i_2715

أبو نواس.. لماذا طغت شخصيته العاصية على شخصيته العابدة الناسكة؟

يونيو 2017

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك

أبو‭ ‬نواس،‭ ‬أو‭ ‬الحسن‭ ‬بن‭ ‬هانئ‭ ‬الحكمي‭ ‬الدمشقي،‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬شعراء‭ ‬العصر‭ ‬العباسي،‭ ‬ويكنى‭ ‬بأبي‭ ‬علي‭ ‬وأبي‭ ‬نواس،‭ ‬والنواسي،‭ ‬وهو‭ ‬شاعر‭ ‬مثير‭ ‬للجدل‭ ‬بسبب‭ ‬شعره‭ ‬وسيرته‭ ‬الذاتية‭ ‬المتناقضة‭.‬

ولد‭ ‬أبو‭ ‬الحسن‭ ‬بن‭ ‬هانئ‭ ‬بن‭ ‬عبدالأول‭ ‬بن‭ ‬الصباح‭ ‬الحكمي‭ ‬المذحجي‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الأحواز‭ ‬سنة‭ ‬‮٧٦٢‬م‭ ‬من‭ ‬أب‭ ‬عربي‭ ‬وأم‭ ‬فارسية،‭ ‬وانتقلت‭ ‬أسرته‭ ‬إلى‭ ‬البصرة‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬وقيل‭ ‬في‭ ‬السادسة،‭ ‬وما‭ ‬لبث‭ ‬أن‭ ‬مات‭ ‬أبوه‭ ‬فسلمته‭ ‬أمه‭ ‬إلى‭ ‬الكتاب،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬عطاء‭ ‬يعمل‭ ‬عنده،‭ ‬ثم‭ ‬انتقلت‭ ‬الأسرة‭ ‬من‭ ‬البصرة‭ ‬إلى‭ ‬الكوفة‭.‬

كان‭ ‬أبو‭ ‬نواس‭ ‬أثناء‭ ‬عمله‭ ‬يقرأ‭ ‬ويطّلع‭ ‬ويرتاد‭ ‬مجالس‭ ‬الأدب،‭ ‬وما‭ ‬كاد‭ ‬يبلغ‭ ‬الثلاثين‭ ‬حتى‭ ‬ملك‭ ‬ناصية‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب،‭ ‬وأطل‭ ‬على‭ ‬العلوم‭ ‬الإسلامية‭ ‬المختلفة،‭ ‬ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬طلبه‭ ‬للعلم‭ ‬على‭ ‬الشعر‭ ‬والأدب،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يدرس‭ ‬الفقه‭ ‬والحديث‭ ‬والتفسير،‭ ‬حتى‭ ‬قال‭ ‬فيه‭ ‬ابن‭ ‬المعتز‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬طبقات‭ ‬الشعراء‭: ‬‮«‬كان‭ ‬أبو‭ ‬نواس‭ ‬عالماً‭ ‬فقيهاً‭ ‬عارفاً‭ ‬بالأحكام‭ ‬والفتيا،‭ ‬بصيراً‭ ‬بالاختلاف،‭ ‬صاحب‭ ‬حفظ‭ ‬ونظر‭ ‬ومعرفة‭ ‬بطرق‭ ‬الحديث،‭ ‬يعرف‭ ‬محكم‭ ‬القرآن‭ ‬ومتشابهه‭ ‬وناسخه‭ ‬ومنسوخه‮»‬‭.‬

كان‭ ‬الشعر‭ ‬العباسي‭ ‬آنذاك‭ ‬قد‭ ‬خطا‭ ‬خطوة‭ ‬كبيرة،‭ ‬فقد‭ ‬استطاع‭ ‬مواكبة‭ ‬العصر‭ ‬بفضل‭ ‬ازدهار‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتطور‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬مع‭ ‬ميل‭ ‬الخلفاء‭ ‬إلى‭ ‬الترف‭ ‬وحب‭ ‬الإطراء،‭ ‬فأقبل‭ ‬الشعراء‭ ‬يقصدون‭ ‬بغداد‭ ‬والعواصم‭ ‬الأخرى‭ ‬للإقامة‭ ‬بجوار‭ ‬القصور،‭ ‬ومال‭ ‬الشعراء‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬إلى‭ ‬شعر‭ ‬المديح‭ ‬والغزل‭ ‬والتغني‭ ‬بمباهج‭ ‬الحياة،‭ ‬وفي‭ ‬وقتهم‭ ‬انهار‭ ‬شعر‭ ‬الغزل‭ ‬ومال‭ ‬به‭ ‬أصحابه‭ ‬إلى‭ ‬التهتك‭ ‬والإباحة‭ ‬والفحش‭ ‬في‭ ‬الألفاظ،‭ ‬واشتهر‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ ‬والكوفة‭ ‬والبة‭ ‬بن‭ ‬الحباب،‭ ‬ومطيع‭ ‬بن‭ ‬إياس،‭ ‬وخلف‭ ‬الأحمر،‭ ‬فتأثر‭ ‬بهم‭ ‬أبو‭ ‬نواس‭ ‬وتخرج‭ ‬على‭ ‬مذهبهم‭.‬وفي‭ ‬البصرة‭ ‬شغف‭ ‬أبو‭ ‬نواس‭ ‬بجارية‭ ‬تدعى‭ ‬جنان،‭ ‬وكتب‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬شعراً‭ ‬كثيراً‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬عمق‭ ‬شعوره،‭ ‬كما‭ ‬قصد‭ ‬بغداد‭ ‬وامتدح‭ ‬هارون‭ ‬الرشيد‭ ‬ونال‭ ‬مكانة‭ ‬مرموقة‭ ‬لديه،‭ ‬لكن‭ ‬الرشيد‭ ‬كان‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يحبسه‭ ‬عقاباً‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يورد‭ ‬في‭ ‬شعره‭ ‬من‭ ‬المباذل‭ ‬والمجون،‭ ‬وقد‭ ‬أطال‭ ‬الرشيد‭ ‬حبسه‭ ‬حتى‭ ‬عفا‭ ‬عنه‭ ‬بشفاعة‭ ‬من‭ ‬البرامكة،‭ ‬ولعل‭ ‬صلته‭ ‬الوثيقة‭ ‬بهم‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬دفعته‭ ‬إلى‭ ‬الفرار‭ ‬حين‭ ‬نكبهم‭ ‬الرشيد،‭ ‬ففر‭ ‬إلى‭ ‬مصر،‭ ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خلف‭ ‬المأمون‭ ‬الرشيد،‭ ‬فاتخذه‭ ‬المأمون‭ ‬نديماً‭ ‬له،‭ ‬وكان‭ ‬أبو‭ ‬نواس‭ ‬يمدحه‭ ‬ويسمعه‭ ‬من‭ ‬طرائف‭ ‬شعره،‭ ‬وعندما‭ ‬توفي‭ ‬المأمون‭ ‬رثاه‭ ‬بقصائد‭ ‬تنم‭ ‬عن‭ ‬صدق‭ ‬عاطفته‭ ‬نحوه‭.‬

توفي‭ ‬أبو‭ ‬نواس‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬عام‭ ‬‮٨١٣‬م،‭ ‬وقد‭ ‬اختلفت‭ ‬الروايات‭ ‬في‭ ‬سبب‭ ‬وفاته‭ ‬ومكانها،‭ ‬وكذلك‭ ‬حول‭ ‬مكان‭ ‬دفنه،‭ ‬

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *