أحمد بن ماجد.. أسد البحار وقاهر بحر الظلمات

مايو 2017

للعام‭ ‬السادس‭ ‬على‭ ‬التوالي‭ ‬تنظم‭ ‬المؤسسة‭ ‬العامة‭ ‬للحي‭ ‬الثقافي‭ ‬اكتاراب‭ ‬بطولة‭ ‬اسنيارب‭ ‬لصيد‭ ‬السمك‭ ‬والغوص‭ ‬على‭ ‬اللؤلؤ،‭ ‬ووسط‭ ‬أجواء‭ ‬من‭ ‬التنافس‭ ‬والحماس‭ ‬انطلقت‭ ‬عشرات‭ ‬السفن‭ ‬تمخر‭ ‬عباب‭ ‬مياه‭ ‬الخليج،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لتعيد‭ ‬للأذهان‭ ‬ذكريات‭ ‬أيام‭ ‬عريقة‭ ‬مضت،‭ ‬إنما‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬حب‭ ‬البحر‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬دماء‭ ‬أهل‭ ‬الخليج‭ ‬مثل‭ ‬جريان‭ ‬الماء‭ ‬في‭ ‬هيرات‭ ‬اللؤلؤ،‭ ‬وأن‭ ‬الأجيال‭ ‬الحالية‭ ‬وأحفاد‭ ‬أهل‭ ‬الخليج‭ ‬هم‭ ‬حفظة‭ ‬القيم‭ ‬الأصيلة‭ ‬للمجتمع‭.‬

في‭ ‬الموعد‭ ‬هذا‭ ‬نفسه‭ ‬تقريباً‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬وفي‭ ‬أوج‭ ‬موسم‭ ‬الغوص‭ ‬لاستخراج‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬منذ‭ ‬أربعينيات‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬كانت‭ ‬تنطلق‭ ‬آلاف‭ ‬السفن‭ ‬لاستخراج‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬من‭ ‬الخليج،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬استخراجه‭ ‬وبيعه‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الرئيسي‭ ‬لسكان‭ ‬الخليج‭ ‬قبل‭ ‬اكتشاف‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.‬

ويذكر‭ ‬الرحالة‭ ‬جيمس‭ ‬ولستد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬رحلات‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬العرب‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬نشر‭ ‬عام‭ ‬‮١٨٢٨‬،‭ ‬أن‭ ‬ذروة‭ ‬الموسم‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬شهدت‭ ‬إبحار‭ ‬‮٣٥٠٠‬‭ ‬قارب‭ ‬من‭ ‬شتى‭ ‬الأشكال‭ ‬والأحجام،‭ ‬يقابلها‭ ‬‮٧٠٠‬‭ ‬قارب‭ ‬في‭ ‬الساحل‭ ‬بين‭ ‬قطر‭ ‬وعمان‭.‬

لكن‭ ‬هل‭ ‬كانت‭ ‬تجارة‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬وحدها‭ ‬هي‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتجاري‭ ‬الذي‭ ‬جلب‭ ‬الازدهار‭ ‬لشبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬وكان‭ ‬مصدر‭ ‬تواصلها‭ ‬مع‭ ‬أوروبا‭ ‬وجيرانها‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬والصين‭ ‬وبلاد‭ ‬فارس؟،‭ ‬وهل‭ ‬اقتصرت‭ ‬معارف‭ ‬العرب‭ ‬البحرية‭ ‬على‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وحده؟‭!.‬

يجمع‭ ‬الجغرافيون‭ ‬والمؤرخون‭ ‬الذين‭ ‬اهتموا‭ ‬بتاريخ‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬سواحل‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬ملاحون‭ ‬مهرة‭ ‬منذ‭ ‬القدم،‭ ‬وأن‭ ‬الرحلات‭ ‬البحرية‭ ‬العربية‭ ‬ربطت‭ ‬بين‭ ‬سواحل‭ ‬أفريقيا‭ ‬الشرقية‭ ‬ومناطق‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬وقد‭ ‬زخرت‭ ‬قصص‭ ‬البحارة‭ ‬العرب‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام‭ ‬وبعده‭ ‬بالمعلومات‭ ‬عن‭ ‬طباع‭ ‬الشعوب‭ ‬والعادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬البقاع‭ ‬البعيدة،‭ ‬مثل‭ ‬الهند‭ ‬والصين‭ ‬واليابان،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬أوروبا‭ ‬تجهل‭ ‬الكثير‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأماكن،‭ ‬وقد‭ ‬وصلت‭ ‬سفن‭ ‬التجار‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬جزر‭ ‬وبحار‭ ‬الشرق‭ ‬الأقصى‭ ‬والأدنى،‭ ‬وأبحرت‭ ‬عبر‭ ‬بحار‭ ‬وجزر‭ ‬العالم‭ ‬المعروفة‭ ‬وغير‭ ‬المعروفة،‭ ‬والأسماء‭ ‬التي‭ ‬أطلقوها‭ ‬على‭ ‬الأماكن‭ ‬الجغرافية‭ ‬تؤكد‭ ‬طول‭ ‬باعهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬فالبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬أسموه‭ ‬بحر‭ ‬القلزم،‭ ‬وجزيرة‭ ‬سريلانكا‭ ‬الحالية‭ ‬أسموها‭ ‬سرنديب،‭ ‬والبحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬أسموه‭ ‬بحر‭ ‬الروم،‭ ‬والمحيط‭ ‬الأطلسي‭ ‬أسموه‭ ‬بحر‭ ‬الظلمات،‭ ‬وتذكر‭ ‬بعض‭ ‬المصادر‭ ‬أن‭ ‬جزر‭ ‬واق‭ ‬الواق،‭ ‬التي‭ ‬ورد‭ ‬اسمها‭ ‬في‭ ‬كتبهم‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬الجغرافيون‭ ‬لها‭ ‬أثراً‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬الراهن،‭ ‬هي‭ ‬الجزر‭ ‬اليابانية‭ ‬الحالية‭.‬

لقد‭ ‬ترك‭ ‬التجار‭ ‬والرحالة‭ ‬والجوالة‭ ‬العرب،‭ ‬الذين‭ ‬جابوا‭ ‬بحار‭ ‬آسيا‭ ‬طولاً‭ ‬وعرضاً،‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬المؤلفات،‭ ‬ليس‭ ‬عن‭ ‬أخبار‭ ‬رحلاتهم،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬طرق‭ ‬الملاحة‭ ‬والفلك،‭ ‬واخترعوا‭ ‬أجهزة‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية،‭ ‬وطوروا‭ ‬أشرعة‭ ‬السفن،‭ ‬ودرسوا‭ ‬التيارات‭ ‬البحرية‭ ‬والرياح‭ ‬الموسمية‭.‬

ولعل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الكتب‭ ‬عن‭ ‬الرحلات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهندي‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬يروي‭ ‬رحلة‭ ‬التاجر‭ ‬سليمان‭ ‬السيرافي،‭ ‬وكان‭ ‬سليمان‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬التجار‭ ‬الذين‭ ‬ارتادوا‭ ‬البحار،‭ ‬ووصف‭ ‬سياحته‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬والصين‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬نشره‭ ‬عام‭ ‬‮٨٥١‬م،‭ ‬وفيه‭ ‬قدم‭ ‬وصفاً‭ ‬دقيقاً‭ ‬صادقاً‭ ‬للطرق‭ ‬التجارية،‭ ‬وبعض‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬والنظم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ومن‭ ‬الأخبار‭ ‬الطريفة‭ ‬التي‭ ‬أوردها‭ ‬كيفية‭ ‬شرب‭ ‬الشاي‭ ‬في‭ ‬البلاط‭ ‬الملكي‭ ‬الصيني،‭ ‬وهو‭ ‬أول‭ ‬شخص‭ ‬غير‭ ‬صيني‭ ‬يكتب‭ ‬عن‭ ‬الشاي،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعرفه‭ ‬العالم‭ ‬إلا‭  ‬في‭ ‬عصور‭ ‬قريبة،‭ ‬فقد‭ ‬ذكر‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬أن‭ ‬ملك‭ ‬الصين‭ ‬يحتفظ‭ ‬لنفسه‭ ‬بالدخل‭ ‬الناتج‭ ‬من‭ ‬محاجر‭ ‬الملح،‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬العشب‭ ‬يشربه‭ ‬الصينيون‭ ‬مع‭ ‬الماء‭ ‬الساخن‭ ‬ويباع‭ ‬منه‭ ‬الشيء‭ ‬الكثير‭ ‬في‭ ‬مدنهم‭ ‬ويسمونه‭ ‬‮«‬ساخ‮»‬‭.‬

وتذكر‭ ‬بعض‭ ‬المصادر‭ ‬أيضاً‭ ‬أخباراً‭ ‬عن‭ ‬رحلات‭ ‬التجار‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬الهند‭ ‬والصين،‭ ‬منهم‭ ‬العماني‭ ‬أبو‭ ‬أبايضة‭ ‬الصغير،‭ ‬الذي‭ ‬زار‭ ‬الصين‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬الهجري،‭ ‬كما‭ ‬تذكر‭ ‬المصادر‭ ‬أن‭ ‬تاجراً‭ ‬من‭ ‬البصرة‭ ‬كان‭ ‬يمول‭ ‬الرحلات‭ ‬التجارية‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬عام‭ ‬‮٧٧٥‬م‭.‬

لكن‭ ‬الملاح‭ ‬والفلكي‭ ‬والتاجر‭ ‬العماني‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬ماجد‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬الرحالة‭ ‬العرب‭ ‬شهرة‭ ‬وتأثيراً‭ ‬في‭ ‬الملاحة‭ ‬العالمية،‭ ‬ويستحق‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬سيرته‭ ‬ببعض‭ ‬التفصيل‭ ‬ونحن‭ ‬نتابع‭ ‬تنظيم‭ ‬فعاليات‭ ‬مهرجان‭ ‬‮«‬كتارا‮»‬‭ ‬السنوي‭.‬

اسمه‭ ‬بالكامل‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬ماجد‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬فضل‭ ‬بن‭ ‬دويك‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬حسن،‭ ‬ولد‭ ‬عام‭ ‬‮١٤١٨‬م‭ ‬في‭ ‬جلفار،‭ ‬وكتب‭ ‬أنه‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬القبائل‭ ‬العدنانية‭ ‬من‭ ‬تهامة‭ ‬ونجد‭ ‬والحجاز،‭ ‬وينسبه‭ ‬المؤرخون‭ ‬الثقات‭ ‬إلى‭ ‬جلفار‭ ‬التابعة‭ ‬لمملكة‭ ‬هرمز‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان،‭ ‬وهي‭ ‬محافظة‭ ‬مسندم‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان‭.‬

ارتبط‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬ماجد‭ ‬منذ‭ ‬طفولته‭ ‬بالبحر،‭ ‬فهو‭ ‬سليل‭ ‬أسرة‭ ‬معروفة‭ ‬من‭ ‬الملاحين،‭ ‬فوالده‭ ‬وجده‭ ‬كانا‭ ‬ملاحين،‭ ‬وقد‭ ‬أبحر‭ ‬مع‭ ‬والده‭ ‬في‭ ‬رحلاته‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬العاشرة‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬تعلم‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬جده‭ ‬وتأثر‭ ‬به،‭ ‬ويقول‭ ‬إن‭ ‬جده‭ ‬‮«‬كان‭ ‬نادرة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البحر‮»‬،‭ ‬ويقصد‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي،‭ ‬وقد‭ ‬رباه‭ ‬والده‭ ‬وشجعه‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رباناً،‭ ‬وقاد‭ ‬أول‭ ‬سفينة‭ ‬تحت‭ ‬إشرافه‭ ‬وعمره‭ ‬سبعة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً‭.‬

كان‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬ماجد‭ ‬مختلفاً‭ ‬عن‭ ‬بحارة‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬متعلماً‭ ‬يجيد‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬ولا‭ ‬نعرف‭ ‬الكثير‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬معرفته،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬بمرور‭ ‬الزمن‭ ‬أصبح‭ ‬عالماً‭ ‬بالفلك‭ ‬والنجوم‭ ‬واعتمد‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية،‭ ‬وكان‭ ‬يعرف‭ ‬أسماء‭ ‬الكواكب‭ ‬العربية‭ ‬واليونانية،‭ ‬ويستخدم‭ ‬الأسطرلاب‭ ‬بمهارة،‭ ‬وتحدث‭ ‬في‭ ‬كتاباته‭ ‬عن‭ ‬أمور‭ ‬ثقافية‭ ‬متعددة،‭ ‬مثل‭ ‬الدين‭ ‬والجغرافيا‭ ‬والتاريخ‭ ‬والأدب‭ ‬والأنساب،‭ ‬وكان‭ ‬يتحدث‭ ‬التاميلية،‭ ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬لغات‭ ‬الهند،‭ ‬ويلم‭ ‬بالفارسية‭ ‬وبعض‭ ‬اللغات‭ ‬الأفريقية‭.‬

ترك‭ ‬ابن‭ ‬ماجد‭ ‬‮٤٠‬‭ ‬مؤلفاً‭ ‬متنوعاً،‭ ‬لكن‭ ‬أهم‭ ‬كتبه‭ ‬هو‭ ‬‮«‬مختصر‭ ‬كتاب‭ ‬الفوائد‭ ‬في‭ ‬أصول‭ ‬علم‭ ‬البحار‭ ‬والقواعد‮»‬،‭ ‬ويعد‭ ‬هو‭ ‬مؤسس‭ ‬هذا‭ ‬العلم‭ ‬الذي‭ ‬لعب‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬الملاحة‭ ‬العالمية،‭ ‬وينسب‭ ‬إليه‭ ‬اختراع‭ ‬البوصلة‭ ‬البحرية‭ ‬المقسمة‭ ‬إلى‭ ‬‮٢٢‬‭ ‬درجة‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تستعمل‭ ‬إلى‭ ‬اليوم،‭ ‬كما‭ ‬رسم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الخرائط‭ ‬البحرية،‭ ‬وقد‭ ‬عثر‭ ‬أحد‭ ‬العلماء‭ ‬مؤخراً‭ ‬على‭ ‬كتاب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معروفاً‭ ‬لأحمد‭ ‬بن‭ ‬ماجد‭ ‬حمل‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬ثلاثة‭ ‬أزهار‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬البحار‮»‬‭.‬

ولا‭ ‬ينكر‭ ‬البرتغاليون‭ ‬فضل‭ ‬ابن‭ ‬ماجد‭ ‬عليهم،‭ ‬إذ‭ ‬قاد‭ ‬سفنهم‭ ‬إلى‭ ‬أعالي‭ ‬البحار،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الملاح‭ ‬البرتغالي‭ ‬الشهير‭ ‬فاسكو‭ ‬دي‭ ‬جاما‭ (‬‮١٤٦٩‬‭ – ‬‮١٥٢٤‬‭) ‬اعتمد‭ ‬عليه‭ ‬كلياً‭ ‬في‭ ‬رحلته‭ ‬الشهيرة‭ ‬حول‭ ‬رأس‭ ‬الرجاء‭ ‬الصالح‭ ‬من‭ ‬ماليندي‭ ‬على‭ ‬ساحل‭ ‬أفريقيا‭ ‬الشرقي‭ ‬إلى‭ ‬كاليكوت‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬عام‭ ‬‮١٤٩٨‬،‭ ‬وقد‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬البرتغاليون‭ ‬لقب‭ ‬almirante،‭ ‬وتعني‭ ‬أمير‭ ‬البحار‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬ماجد‭ ‬بالفعل‭ ‬أمير‭ ‬البحار،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬يتجول‭ ‬فيها‭ ‬كما‭ ‬يشاء،‭ ‬لا‭ ‬يخاف‭ ‬ولا‭ ‬يهاب،‭ ‬ويعرفها‭ ‬حق‭ ‬المعرفة،‭ ‬وقد‭ ‬قام‭ ‬برحلات‭ ‬عديدة‭ ‬إلى‭ ‬شرق‭ ‬أفريقيا‭ ‬والهند‭ ‬والصين‭ ‬وجنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭.‬

نظم‭ ‬ابن‭ ‬ماجد‭ ‬الأراجيز‭ ‬الشعرية،‭ ‬وكان‭ ‬رجلاً‭ ‬متديناً،‭ ‬وقد‭ ‬كثرت‭ ‬الألقاب‭ ‬التي‭ ‬أطلقت‭ ‬عليه،‭ ‬ونجدها‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬المؤرخين‭ ‬لعلوم‭ ‬البحار،‭ ‬مثل‭ ‬شهاب‭ ‬الحق،‭ ‬والمعلم،‭ ‬وأسد‭ ‬البحار،‭ ‬ومعلم‭ ‬بحر‭ ‬الهند‭.‬

يرجع‭ ‬الفضل‭ ‬إلى‭ ‬ابن‭ ‬ماجد‭ ‬في‭ ‬إرساء‭ ‬قواعد‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬آراؤه‭ ‬وأفكاره‭ ‬حول‭ ‬الإرشاد‭ ‬البحري‭ ‬سائدة‭ ‬حتى‭ ‬عصرنا‭ ‬الحالي‭.‬

تذكر‭ ‬بعض‭ ‬المصادر‭ ‬أنه‭ ‬مات‭ ‬عام‭ ‬‮١٥٠٠‬م،‭ ‬ولعله‭ ‬فارق‭ ‬الحياة‭ ‬وهو‭ ‬يمسك‭ ‬بدفة‭ ‬سفينته‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬لاستكشاف‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة،‭ ‬فمثل‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬ينطبق‭ ‬عليه‭ ‬بيت‭ ‬الشاعر‭ ‬الجاهلي‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬كلثوم‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭:‬

ملأنا‭ ‬البر‭ ‬حتى‭ ‬ضاق‭ ‬عنا

وظهر‭ ‬البحر‭ ‬نملؤه‭ ‬سفينا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *