i_3404

ذو الإصبع العدواني.. الشاعر عندما ينطق بالحكمة

ديسمبر 2017

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

لا‭ ‬يزال‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬يحتل‭ ‬الصدارة‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬أجناس‭ ‬الأدب‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬ولم‭ ‬يتزحزح‭ ‬قيد‭ ‬أنملة‭ ‬عن‭ ‬مكانته‭ ‬التي‭ ‬يحتلها‭ ‬منذ‭ ‬العصر‭ ‬الجاهلي،‭ ‬أي‭ ‬منذ‭ ‬ستة‭ ‬عشر‭ ‬قرناً،‭ ‬وما‭ ‬زلنا‭ ‬نتأثر‭ ‬به‭ ‬ونستمتع‭ ‬بقراءته،‭ ‬وإن‭ ‬غلب‭ ‬النثر‭ ‬الفني‭ ‬والسرد‭ ‬القصصي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأوقات،‭ ‬فإن‭ ‬الشعر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬أبو‭ ‬فراس‭ ‬الحمداني  ‭ ‬٩٣٢-٩٦٨م‭: ‬ديوان‭ ‬العرب‭ ‬أبداً‭ ‬وعنوان‭ ‬الأدب‭.‬

ومنذ‭ ‬العصر‭ ‬الجاهلي‭ ‬وصدر‭ ‬الإسلام‭ ‬والشعراء‭ ‬يبدعون‭ ‬شعراً‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مفهوماً‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬لجميع‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬ونحن‭ ‬نردد‭ ‬الآن‭ ‬شعر‭ ‬امرئ‭ ‬القيس‭ ‬والنابغة‭ ‬وزهير،‭ ‬بالشغف‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬نردد‭ ‬به‭ ‬شعر‭ ‬شعراء‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرين،‭ ‬وإن‭ ‬اختلف‭ ‬الزمن‭ ‬والتاريخ‭ ‬والجغرافيا‭. ‬ووفقاً‭ ‬للتصنيف‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬المتوارث‭ ‬لمواضيع‭ ‬الشعر‭ ‬العربي،‭ ‬فإن‭ ‬الغزل‭ ‬والفخر‭ ‬والمديح‭ ‬والرثاء‭ ‬تحتل‭ ‬مكان‭ ‬الصدارة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مواضيع‭ ‬الشعر‭ ‬الأخرى،‭ ‬وأمهات‭ ‬القصائد‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬هي‭ ‬قصائد‭ ‬طابعها‭ ‬الغزل‭ ‬والحب،‭ ‬وإن‭ ‬وجدت‭ ‬قضايا‭ ‬أخرى،‭ ‬فإننا‭ ‬نجدها‭ ‬أبياتاً‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬القصيدة‭ ‬الغزلية‭.‬

وتحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬أبيات‭ ‬شعر‭ ‬خالدة‭ ‬صارت‭ ‬أمثالاً‭ ‬وأقوالاً‭ ‬مأثورة‮»‬،‭  ‬كتبنا‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬‮«‬انظر‭ ‬مجلة‭ ‬الريان،‭ ‬عدد‭ ‬‮٥‬،‭ ‬أكتوبر‭ ‬‮٢١٠٢»‬،‭ ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬التي‭ ‬ذكرناها‭ ‬وتجري‭ ‬على‭ ‬ألسنتنا‭ ‬ونورد‭ ‬بعضها‭ ‬هنا‭ ‬كمثال‭ ‬بيت‭ ‬الجهني‭ ‬الشهير‭:‬

تسائل‭ ‬عن‭ ‬حصين‭ ‬كل‭ ‬ركب

وعند‭ ‬جهينة‭ ‬الخبر‭ ‬اليقين

وبيت‭ ‬طرفة‭ ‬بن‭ ‬العبد‭:‬

وظلم‭ ‬ذوي‭ ‬القربى‭ ‬أشد‭ ‬مضاضة

على‭ ‬المرء‭ ‬من‭ ‬وقع‭ ‬الحسام‭ ‬المهند

وقول‭ ‬أبي‭ ‬تمام‭:‬

السيف‭ ‬أصدق‭ ‬إنباءً‭ ‬من‭ ‬الكتب

في‭ ‬حده‭ ‬الحد‭ ‬بين‭ ‬الجد‭ ‬واللعب

وقول‭ ‬ابن‭ ‬نباتة‭ ‬السعدي‭:‬

من‭ ‬لم‭ ‬يمت‭ ‬بالسيف‭ ‬مات‭ ‬بغيره

تعددت‭ ‬الأسباب‭ ‬والموت‭ ‬واحد

وقول‭ ‬زهير‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬سلمى‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬معلقته‭:‬

سئمت‭ ‬تكاليف‭ ‬الحياة‭ ‬ومن‭ ‬يعيش

ثمانين‭ ‬حولاً‭ ‬لا‭ ‬أبا‭ ‬لك‭ ‬يسأم

رأيت‭ ‬المنايا‭ ‬خبط‭ ‬عشواء‭ ‬من‭ ‬تصب

تمته‭ ‬ومن‭ ‬تخطئ‭ ‬يعمر‭ ‬فيهرم

وقيل‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬يصف‭ ‬حاله‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عمر‭ ‬طويلاً،‭ ‬وكان‭ ‬يلقب‭ ‬بحكيم‭ ‬الشعراء‭ ‬الجاهليين‭.‬

لكن‭ ‬هناك‭ ‬شاعراً‭ ‬جاهلياً‭ ‬آخر‭ ‬نذر‭ ‬شعره‭ ‬للحكمة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬مجمل‭ ‬حياته‭ ‬كانت‭ ‬ملحمة‭ ‬فكرية،‭ ‬توافق‭ ‬فيها‭ ‬قول‭ ‬الشعر‭ ‬والحكم‭ ‬والوصايا‭ ‬المنثورة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قلة‭ ‬شعره‭ ‬الذي‭ ‬رصد‭ ‬وجمع‭ ‬ووصل‭ ‬إلينا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬كتب‭ ‬التراث‭ ‬النقدي‭ ‬العربي‭ ‬أوفته‭ ‬حقه،‭ ‬وهو‭ ‬ذو‭ ‬الإصبع‭ ‬العدواني‭.‬

هو‭ ‬حرثان‭ ‬بن‭ ‬محرث‭ ‬بن‭ ‬الحارث‭ ‬بن‭ ‬ربيعة،‭ ‬وينتهي‭ ‬نسبه‭ ‬إلى‭ ‬يشكر‭ ‬بن‭ ‬عدوان،‭ ‬وقيل‭ ‬إنه‭ ‬عمر‭ ‬طويلاً‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬‮٠٧١‬‭ ‬عاماً،‭ ‬وهذا‭ ‬رقم‭ ‬مشكوك‭ ‬في‭ ‬صحته‭ ‬ولم‭ ‬نجد‭ ‬ما‭ ‬يسنده،‭ ‬وقد‭ ‬توفي‭ ‬قبل‭ ‬الهجرة‭ ‬النبوية‭ ‬باثنين‭ ‬وعشرين‭ ‬عاماً،‭ ‬أما‭ ‬لماذا‭ ‬لقب‭ ‬بذي‭ ‬الإصبع‭ ‬فهناك‭ ‬قولان‭: ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬حية‭ ‬نهشت‭ ‬إبهام‭ ‬قدمه‭ ‬وقطعته،‭ ‬والثاني‭ ‬لأن‭ ‬له‭ ‬إصبعاً‭ ‬زائداً‭ ‬في‭ ‬قدمه‭.‬

عاش‭ ‬ذو‭ ‬الإصبع‭ ‬فترة‭ ‬اختلاف‭ ‬قبيلته‭ ‬عدوان‭ ‬وتفرق‭ ‬أمرها،‭ ‬فحاول‭ ‬مراراً‭ ‬أن‭ ‬يصلح‭ ‬بين‭ ‬الفرقاء‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬قبيلته‭ ‬ويوحد‭ ‬شملهم،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬محاولاته‭ ‬باءت‭ ‬بالفشل،‭ ‬وانعكس‭ ‬ألمه‭ ‬وحسرته‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬قبيلته‭ ‬من‭ ‬فرقة‭ ‬وضعف‭ ‬على‭ ‬شعره‭.‬

كان‭ ‬ذو‭ ‬الإصبع‭ ‬فارساً‭ ‬شجاعاً‭ ‬مهاباً‭ ‬محترماً‭ ‬في‭ ‬قبيلته،‭ ‬وظل‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬سنيّ‭ ‬حياته‭ ‬متوقد‭ ‬الذهن‭ ‬ينطق‭ ‬بالحكمة‭ ‬والقول‭ ‬الحسن،‭ ‬وله‭ ‬قصيدة‭ ‬مشهورة‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬وبعض‭ ‬أبياتها‭ ‬صارت‭ ‬حكماً‭ ‬وأقوالاً‭ ‬مأثورة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬البيت‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭:‬

إن‭ ‬الذي‭ ‬يقبض‭ ‬الدنيا‭ ‬ويبسطها

إن‭ ‬كان‭ ‬أغناك‭ ‬عني‭ ‬سوف‭ ‬يغنيني

ولا‭ ‬تبتعد‭ ‬مضامين‭ ‬شعره‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬مضامين‭ ‬نثره‭ ‬على‭ ‬قلته،‭ ‬فالنثر‭ ‬عنده‭ ‬يكمل‭ ‬الشعر،‭ ‬وقيل‭ ‬إنه‭ ‬عندما‭ ‬شعر‭ ‬أن‭ ‬أجله‭ ‬قد‭ ‬اقترب‭ ‬نادى‭ ‬ابنه‭ ‬وأخذ‭ ‬يلقي‭ ‬عليه‭ ‬وصاياه‭ ‬على‭ ‬عادة‭ ‬العرب‭ ‬عصر‭ ‬ذاك،‭ ‬وقال‭ ‬له‭: ‬‮«‬إن‭ ‬أباك‭ ‬قد‭ ‬فني‭ ‬وهو‭ ‬حي،‭ ‬وعاش‭ ‬حتى‭ ‬سئم‭ ‬العيش،‭ ‬وإنني‭ ‬موصيك‭ ‬بما‭ ‬إن‭ ‬حفظته‭ ‬بلغت‭ ‬في‭ ‬قومك‭ ‬ما‭ ‬بلغته،‭ ‬فاحفظ‭ ‬عني‮»‬‭.‬

وكانت‭ ‬وصيته‭ ‬كأنها‭ ‬شعر‭ ‬منثور،‭ ‬وتعكس‭ ‬بالفعل‭ ‬روح‭ ‬ذي‭ ‬الإصبع‭ ‬العدواني‭ ‬الميالة‭ ‬للخير‭ ‬والسلم،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تعد‭ ‬نموذجاً‭ ‬للمنهج‭ ‬الفكري‭ ‬لبعض‭ ‬عقلاء‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الجاهلية،‭ ‬فقال‭ ‬ذو‭ ‬الإصبع‭ ‬لابنه‭: ‬‮«‬ألن‭ ‬جانبك‭ ‬لقومك‭ ‬يحبوك،‭ ‬وتواضع‭ ‬لهم‭ ‬يرفعوك،‭ ‬وابسط‭ ‬لهم‭ ‬وجهك‭ ‬يطيعوك،‭ ‬ولا‭ ‬تستأثر‭ ‬عليهم‭ ‬بشيء‭ ‬يسوّدوك،‭ ‬وأكرم‭ ‬صغارهم‭ ‬كما‭ ‬تكرم‭ ‬كبارهم‭ ‬يكرمك‭ ‬كبارهم‭ ‬ويكبر‭ ‬على‭ ‬مودتك‭ ‬صغارهم،‭ ‬واسمح‭ ‬لهم‭ ‬بمالك،‭ ‬واحم‭ ‬حريمك،‭ ‬وأعزز‭ ‬جارك،‭ ‬وأعن‭ ‬من‭ ‬استعان‭ ‬بك،‭ ‬وأكرم‭ ‬ضيفك،‭ ‬وأسرع‭ ‬النهضة‭ ‬في‭ ‬الصريخ،‭ ‬فإن‭ ‬لك‭ ‬أجلاً‭ ‬لا‭ ‬يعدوك،‭ ‬وصن‭ ‬وجهك‭ ‬عن‭ ‬مسألة‭ ‬أحد‭ ‬شيئاً‭ ‬فبذلك‭ ‬يتم‭ ‬سؤددك‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬قل‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الوصايا‭ ‬المنثورة،‭ ‬كأن‭ ‬الشاعر‭ ‬قالها‭ ‬وهو‭ ‬يحتضر،‭ ‬ملتزماً‭ ‬بقافية‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الشعر‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬النثر،‭ ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬وصية‭ ‬انتهى‭ ‬عصرها‭ ‬ويحاصرها‭ ‬الزمن‭ ‬والتاريخ‭ ‬الجاهلي،‭ ‬بل‭ ‬دعوة‭ ‬للحكمة‭ ‬والعقلانية‭ ‬قيلت‭ ‬قبل‭ ‬‮٠٠٦١‬‭ ‬عام‭ ‬وتنطبق‭ ‬على‭ ‬عصرنا‭ ‬الحديث،‭ ‬والآن‭ ‬لا‭ ‬نذكر‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬وأهم‭ ‬قصائد‭ ‬ذي‭ ‬الإصبع‭ ‬العدواني‭ ‬إلا‭ ‬ونذكر‭ ‬معها‭ ‬وصيته‭ ‬المعروفة‭ ‬لابنه،‭ ‬وهذا‭ ‬اعتراف‭ ‬من‭ ‬النقاد‭ ‬ومؤرخي‭ ‬الأدب‭ ‬بقيمتها‭ ‬الأدبية‭ ‬والفكرية‭.‬

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *