الشنفرى.. قرصان الصحراء الذي وضعته «لامية العرب» في قائمة الشعر العالمي

مايو 2017

في‭ ‬مقالين‭ ‬ماضيين‭ ‬بمجلة‭ ‬الريان،‭ ‬كتبنا‭ ‬عن‭ ‬شاعرين‭ ‬من‭ ‬طائفة‭ ‬الشعراء‭ ‬الأكثر‭ ‬إثارة‭ ‬للجدل،‭ ‬وهي‭ ‬طائفة‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يحلو‭ ‬لبعض‭ ‬الباحثين‭ ‬المعاصرين‭ ‬تسميتهم‭ ‬بقراصنة‭ ‬الصحراء‭.‬

كتبنا‭ ‬عن‭ ‬أميرهم‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الورد،‭ ‬وأحد‭ ‬فرسانهم‭ ‬تأبط‭ ‬شراً،‭ ‬ويمكن‭ ‬للقارىء‭ ‬الكريم‭ ‬الرجوع‭ ‬إلى‭ ‬الأعداد‭ ‬السابقة‭ ‬لمعرفة‭ ‬الخلفية‭ ‬التاريخية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬منهما‭ ‬حالة‭ ‬اجتماعية‭ ‬خاصة،‭ ‬فقد‭ ‬نبذا‭ ‬من‭ ‬قبيلتيهما،‭ ‬وامتهنا‭ ‬السلب‭ ‬والنهب،‭ ‬وقضيا‭ ‬عمرهما‭ ‬في‭ ‬الخلاء‭ ‬بين‭ ‬الوحوش‭ ‬تطاردهما‭ ‬اللعنات‭.‬

الكتابة‭ ‬عن‭ ‬شاعر‭ ‬آخر‭ ‬ارتبط‭ ‬بهذين‭ ‬الشاعرين‭ ‬ربما‭ ‬تلقي‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الطائفة‭ ‬الغريبة‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬العرب،‭ ‬ويعد‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬ثالثهما‭ ‬في‭ ‬الأهمية‭ ‬والرصانة‭ ‬الشعرية،‭ ‬وهو‭ ‬ثابت‭ ‬بن‭ ‬أواس‭ ‬بن‭ ‬الحجر‭ ‬بن‭ ‬الهنوء‭ ‬الأزدي،‭ ‬قحطاني‭ ‬النسب،‭ ‬وساد‭ ‬عليه‭ ‬لقب‭ ‬الشنفرى،‭ ‬ومعناه‭ ‬غليظ‭ ‬الشفاه،‭ ‬ويدل‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬دماء‭ ‬حبشية‭ ‬كانت‭ ‬تجري‭ ‬في‭ ‬دمه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أمه،‭ ‬فهي‭ ‬أمة‭ ‬حبشية‭ ‬ورث‭ ‬عنها‭ ‬سوادها،‭ ‬لذلك‭ ‬عُدّ‭ ‬في‭ ‬أغربة‭ ‬العرب،‭ ‬ولا‭ ‬نراه‭ ‬نشأ‭ ‬في‭ ‬قبيلته‭ ‬الأزد،‭ ‬إنما‭ ‬نشأ‭ ‬في‭ ‬قبيلة‭ ‬فهم،‭ ‬ويضطرب‭ ‬الرواة‭ ‬في‭ ‬سبب‭ ‬نزوله‭ ‬وأمه‭ ‬وأخ‭ ‬لها‭ ‬مضارب‭ ‬قبيلة‭ ‬فهم،‭ ‬لكن‭ ‬أقرب‭ ‬الروايات‭ ‬للتصديق‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬قبيلته‭ ‬قتلت‭ ‬أباه،‭ ‬فتحولت‭ ‬أمه‭ ‬إلى‭ ‬بني‭ ‬فهم،‭ ‬وما‭ ‬يرجح‭ ‬ذلك‭ ‬أننا‭ ‬نجده‭ ‬يخص‭ ‬بغزواته‭ ‬بني‭ ‬سلامان‭ ‬الأزديين،‭ ‬معلناً‭ ‬في‭ ‬أشعاره‭ ‬أنه‭ ‬يقتص‭ ‬منهم،‭ ‬ويقال‭ ‬إن‭ ‬الذي‭ ‬روضه‭ ‬على‭ ‬الصعلكة‭ ‬وقطع‭ ‬الطرق‭ ‬تأبط‭ ‬شراً،‭ ‬وأقسم‭ ‬الشنفرى‭ ‬أن‭ ‬يقتل‭ ‬مائة‭ ‬رجل‭ ‬من‭ ‬الأزد‭ ‬انتقاماً‭ ‬لأبيه،‭ ‬حتى‭ ‬قتل‭ ‬منهم‭ ‬تسعة‭ ‬وتسعين،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬يغير‭ ‬على‭ ‬الأزد‭ ‬حتى‭ ‬رصدوا‭ ‬له‭ ‬كميناً،‭ ‬فوقع‭ ‬فيه‭ ‬فقتلوه،‭ ‬ومثلوا‭ ‬بجثته‭ ‬تمثيلاً،‭ ‬ورموا‭ ‬بجثته‭ ‬إلى‭ ‬السباع،‭ ‬وتذكر‭ ‬الروايات‭ ‬أن‭ ‬رجلاً‭ ‬من‭ ‬الأزد‭ ‬كان‭ ‬غائباً،‭ ‬وعندما‭ ‬أتى‭ ‬وعرف‭ ‬بموته‭ ‬ذهب‭ ‬وركل‭ ‬جمجمته،‭ ‬فدخلت‭ ‬منها‭ ‬عظمة‭ ‬في‭ ‬رجله‭ ‬فسببت‭ ‬له‭ ‬مقتلاً،‭ ‬وبهذا‭ ‬صدق‭ ‬وعد‭ ‬الشنفرى‭ ‬بأن‭ ‬يقتل‭ ‬منهم‭ ‬مائة‭.‬

وهناك‭ ‬رواية‭ ‬أخرى‭ ‬ذائعة‭ ‬الصيت‭ ‬في‭ ‬المصادر‭ ‬الأدبية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬قبيلة‭ ‬فهم‭ ‬أسرته‭ ‬وظل‭ ‬يعيش‭ ‬فيها،‭ ‬حتى‭ ‬أسرت‭ ‬سلامان‭ ‬بن‭ ‬مفرج‭ ‬من‭ ‬الأزد‭ ‬رجلاً‭ ‬من‭ ‬فهم،‭ ‬ففدته‭ ‬فهم‭ ‬بالشنفرى،‭ ‬فنشأ‭ ‬في‭ ‬سلامان‭ ‬كأنه‭ ‬واحد‭ ‬منهم،‭ ‬حتى‭ ‬طلب‭ ‬يوماً‭ ‬من‭ ‬ابنة‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬اتخذه‭ ‬ولداً‭ ‬أن‭ ‬تغسل‭ ‬رأسه‭ ‬قائلاً‭ ‬اغسلي‭ ‬رأسي‭ ‬يا‭ ‬أخية،‭ ‬فأنكرت‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أخاها،‭ ‬فذهب‭ ‬غاضباً‭ ‬حتى‭ ‬أتى‭ ‬أباها‭ ‬وقال‭ ‬له‭ ‬اصدقني‭ ‬من‭ ‬أنا،‭ ‬فقال‭ ‬له‭ ‬أنت‭ ‬من‭ ‬الأواس‭ ‬بن‭ ‬حجر،‭ ‬فقال‭ ‬له‭ ‬لن‭ ‬أدعكم‭ ‬حتى‭ ‬أقتل‭ ‬منكم‭ ‬مائة‭ ‬بما‭ ‬استعبدتموني،‭ ‬فمر‭ ‬على‭ ‬الفتاة‭ ‬التي‭ ‬يقال‭ ‬إنها‭ ‬لطمته‭ ‬عندما‭ ‬طلب‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تغسل‭ ‬شعر‭ ‬رأسه‭ ‬وقال‭ ‬لها‭ ‬الأبيات‭ ‬التالية‭:‬

أَلا‭ ‬لَيتَ‭ ‬شِعرِيَ‭ ‬وَالتَلَهُّفُ‭ ‬ضَلَّةٌ

بِما‭ ‬ضَرَبَت‭ ‬كَفُّ‭ ‬الفَتاةِ‭ ‬هَجينَها

وَلَو‭ ‬عَلِمَت‭ ‬قُعسوسُ‭ ‬أَنسابَ‭ ‬وَالِدي

وَوالِدِها‭ ‬ظَلَّت‭ ‬تَقَاصَرُ‭ ‬دونَها

أَبي‭ ‬اِبنُ‭ ‬خِيارِ‭ ‬الحُجر‭ ‬بَيتاً‭ ‬وَمَنصِباً

وَأُمّي‭ ‬اِبنَةُ‭ ‬الأحرَارِ‭ ‬لَو‭ ‬تَعرِفينَها

ينسب‭ ‬إلى‭ ‬الشنفرى‭ ‬بطولات‭ ‬وخوارق‭ ‬هي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الأساطير‭ ‬والخرافات‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الحقائق‭ ‬الموضوعية،‭ ‬فتذكر‭ ‬الروايات‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬سريع‭ ‬العدو‭ ‬لا‭ ‬تدركه‭ ‬الخيل،‭ ‬وقد‭ ‬قاسوا‭ ‬مرة‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬قدميه‭ ‬عند‭ ‬العدو‭ ‬فكانت‭ ‬أولاها‭ ‬إحدى‭ ‬وعشرين‭ ‬خطوة،‭ ‬والثانية‭ ‬سبع‭ ‬عشرة،‭ ‬والثالثة‭ ‬خمس‭ ‬عشرة،‭ ‬وصار‭ ‬يضرب‭ ‬به‭ ‬المثل‭ ‬في‭ ‬العدو،‭ ‬فيقال‭ ‬‮«‬أعدى‭ ‬من‭ ‬الشنفرى‮»‬‭.‬

وتختلف‭ ‬الروايات‭ ‬حول‭ ‬مقتله،‭ ‬لكن‭ ‬أكثر‭ ‬الروايات‭ ‬تداولاً‭ ‬في‭ ‬المصادر‭ ‬الأدبية‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬أهل‭ ‬سلامان‭ ‬تتبعوه،‭ ‬فلما‭ ‬دنا‭ ‬من‭ ‬ماء‭ ‬ليشرب‭ ‬قبض‭ ‬عليه‭ ‬رجلان‭ ‬من‭ ‬الأزد‭ ‬وسلماه‭ ‬إلى‭ ‬سلامان،‭ ‬فربطوه‭ ‬إلى‭ ‬شجرة‭ ‬وقالوا‭ ‬له‭ ‬أنشدنا،‭ ‬فقال‭ ‬قولته‭ ‬الشهيرة‭: ‬‮«‬الإنشاد‭ ‬على‭ ‬حين‭ ‬المسرّة‮»‬،‭ ‬وسألوه‭ ‬أين‭ ‬قبرك‭ ‬فأنشد‭ ‬قائلاً‭:‬

فَلاَ‭ ‬تَدْفنُوني‭ ‬إِنَّ‭ ‬دَفني‭ ‬مُحَرَّمٌ

عليْكُمْ‭ ‬ولكِنْ‭ ‬أبشري‭ ‬أَمَّ‭ ‬عَامِر

إِذَا‭ ‬حَمَلُوا‭ ‬رأسِي‭ ‬وفي‭ ‬الرأسِ‭ ‬أَكثَرِي

وغودِرَ‭ ‬عِنْدَ‭ ‬المُلْتَقَى‭ ‬ثَمَّ‭ ‬سَائِري

هُنالِكَ‭ ‬لاَ‭ ‬أَرْجُو‭ ‬حَيَاةً‭ ‬تَسُرُّني

سَميَر‭ ‬الليالي‭ ‬مُبْسَلاً‭ ‬بالجَرَائرِ

ترك‭ ‬الشنفرى‭ ‬ديواناً‭ ‬صغيراً‭ ‬جمعه‭ ‬وحققه‭ ‬وشرحه‭ ‬الدكتور‭ ‬إميل‭ ‬بديع‭ ‬يعقوب‭ ‬ونشرته‭ ‬دار‭ ‬الكتاب‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٩٦‬م،‭ ‬وهو‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المواقع‭ ‬الأدبية‭ ‬والثقافية‭ ‬على‭ ‬الإنترنت،‭ ‬ولا‭ ‬يختلف‭ ‬الشنفرى‭ ‬في‭ ‬شعره‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك،‭ ‬فقصائده‭ ‬قليلة‭ ‬الأبيات‭ ‬قصيرة‭ ‬النفس،‭ ‬ولكن‭ ‬تنسب‭ ‬إليه‭ ‬قصيدة‭ ‬طويلة‭  ‬من‭ ‬‮٦٨‬‭ ‬بيتاً‭ ‬اشتهرت‭ ‬في‭ ‬مراجع‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬لامية‭ ‬العرب‮»‬،‭ ‬ويتطرق‭ ‬بعض‭ ‬النقاد‭ ‬إليها‭ ‬قائلين‭ ‬في‭ ‬نقدها‭ ‬إنها‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬قصائد‭ ‬الشعر‭ ‬العربي،‭ ‬وهي‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬من‭ ‬المعلقات‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬توازيها‭ ‬في‭ ‬الثراء‭ ‬اللغوي‭ ‬والبناء‭ ‬الشعري،‭ ‬ويقول‭ ‬الشنفرى‭ ‬في‭ ‬مطلعها‭:‬

أقيموا‭ ‬بني‭ ‬أُمِّي‭ ‬صدورَ‭ ‬مطِيِّكُم

فإنِّي‭ ‬إلى‭ ‬قومٍ‭ ‬سِوَاكُم‭ ‬لأَميَلُ‭ ‬

فقدْ‭ ‬حُمَّت‭ ‬الحاجاتُ‭ ‬والليلُ‭ ‬مُقْمِرٌ

وشُدَّتْ‭ ‬لِطَيَّاتٍ‭ ‬مَطَايا‭ ‬وأرْحُلُ‭ ‬

وفي‭ ‬الأرضِ‭ ‬مَنْأَى‭ ‬للكريمِ‭ ‬عن‭ ‬الأذى

وفيها‭ ‬لمنْ‭ ‬خافَ‭ ‬القِلَى‭ ‬مُتَحَوَّلُ‭ ‬

لعَمْرُكَ‭ ‬ما‭ ‬بالأرضِ‭ ‬ضيقٌ‭ ‬على‭ ‬امرِئٍ

سَرَى‭ ‬راغباً‭ ‬أوْ‭ ‬راهباً‭ ‬وهوَ‭ ‬يعقلُ‭ ‬

ولي‭ ‬دُونَكُم‭ ‬أهلونَ‭ ‬سِيدٌ‭ ‬عَمَلَّسٌ

وأرْقَطُ‭ ‬زُهْلُولٌ‭ ‬وعَرْفَاءُ‭ ‬جَيْأَلُ‭ ‬

هم‭ ‬الرهطُ‭ ‬لا‭ ‬مُسْتَوْدَعُ‭ ‬السرِّ‭ ‬شائعٌ

لدَيْهِم‭ ‬ولا‭ ‬الجاني‭ ‬بما‭ ‬جرَّ‭ ‬يُخْذَلُ

ويقال‭ ‬إنها‭ ‬سميت‭ ‬لامية‭ ‬العرب‭ ‬لأن‭ ‬فيها‭ ‬وصفاً‭ ‬دقيقاً‭ ‬لحياة‭ ‬الصعلوك‭ ‬الجاهلي‭ ‬ومغامراته،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬بعض‭ ‬المصادر‭ ‬تنسبها‭ ‬إلى‭ ‬خلف‭ ‬الأحمر،‭ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬التعابير‭ ‬والأسماء‭ ‬والألفاظ‭ ‬وأسماء‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬القصيدة‭ ‬تؤكد‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬نظمه،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬قصيدة‭ ‬أخرى‭ ‬مشابهة‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الأسلوب‭ ‬والثراء‭ ‬اللغوي،‭ ‬وتصف‭ ‬حياة‭ ‬الشعراء‭ ‬الصعاليك‭ ‬خير‭ ‬وصف،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭ ‬وصف‭ ‬لغاراته‭ ‬على‭ ‬بني‭ ‬سلامان‭ ‬ثأراً‭ ‬لأبيه،‭ ‬وليس‭ ‬للسلب‭ ‬والنهب،‭ ‬ويقول‭ ‬فيها‭:‬

جَزَيْنا‭ ‬سَلاَمَانَ‭ ‬بنَ‭ ‬مُفْرِجَ‭ ‬قَرْضَها

بما‭ ‬قَدَّمتْ‭ ‬أَيديهِمُ‭ ‬وأَزلَّتِ

وهُنِّئَ‭ ‬بِي‭ ‬قومٌ‭ ‬وما‭ ‬إِنْ‭ ‬هَنأْتُهُمْ

وأَصبحتُ‭ ‬في‭ ‬قومٍ‭ ‬وليْسوا‭ ‬بمُنْيَتي

شَفَيْنَا‭ ‬بِعَبْدِ‭ ‬اللهِ‭ ‬بَعْضَ‭ ‬غَلِيلِنَا

وعَوْفٍ‭ ‬لَدَى‭ ‬المَعْدَى‭ ‬أَوَانَ‭ ‬اسْتَهَلَّتِ

وإِنِّي‭ ‬لَحُلْوٌ‭ ‬إِنْ‭ ‬أُرِيدَتْ‭ ‬حَلاَوَتِي

ومُرٌّ‭ ‬إِذا‭ ‬نَفْسُ‭ ‬العَزُوفِ‭ ‬اسْتَمرَّتِ

ويهمنا‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬لامية‭ ‬العرب‭ ‬للشنفرى‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬هذا‭ ‬الاسم‭ ‬لأنهم‭ ‬وجدوا‭ ‬فيها‭ ‬رابطاً‭ ‬موضوعياً‭ ‬مع‭ ‬لامية‭ ‬العجم‭ ‬للشاعر‭ ‬الموصلي‭ ‬مؤيد‭ ‬الدين‭ ‬أبي‭ ‬إسماعيل‭ ‬الحسين‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬المعروف‭ ‬بالطغرائي‭ (‬‮١٠٦٣‬‭-‬‮١١٢٠‬م‭)‬،‭ ‬ويظن‭ ‬بعض‭ ‬النقاد‭ ‬أنه‭ ‬حاكى‭ ‬بها‭ ‬لامية‭ ‬العرب‭ ‬للشنفرى،‭ ‬ويقول‭ ‬في‭ ‬مطلعها،‭ ‬وهي‭ ‬لامية‭ ‬مثلها‭:‬

أصالةُ‭ ‬الرأي‭ ‬صانتْنِي‭ ‬عن‭ ‬الخَطَلِ‭ ‬

وحِليةُ‭ ‬الفضلِ‭ ‬زانتني‭ ‬لدَى‭ ‬العَطَلِ

مجدي‭ ‬أخيراً‭ ‬ومجدِي‭ ‬أوّلاً‭ ‬شَرَعٌ‭ ‬

والشمسُ‭ ‬رأْدَ‭ ‬الضحَى‭ ‬كالشمسِ‭ ‬في‭ ‬الطّفَلِ

فيمَ‭ ‬الإقامةُ‭ ‬بالزوراءِ‭ ‬لا‭ ‬سَكَني‭ ‬

بها‭ ‬ولا‭ ‬ناقتي‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬جَملي

نَاءٍ‭ ‬عن‭ ‬الأهلِ‭ ‬صِفْرُ‭ ‬الكفِّ‭ ‬منفردٌ‭ ‬

كالسيفِ‭ ‬عُرِّيَ‭ ‬متناهُ‭ ‬من‭ ‬الخَللِ

فلا‭ ‬صديقَ‭ ‬إليه‭ ‬مشتكَى‭ ‬حزَنِي‭ ‬

ولا‭ ‬أنيسَ‭ ‬إليه‭ ‬منتَهى‭ ‬جذلي

طالَ‭ ‬اغترابيَ‭ ‬حتى‭ ‬حنَّ‭ ‬راحلتي‭ ‬

ورحلُها‭ ‬وقرَى‭ ‬العَسَّالةِ‭ ‬الذُّبلِ

وعندما‭ ‬نقارن‭ ‬بين‭ ‬القصيدتين‭ ‬نجد‭ ‬أنهما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكونا‭ ‬ميداناً‭ ‬مثيراً‭ ‬للدراسة‭ ‬الأدبية‭ ‬المقارنة،‭ ‬فقصيدة‭ ‬الشنفرى‭ ‬مغرقة‭ ‬في‭ ‬مفردات‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬منها‭ ‬قصيدة‭ ‬عسيرة‭ ‬الفهم،‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬المتخصصين‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الجاهلي،‭ ‬بينما‭ ‬قصيدة‭ ‬الطغرائي‭ ‬شديدة‭ ‬البساطة‭ ‬في‭ ‬المفردات،‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة‭ ‬إن‭ ‬جاز‭ ‬التعبير،‭ ‬ولكن‭ ‬يجمع‭ ‬بينهما‭ ‬همّ‭ ‬واحد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الشنفرى‭ ‬مات‭ ‬قتيلاً‭ ‬وكذلك‭ ‬الطغرائي،‭ ‬وموضوعهما‭ ‬هو‭ ‬التباهي‭ ‬والتفاخر‭.‬

نالت‭ ‬لامية‭ ‬العرب‭ ‬للشنفرى‭ ‬حظاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الشهرة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي،‭ ‬بل‭ ‬والآداب‭ ‬الأجنبية‭ ‬كذلك،‭ ‬إذ‭ ‬ترجمت‭ ‬إلى‭ ‬اللغات‭ ‬الأوروبية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬وينظر‭ ‬لها‭ ‬النقاد‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬قيمتها‭ ‬اللغوية،‭ ‬وقدرة‭ ‬الشنفرى‭ ‬على‭ ‬وصف‭ ‬مجتمع‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الدراسة‭..‬وهكذا‭ ‬عاش‭ ‬الشنفرى‭ ‬الفاتك‭ ‬والصعلوك‭ ‬العداء‭ ‬مشرداً‭ ‬في‭ ‬الفيافي،‭ ‬يركض‭ ‬هارباً‭ ‬بين‭ ‬كثبان‭ ‬الرمال،‭ ‬حتى‭ ‬قتل‭ ‬أبشع‭ ‬قتلة،‭ ‬لكن‭ ‬قصيدة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭ ‬وضعته‭ ‬في‭ ‬مصاف‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭ ‬العظماء،‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬مصاف‭ ‬شعراء‭ ‬الإنسانية‭ ‬النجباء،‭ ‬وأمثاله‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي‭ ‬كثيرون،‭ ‬ونعني‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬كانت‭ ‬مآسيهم‭ ‬دافعاً‭ ‬قوياً‭ ‬لهم‭ ‬لإطلاق‭ ‬مواهبهم‭ ‬الإبداعية‭.‬

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *