تأبط شراً.. قرصان الصحراء الجاهلي الذي ترجم شعره إلى اللغات الأجنبية

أبريل 2017

لا شك من أن ما وصل إلينا من آثار الجاهلية نظماً ونثراً شيء يسير جداً، لا يعبر عما أنشده العرب أو رووه في مسامراتهم ومواسمهم ومفاخراتهم وتهاجيهم، وما قالوه ارتجالاً في غزواتهم وحروبهم وغيرها من الحوادث، فقد كانوا أكثر الأمم شعراً، ولهم فيه التصرف العجيب والاقتدار اللطيف، وصدق أبو هلال العسكري (المتوفى ١٠٠٥م) حين قال: «لا تعرف أنساب العرب وتواريخها وأيامها ووقائعها إلا من جملة أشعارها، فالشعر ديوان العرب وخزانة حكمتها ومستنبط آدابها ومستودع علومها».

واستقطبت القصائد الطوال لشعراء الجاهلية، التي يطلق عليها تارة المعلقات وتارة المذهبات، اهتمام المؤرخين والنقاد والأدباء، تارة من منظور علمي، وتارة من منظور عاطفي، وتارة ثالثة من منظور لغوي، ورفعوها إلى عنان سماء الشعر، لأنها تعبر عن شعر لعب دوراً مهماً في تاريخ اللغة الأدبية، بل واللغة العربية في مجملها.
سحب المعلقات هذه وموهبة شعرائها حجبت عن الأنظار عوالم شعرية لا تقل عنها جمالاً وتأثيراً كانت قد ازدهرت في عصر الجاهلية، الذي لم يدم طويلاً (١٣٠ سنة تقريباً)، وطرز فيها أكثر من ثمانين شاعراً وديان البادية بأشعارهم، من ضمن هؤلاء الشعراء المتمردون، أو الصعاليك كما درجت مراجع الأدب على وصفهم.
الصعلوك في اللغة هو الفقير الذي لا يملك مالاً يعينه على أعباء الحياة، لكن هذه الكلمة في الجاهلية لم تقف عند دلالتها اللغوية الخالصة، فقد دلت على من يتجردون للغارات وقطع الطرق، ويصنفهم النقاد إلى ثلاث مجموعات، مجموعة من الخلعاء الشذاذ الذين خلعتهم قبائلهم لكثرة جرائرهم، والمجموعة الثانية أبناء الحبشيات السود ممن نبذهم آباؤهم ولم يلحقوهم بهم، ومجموعة ثالثة احترفت الصعلكة احترافاً، مثل عروة بن الورد، الذي كان أميرهم وقائدهم، وكتبنا عنه في عدد «الريان» الفائت، كما أن «تأبط شراً» يشكل نموذجاً فريداً من قراصنة الصحراء والشعراء الذين عاشوا مطرودين من قبائلهم وترددت في أشعارهم صيحات الفقر والجوع وماجت في صدورهم ثورة عارمة على الأغنياء الأشحاء.
اسمه بالكامل ثابت بن جابر بن سفيان، كان ابن أمة حبشية سوداء ورث عنها سوادها، وقيل بل أمه حرة من فهم تسمى أميمة، واختلف القدماء في تعليل لقبه «تأبط شراً»، فقيل لقبته به أمه إذ تأبط سيفاً وخرج، فلما سئلت عنه قالت «تأبط شراً» ومضى لوجهه، وقيل بل سمته أو لقبته بذلك لأنها رأته يتأبط جراباً مليئاً بالأفاعي، وربما كانت قبيلته التي لقبته بذلك لكثرة ما يرتكب من جنايات وجرائر.
مات أبوه وهو صغير، فتزوجت أمه بأبي كبير الهذلي، وكان صعلوكاً كبيراً، فخرّجه على شاكلته، وربما كان لسواده وأنه ابن أمة أثر في تصعلكه، وكان يرافق صعلوكاً آخر في غزواته، وهو الشنفرى، خاله في النسب.
عاش تأبط شراً في بادية الحجاز بديار قبيلة بني فهم، وكان خارق القوة، إذا اتكأ على بعير أسقطه، وإن استوى على ظهر فرس أجهضت، واشتهر مثل بقية الصعاليك بسرعة العدو، ويوصف بأنه أسرع من الجياد الجامحة، ويسبق الظبي في عدوه، وكان الصعاليك في كثير من الأحيان يغيرون إما على ظهور الخيل أو راجلين، لهذا أطلقوا عليهم اسم العدائين، وضربت بعدو السليك والشنفرى الأمثال، فيقال «أعدى من السُّليك»، أو «أعدى من الشنفرى»، ويقال عن تأبط شراً أنه كان أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذي عينين، وكان إذا جاع ينظر إلى الظباء فينتقي أسمنها ويجري خلفه فلا يفوته حتى يأخذه فيذبحه بسيفه ثم يشويه فيأكله.
كانت الصعلكة في أواخر العصر الجاهلي نظاماً اجتماعياً يشبه نظام الفروسية، وهي حقاً تقوم على السلب والنهب، لكنهم كانوا لا يسلبون ولا ينهبون سيداً كريماً، وكان لهم مثلهم في الحياة، وهم في أشعارهم يتغنون بمغامراتهم، ويكثرون من البر بالأقارب والأهل، والترفع والشعور بالكرامة في الحياة، ويصف تأبط شراً نفسه قائلاً:
لَيْلَةَ صَاحُوا وَأَغْرَوْا بِي سِرَاعَهُمُ
بِالْعَيْكَتَيْنِ لَدَى مَعْدَى ابنِ بَرَّاقِ
كَأَنَّمَا حَثْحثُوا حُصّاً قَوَادِمُهُ
أَوْ أُمَّ خُشْفٍ بِذِي شَثٍّ وَطُبَّاقِ
لا شَيْءَ أَسْرَعُ مِنِّي لَيْسَ ذَا عُذَرٍ
وذا جَنَاحٍ بِجَنْبِ الرَّيْدِ خَفَّاقِ
حَتَى نَجَوْتُ وَلَمَّا يَنْزِعُوا سَلَبي
بِوَالِهٍ مِنْ قَبِيضِ الشَّدِّ غَيْدَاقِ
كان تأبط شراً من أقوى الصعاليك شكيمة، وكان دائماً ما يحمل زادهم، وظل يتابع مغامراته حتى قتل في إحدى غاراته بمنازل هذيل، ولا تذكر لنا المراجع طريقة موته، لكن تذكر لنا أنه الشاعر الصعلوك الوحيد الذي لفتت أشعاره الأنظار بلغتها العربية الفصيحة التي لا تشوبها شائبة اللحن، وأنه في أشعاره أكثر ميلاً إلى التفلسف والتجويد اللغوي.
حياة تأبط شراً المليئة بالمغامرات والتشرد ربما لعبت دوراً في ضياع أغلب أشعاره، لكن القليل الذي رصدته مصادر الأدب أبان أنه يعد من شعراء الجاهلية الأفذاذ، وأن شعره كان أكثر دوراناً على الألسنة، وإن كان بعض النقاد المعاصرين يشككون في نسبة شعره إليه، إلا أن بعض الشواهد التاريخية للنقاد تبين صدق وسلامة ما وصل إلينا من قصائده، فالمفضل الضبي، وهو أبرز رواة الشعر الجاهلي وأهمهم، افتتح اختياراته بقصيدة لتأبط شراً، واختار أبو تمام في حماسته أربع قصائد لتأبط شراً، ومثله فعلت كل كتب الاختيارات الرئيسية في الأدب العربي، فلم يخل واحد منها من قصيدة أو أبيات له، وقد أورد ابن منظور في لسان العرب واحداً وستين شاهداً من شعر تأبط شراً، توزعتها خمسون مادة من مواد اللسان.
ولتجميع ديوان تأبط شراً لا يزال الباحثون ينقبون في كتب المختارات الشعرية وشروحها، وكتب الأخبار وتاريخ الأدب وشروحها، وكتب النحو واللغة والبلدان الأنساب، والكتب العامة في النقد والأدب، إلا أن أهم مصادر شعره هو ديوان قبيلة فهم، الذي جمعه أبو سعيد السكري، وأهم رواته ابن جني، أما أهم شراحه في العصر الحديث فهو علي ذو الفقار شاكر، الذي نشر وشرح ديوانه عام ١٩٨٤م.
اهتم المستشرقون كثيراً بأشعار تأبط شراً على قلتها، وأول من ترجم قصائده إلى اللاتينية هو المستشرق الألماني فريتاج، لكن أشهر من أعجب بأشعاره وترجم له هو الشاعر والفيلسوف والناقد والروائي الألماني الشهير يوهان فولفغانغ غوته (١٧٤٩-١٨٣٢م)، أبو الأدب الألماني الحديث، الذي أطلق الألمان اسمه على المراكز الثقافية الألمانية في كل أنحاء العالم.
درس غوته الآداب واللغات الأوروبية في مطلع شبابه، ثم اتجه للغات الشرقية، وتعمق في الأدب الفارسي والصيني والعربي، واطلع على كتب النحو والصرف، ومن أشهر كتبه «آلام فرتر» و«فاوست»، وقد تأثر فيهما بالأدب العربي.
ولكثرة إعجابه باللغة العربية تنسب له قولة صادقة، وهي: «لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط، مثلما حدث في اللغة العربية، إنه تناسق غريب في ظل جسد واحد»، ولكثرة اطلاعه على الأشعار والملاحم العربية تأثر بعدد من الشعراء، وأعجب بشعراء العصر الجاهلي، وترجم عام ١٧٨٣ بعضاً من قصائدهم نشرها في كتاب أسماه «الديوان الشرقي الغربي»، إلا أن أشهر ترجماته كانت لقصيدة تأبط شراً، التي ننشرها هنا كاملة، وقد ترجمت إلى اللغة الإنجليزية، ثم إلى اللغات الأوروبية الأخرى، وهي قصيدة ثأرية، وعلى الرغم من أن هناك حواراً يدور بين النقاد حول نسبة هذه القصيدة إليه أو إلى ابن أخته خفاف بن نضلة، إلا أنها تحكي عن انتقام تأبط شراً من قبيلة هذيل، التي قتلت خاله الشنفرى، وكيف أخذ بثأره منهم.
وعلى الرغم من أن القصيدة حافلة بالكلمات العربية التي أصبحت من الأوابد وغير مفهومة في عصرنا الراهن، إلا أن قدرة تأبط شراً الفذة في بناء معمار قصيدة مليئة بالمشاعر تنبئ عن شاعر كبير عاش وكافح ومات طريداً في كثبان الصحراء، يتأبط الشر أينما قادته قدماه، ولم يكن يعلم أن سيرته الذاتية ستصبح مصدر اهتمام، وأن أشعاره ستحتل مكانها اللائق في أرفف أرقى المكتبات العربية والعالمية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *