد‭ ‬يصفون‭ ‬الشاعر‭ ‬المصري‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي‭ ‬بأنه‭ ‬أمير‭ ‬الشعراء،‭ ‬فإن‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الورد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يوصف‭ ‬بأنه‭ ‬أمير‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك‭ ‬في‭ ‬الجاهلية،‭ ‬والوصف‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬عندنا،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬عند‭ ‬النقاد‭ ‬والعارفين‭ ‬بأمره‭ ‬من‭ ‬معاصريه،‭ ‬فقد‭ ‬وصفوه‭ ‬بعروة‭ ‬الصعاليك،‭ ‬لاهتمامه‭ ‬بأمرهم‭ ‬والعناية‭ ‬بهم،‭ ‬وكان‭ ‬يجمعهم‭ ‬ويغير‭ ‬بهم‭.‬

هو‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الورد‭ ‬بن‭ ‬زيد‭ ‬العبسي،‭ ‬توفي‭ ‬قبل‭ ‬الهجرة‭ ‬بخمسة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً،‭ ‬أي‭ ‬حوالي‭ ‬عام‭ ‬‮٦٠٧‬م،‭ ‬كان‭ ‬فارساً‭ ‬من‭ ‬فرسان‭ ‬بني‭ ‬عبس،‭ ‬وكان‭ ‬كريماً‭ ‬جواداً،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يخفي‭ ‬غضبه‭ ‬على‭ ‬الأغنياء‭ ‬البخلاء،‭ ‬فكان‭ ‬يغير‭ ‬عليهم،‭ ‬ويختار‭ ‬في‭ ‬غاراته‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يمدون‭ ‬للمحتاجين‭ ‬يد‭ ‬العون،‭ ‬ولا‭ ‬يراعون‭ ‬الضعيف‭ ‬ولا‭ ‬القرابة،‭ ‬ولا‭ ‬حقاً‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬قومهم،‭ ‬وكان‭ ‬يغزو‭ ‬ليعين‭ ‬الفقراء‭ ‬والمستضعفين‭.‬

وجاء‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬الأثر،‭ ‬وأشهرها‭ ‬الأغاني‭ ‬لأبي‭ ‬الفرج‭ ‬الأصفهاني،‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬جدب‭ ‬يلجأون‭ ‬إلى‭ ‬عروة‭  ‬ويجلسون‭ ‬أمام‭ ‬بيته،‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬خرج‭ ‬وأبصروه‭ ‬قالوا‭ ‬‮«‬يا‭ ‬أبا‭ ‬الصعاليك‭ ‬أغثنا‮»‬،‭ ‬فيقضي‭ ‬حاجتهم،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يتوانى‭ ‬عن‭ ‬نصرة‭ ‬الضعفاء،‭ ‬وورد‭ ‬في‭ ‬الأثر‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬عبدالملك‭ ‬بن‭ ‬مروان‭ ‬قال‭: ‬‮«‬من‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬حاتماً‭ ‬أسمح‭ ‬فقد‭ ‬ظلم‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الورد‮»‬،‭ ‬وورد‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬معاوية‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬سفيان‭ ‬قال‭: ‬‮«‬لو‭ ‬كان‭ ‬لعروة‭ ‬بن‭ ‬الورد‭ ‬ولد‭ ‬لأحببت‭ ‬أن‭ ‬أتزوج‭ ‬إليهم‮»‬،‭ ‬وهناك‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشواهد‭ ‬التي‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الورد‭ ‬تجسدت‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬خصال‭ ‬الفارس‭ ‬العربي‭ ‬الأصيل،‭ ‬لهذا‭ ‬فإننا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬روايات‭ ‬سيرته‭ ‬الذاتية‭ ‬تتعامل‭ ‬معه‭ ‬باحترام‭ ‬شديد‭ ‬وتتحاشى‭ ‬وصفه‭ ‬بأنه‭ ‬صعلوك‭ ‬منبوذ‭ ‬من‭ ‬قبيلته‭.‬

وجاء‭ ‬في‭ ‬لسان‭ ‬العرب‭ ‬لابن‭ ‬منظور‭ ‬عدة‭ ‬معان‭ ‬لكلمة‭ ‬صعلوك،‭ ‬وما‭ ‬ينطبق‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬حال‭ ‬البشر‭ ‬أن‭ ‬الصعلوك‭ ‬هو‭ ‬الفقير‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬مال‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬اعتماد،‭ ‬وحاتم‭ ‬الطائي‭ ‬الذي‭ ‬يضرب‭ ‬به‭ ‬المثل‭ ‬في‭ ‬الكرم‭ ‬العربي‭ ‬يؤكد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬البيتين‭ ‬التاليين‭:‬

غنينا‭ ‬زماناً‭ ‬بالتصعلك‭ ‬والغنى

فكلتاهما‭ ‬يسقي‭ ‬بكأسيهما‭ ‬الدهر

فما‭ ‬زادنا‭ ‬بغياً‭ ‬على‭ ‬ذي‭ ‬قرابةٍ

غنانا‭ ‬ولا‭ ‬أزرى‭ ‬بأحسابنا‭ ‬الفقر

عاش‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك‭ ‬حياة‭ ‬ثورية‭ ‬تحارب‭ ‬الفقر‭ ‬والاضطهاد‭ ‬المجتمعي،‭ ‬لهذا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬شعرهم‭ ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬شجاعتهم‭ ‬والتفاخر‭ ‬بذواتهم‭ ‬ومآثرهم‭ ‬وقدراتهم‭ ‬وتحديهم‭ ‬للمجتمع،‭ ‬وكان‭ ‬شعراً‭ ‬يتميز‭ ‬بقوة‭ ‬العاطفة‭ ‬وسعة‭ ‬الخيال‭.‬

وقد‭ ‬خلا‭ ‬شعرهم‭ ‬من‭ ‬المقدمات‭ ‬الطللية‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬بها‭ ‬القصائد‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬زمنهم،‭ ‬خصوصاً‭ ‬المعلقات،‭ ‬إذ‭ ‬قضوا‭ ‬كل‭ ‬حياتهم‭ ‬في‭ ‬الفيافي‭ ‬وبين‭ ‬كثبان‭ ‬الرمال‭ ‬والقفار،‭ ‬لهذا‭ ‬من‭ ‬المنطقي‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إنهم‭ ‬كتبوا‭ ‬شعراً‭ ‬ثورياً‭ ‬جديداً‭ ‬كسروا‭ ‬به‭ ‬بنية‭ ‬قصيدة‭ ‬الشعر‭ ‬الجاهلي‭ ‬النمطية‭.‬

ترك‭ ‬عروة‭ ‬ديواناً‭ ‬جمعه‭ ‬ابن‭ ‬السكيت،‭ ‬وحققه‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬فؤاد‭ ‬نعناع،‭ ‬ونشرته‭ ‬مكتبة‭ ‬الخانجي‭ ‬بالقاهرة‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٩٥‬م،‭ ‬والصعلوك‭ ‬في‭ ‬ديوانه‭ ‬هو‭:‬

لحى‭ ‬اللَّهُ‭ ‬صُعلوكاً،‭ ‬إذا‭ ‬جَنّ‭ ‬ليلُهُ

مصافي‭ ‬المشاشِ،‭ ‬آلفاً‭ ‬كلَّ‭ ‬مجزرِ

يَعُدّ‭ ‬الغِنى‭ ‬من‭ ‬نفسه،‭ ‬كلّ‭ ‬ليلة

أصابَ‭ ‬قِراها‭ ‬من‭ ‬صَديقٍ‭ ‬ميسَّر

ويقول‭ ‬أيضاً‭:‬

وقد‭ ‬عيروني‭ ‬المال‭ ‬حين‭ ‬جمعته

وقد‭ ‬عيروني‭ ‬الفقر‭ ‬إذ‭ ‬أنا‭ ‬مقتر

ويقول‭ ‬كذلك‭:‬

إذا‭ ‬المرء‭ ‬لم‭ ‬يطلب‭ ‬معاشاً‭ ‬لنفسه

شكا‭ ‬الفقرَ‭ ‬أو‭ ‬لامَ‭ ‬الصّديقَ‭ ‬فأكثرا

ما‭ ‬أحوجنا‭ ‬إلى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬بالحكمة‭ ‬والعدالة‭ ‬شعر‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك،‭ ‬وكذلك‭ ‬شعر‭ ‬كل‭ ‬طوائف‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬يثور‭ ‬حول‭ ‬إنتاجهم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجدل‭.‬

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *