i_2931

أبــو دُلامــــة.. رائد المسرح الشعري والكوميديا المرتجلة

يوليو 2017

يحلو لكثير من المؤرخين أن يؤرخوا لبدايات الأدب العربي بمقاربة ومقارنة تطوره بالآداب الأجنبية، مفترضين أن الفنانين العرب تعرفوا على الفنون المعاصرة مع الغزو الاستعماري للدول العربية، الذي كان غزواً شمل حتى الثقافة، وأن البداية كانت مع غزو نابليون لمصر.ومن بين الفنون التي يفترضون أن الثقافة العربية تعرفت عليها حديثاً المسرح الشعري، الذي نما وترعرع في أوروبا ثم انتقل إلى العرب، وأجاده في عصرنا الراهن الشاعر المصري أحمد شوقي (١٨٦٨-١٩٣٢)، ثم عبدالرحمن الشرقاوي (١٩٢٠-١٩٨٧)، وصلاح عبدالصبور (١٩٣١-١٩٨١)، لكن التاريخ يقول غير ذلك، فبدايات المسرح الشعري العربي، إن جاز التعبير، واكبت بدايات نمو وازدهار الدولة العباسية، وهي دولة اهتمت بالعلوم والثقافة والفنون، ومن بينها فنون المسرح، وإذا كانت بعض أحكام النقاد الانطباعية المتعجلة قد ساعدت على حجب بعض المعلومات الضرورية عن تطور الفنون في الدولة العباسية، فإن استعراض السير الذاتية للفنانين الذين نشطوا في ذلك العصر المزدهر ثقافياً ربما يلقي الضوء على بعض ما ذهبنا إليه.
أحد رواد المسرح الشعري في الدولة العباسية الفتية والناشئة كان زند بن الجون الأسدي، الذي عاصر أول ثلاثة حكام من بني العباس، وهم عبدالله بن محمد بن علي الملقب بالسفاح (٧٢١-٧٥٤م)، وأبو جعفر المنصور (٧١٤-٧٧٥م)، وأبو عبدالله المهدي (٧٥٤-٧٨٥م)، الذي كان شاعراً.
ارتبطت السيرة الذاتية للشاعر الممثل زند بن الجون بهؤلاء الحكام الثلاثة، الذين عاش في كنفهم، يسليهم ويضحكهم، ويرتجل أمامهم الأشعار ذات الطابع الكوميدي الطريف.
ولا تذكر المصادر شيئاً عن نشأته وأصله، غير أن والده، واسمه قصاص بن لاحق، كان عبداً لرجل من بني أسد من أهل الرقة، فأعتقه، ولم يعرف متى، وأقام بالكوفة، ونشأ زند بن الجون في الكوفة، وذكرت بعض المصادر أن اسمه زبد، وأخرى زيد، لكن كنية أبي دُلامة غلبت عليه، ولهذه الكنية تفسيران، الأول يقول إن ذلك جاء نسبة لابنه الذي كان يدعى دُلامة، والآخر يقول إن دلامة اسم جبل يطل على مكة، وإن هذا الجبل كان أسود ذا صخر أملس، فكني به لوجود شبه بينه وبين الجبل، إذ إنه كان طويل القامة وسيم الطلعة أسود اللون.
ومن صفاته التي تهمنا لرسم صورته الأدبية أنه كان مرحاً، حسن الحديث، ممتع الرواية، واشتهر بالنوادر والشعر الطريف، وذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني ناقداً له أنه كان رديء المذهب، مرتكباً للمحارم، مضيعاً للفروض، مجاهراً بذلك، وهذا تؤكده طرفة من طرائفه مع الخليفة المنصور يجدها القارئ في آخر هذا المقال، لكن ذلك لا ينفي ولا يقلل من طاقاته الإبداعية.
ولأكثر من ربع قرن، لازم أبو دُلامة أول ثلاثة خلفاء من بني العباس، وكان نديمهم الأول، وتوزعت نوادره وطرائفه المسرحية بينهم، ولم يكن أبو دلامة مهرجاً، فقد كان رجلاً يقرض الشعر ارتجالاً ويربطه بالأحداث التي حوله، وكان يتعمد أن يكون ذلك الشعر شعراً يهدف إلى الإضحاك والتسلية، وهو الهدف نفسه الذي تهدف له الكوميديا.
وإذا نظرنا إلى المكان والموقع والجمهور الشعري في الوقت نفسه، نجدها تنطبق على مسرحيات أبي دُلامة الارتجالية التي حفلت بها مراجع الآداب العربية دون أن تغوص في حقائقها.
كانت مسرحياته هادفة ناقدة للمجتمع، لدرجة أن الخليفة المنصور، الذي ارتبط به كثيراً، لم يكن يسمح له بتعدي الحدود، لكنه كان ينسى وقاره وهيبته أمام الناس إذا فاجأه أبو دلامة بإحدى نوادره، حينئذٍ لا يتمالك المنصور نفسه ويستسلم للضحك مهما كانت المحاذير.

وللدلالة على لسانه الشعري الناقد يقول أبو دُلامة عن نفسه:

إذا الناس غطوني تغطيت عنهم
وإن بحثوني كان فيهم مباحث
وإن حفروا بئري حفرت بئارهم
ليعلم قوم كيف تلك النبائث

ولا بأس أن نسرد بعض مسرحياته الكوميدية المسرحية الشعرية والارتجالية لنؤكد ما ذهبنا إليه..
– صحب أبو دلامة المهدي في رحلة صيد، وكان مع المهدي ابن عمه علي بن سليمان، فرمى المهدي ظبياً فأصابه بسهمه، ورمى علي بن سليمان فأصاب أحد كلاب الصيد، فضحك المهدي ونادى على أبي دلامة، فقال له قل شيئاً في هذا، فارتجل أبو دُلامة الأبيات التالية:

قد رمى المهدي ظبياً
شك بالسهم فؤاده
وعلي بن سليمان
رمى كلباً فصاده
فهنيئاً لكمـا كل
امرىء يأكل زاده

فأمر له المهدي بثلاثين ألف درهم، وكان مبلغاً كبيراً عصر ذاك.
– عرف المنصور أن أبا دُلامة قبض عليه وهو يتطوح سكراناً في الطريق، فأمر باعتقاله وأن يوضع في عشة الدجاج الملحقة بالسجن، فلما أفاق وعرف بالخبر أرسل إلى الخليفة قصيدة قصيرة أفاض في مستهلها في وصف الخمر ومحاسنها، ثم ختمها بالاعتذار وطلب العفو قائلاً:
أُقاد إلى السجون بغير جرم
كأني بعض عمال الخراج
فلو معهم حبست لكان سهلاً
ولكني حبست مع الدجاج
وقد كانت تخبّرني ذنوبي
بأني من عقابك غير ناجِ
على أني وإن لاقيت شراً
لخيرك بعد ذاك الشر راجِ

فاستدعاه الخليفة وقال له: أين حبست؟ قال: مع الدجاج، قال فما كنت تصنع؟ قال: أقوقئ معهم إلى الصباح، فضحك الخليفة وأمر بإخلاء سبيله وأن يعطى جائزة.
– وقيل إنه دخل على المنصور وفي باله أن يطلب منه مالاً، وقد عرف عن المنصور التقتير الشديد، وقال له إن زوجتي ولدت بنتاً، فسأله المنصور هل قلت فيها شيئاً؟ فأشعر يهجو نفسه وزوجته:

فما ولدتك مريم أم عيسى
ولا ربّاك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمك أم سوء
إلى لباتها وأب لئيم

فضحك الخليفة وأخرج كيساً وأمر أن تملأ له دراهم، فاتسعت لألفي درهم.
– ولعل أفضل مسرحية فكاهية قصيرة تروى عنه أنه دخل يوماً على الخليفة المهدي في مجلسه، وكان عنده جماعة من بني هاشم، فبادره الخليفة بقوله: إن لم تهج أحداً ممن في هذا المجلس لأقطعن لسانك، وكان يريد إحراجه بذلك، ففكر أبو دُلامة قليلاً ثم قال الأبيات التالية، التي لا يخلو كتاب من كتب الشعر منها:

إلا أبلغ لديك أبا دلامةْ
فليس من الكرام ولا كرامةْ
إذا لبس العمامة كان قرداً
وخنزيراً إذا نزع العمامة
جمعت دمامة وجمعت لؤماً
كذاك اللؤم تتبعه الدمامة
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا
فلا تفرح فقد دنت القيامة

وهكذا أفلت من المأزق الذي وضعه فيه الخليفة بأن هجا نفسه.
ونظم أبو دُلامة شعراً في مدح خلفاء بني العباس، لكن شعره المسرحي المرتجل هو الذي ذاع صيته، ولا تخلو منه كتب الأدب الرصينة في الماضي والحاضر، ولا يزال الناس حتى الآن يضحكون على طرائفه، التي تعبر في كثير من مضامينها عن ضرب من ضروب النقد الاجتماعي.
وفي العصر الحديث صدرت عدة مجموعات من طرائف أبي دلامة ونوادره، خصوصاً في وسائط الإعلام الاجتماعي، ولعل أشهر الأعمال الدرامية التي استلهمت طرائف ونوادر أبي دلامة هو مسلسل «طرائف أبي دُلامة»، الذي أخرجه المخرج السوري غسان جبري، وبث على شاشة التلفزيون السوري عام ١٩٩٣م، وعرض في عدد من تلفزيونات الدول العربية.
إنه رائد آخر من رواد المسرح العربي يجب أن نرد له اعتباره، فقد كان رائداً في المسرح الشعري، ورائداً في الكوميديا الفكاهية، ورائداً في الكوميديا الارتجالية ومسرح الطرائف، لكن كتب النقد تحاصره وتحصره في الشخصية النمطية للمـهرج المغـفل.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *