4

الفرزدق.. شاعر المديح والهجاء

يناير 2018

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

يعد‭ ‬الشاعر‭ ‬الأموي‭ ‬الملقب‭ ‬بالفرزدق‭ ‬نموذجاً‭ ‬أصيلاً‭ ‬لشعر‭ ‬الهجاء‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬النقاد‭ ‬الذين‭ ‬يرصدون‭ ‬تاريخ‭ ‬الشعر‭ ‬العربي،‭ ‬ويرون‭ ‬أن‭ ‬معركة‭ ‬الهجاء‭ ‬المتبادلة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الشاعر‭ ‬جرير،‭ ‬التي‭ ‬دامت‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬هي‭ ‬أطول‭ ‬مطارحة‭ ‬شعرية‭ ‬بين‭ ‬شاعرين‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭.‬

لكن‭ ‬هؤلاء‭ ‬النقاد‭ ‬يظلمون‭ ‬الفرزدق‭ ‬بحصره‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية،‭ ‬فهو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بارعاً‭ ‬في‭ ‬الهجاء‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬بارعاً‭ ‬في‭ ‬المديح،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬محطات‭ ‬مشرقة‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬أهمها‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬لغوياً‭ ‬فذاً،‭ ‬فأدخل‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الألفاظ‭ ‬العربية،‭ ‬وأحيا‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬اندثرت،‭ ‬ويقول‭ ‬أهل‭ ‬اللغة‭: ‬الولا‭ ‬شعر‭ ‬الفرزدق‭ ‬لذهب‭ ‬ثلث‭ ‬اللغة‭ ‬العربيةب،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الفرزدق‭ ‬جواداً‭ ‬كريماً‭ ‬من‭ ‬سادة‭ ‬قومه‭ ‬بني‭ ‬تميم .

‬اسمه بالكامل همام بن غالب بن صعصعة الدارمي التميمي، وكنيته أبو فراس (641-732م)، وسمي بالفرزدق لضخامة وجهه، والفرزدق هو الرغيف، ويقال إن أصل الكلمة فارسي، ولد الفرزدق في كاظمة، وعاش في البصرة، التي لعبت دوراً مهماً في حياته، فقد عرفت بسوق العرب، وكان الناس يقصدونها للعلم والأدب والشعر، وكانت هي البيئة التي ترعرع فيها الفرزدق وتفاعل مع أحداثها.

وكان جده لأبيه عارفاً بالأدب، حافظاً للشعر، راوية لأخبار الناس في وقته، وورث عنه ابنه هذه الخصال وأورثها الفرزدق، بجانب الكرم وحسن الخلق، ويقول الفرزدق عن نفسه متفاخراً:

إذا مت فابكيني بما أنا أهله

فكل جميل قلته فيّ يصدق

وكم قائل مات الفرزدق والندى وقائلة مات الندى والفرزدق

لم ينظم الفرزدق شعر الهجاء وحده، بل نظم شعر المديح في خلفاء بني أمية، لا ليتكسب منه، فقد كان ثرياً، بل مدحهم وقال إنهم أحق الناس بالخلافة، وإنهم كالقمر يهتدى به، ومع هذا له أبيات مديح مشهورة في زين العابدين، ولها قصة تستحق أن تروى تبين موقفه في الدفاع عن آل البيت، إذ يقال إن هشام بن عبدالملك حج مرة، وأثناء الطواف حاول الوصول إلى الحجر الأسود ولم يستطع بسبب الازدحام، فوضع كرسياً وجلس عليه ينظر إلى الناس، وعندما جاء زين العابدين وطاف بالبيت انشقت صفوف الناس ليصل إلى الحجر الأسود، فسأل رجل من أهل الشام: من هذا الرجل الذي هابه الناس هذه الهيبة، فادعى هشام بن عبد الملك عدم معرفته به، وكان الفرزدق موجوداً، فقال قصيدته المشهورة في مدح زين العابدين وآل البيت، التي يقول في مطلعها:

يا سائلي أين حلّ الجودُ والكرمُ

عـندي بـيانٌ إذا طلابه قـدموا

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهمُ

هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله

بجدّه أنبياء الله قد ختموا

ما قال لا قطّ إلاّ في تشهده

لولا التشهد كانت لاؤه نعم

إذا رأته قريش قال قائلها

إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

ويقال إن هشام غضب عليه وأمر بحبسه، فنظم قصيدة هجاه فيها.

مدح الفرزدق كثيراً من خلفاء بني أمية، منهم الحجاج، فعندما ولي الحجاج العراق، وكانت فيه قسوة، خاف منه الفرزدق ومدحه بقصيدة مطلعها:

إنّ ابنَ يُوسُفَ مَحْمُودٌ خَلائِقُهُ

سِيئانِ مَعرُوفُهُ في الناسِ وَالمَطَرُ

هُوَ الشِّهابُ الّذي يُرْمى العَدُوُّ بِه

وَالمَشْرَفيُّ الّذي تَعصَى بهِ مُضَرُ

ومن خصال الفرزدق الحميدة أنه كان باراً بأبيه، وكان يجير من استجار بقبر أبيه، وقال في أبيه:

أبى الصبر أني لا أرى البدر طالعاً

ولا الشمس إلا ذكراني بغالب

وهناك درس أدبي يجب أن يتعلمه أدباء العصر الحديث حول الصراع الفكري والشعري بين جرير والفرزدق، وهو أنهما كانا صديقين مقربين، إلا في الشعر، وكانا لا يفترقان، ويراهما الناس يمشيان في الأسواق ويتسامران، لكنهما عندما يتطارحان الشعر فإن لكل منهما عداوته وطريقته في هجاء الآخر والتشهير به.

عمّر الفرزدق كثيراً حتى بلغ الثالثة والتسعين من العمر، وعندما توفي تأثر جرير لفراقه وقال قولة شهيرة هي: «أما والله إن لأعلم أني قليل البقاء بعده، لقد كان نجماً واحداً، وكل واحد منا كان مشغولاً بصاحبه»، وبالفعل لم يعش جرير كثيراً بعد موت الفرزدق، فقد توفي بعده بأربعين ليلة، وكان قد رثاه بأبيات منها:

فَلا حَمَلَتْ بَعدَ الفَرَزْدَقِ حُرَّة

وَلا ذاتُ حَمْلٍ من نفاسٍ تَعَلّتِ

هُوَ الوافِدُ المَجْبُورُ والحامِلُ الذي

إذا النّعْلُ يَوْماً بالعَشيرَة ِ زَلّتِ وقال في أبيات أخرى:

لَعَمري لَقَد أَشجى تَميماً وَهَدَّها عَلى نَكَباتِ الدَهرِ مَوتُ الفَرَزدَقِ

عَشِيَّةَ راحوا لِلفِراقِ بِنَعشِهِ

إِلى جَدَثٍ في هُوَّةِ الأَرضِ مُعمَقِ

لَقَد غادَروا في اللحدِ مَن كانَ يَنتَمي إِلى

كُلِّ نَجمٍ في السماءِ مُحَلِّقِ

ثَوى حامِلُ الأَثقالِ عَن كُلِّ مُغرَمٍ

وَدامِغُ شَيطانِ الغَشومِ السَمَلَّقِ

عِمادُ تَميمٍ كُلِّها وَلِسانُها وَناطِقُها البَذّاخُ في كُلِّ مَنطِقِ

كان الفرزدق مغروراً معتزاً بنفسه وجماله وتمكنه من اللغة، وكان صريحاً وجريئاً، واشتهر بفصاحته وكرمه، ويقال إنه لم يكن يحب أن يجلس لتناول الطعام وحيداً، وقيل إنه كان متمسكاً بأخلاق عشيرته في الجود والكرم، وأنه مرة باع جمالاً له في سوق المريد ونثر أموالها على الناس.

إن شاعراً بهذه الخصال مجتمعة من الظلم أن نحصره في باب شعر الهجاء وحده، بل يجب أن ننظر إليه من منظار العصر الذي عاش فيه، وأنه كان ابن بيئته بالفعل، وأن سلوكه الاجتماعي وشعره في المجمل هما مفتاح شخصيته ودوره في إثراء الشعر العربي، صحيح أنه هجا الجميع، حتى عمته وأخته، لكن الهجاء لم يلازمه طوال حياته، وتذكر المصادر أنه تاب عنه في أواخر أيامه، وهجا إبليس الذي كان يحرضه على الهجاء قائلاً: أطعتك يا إبليس سبعين حجة فلما انتهى شيبي وتم تمامي فررت إلى ربي وأيقنت أنني ملاقٍ لأيام المنون حمامي ويروى أنه في آخر أيامه تعلق بأستار الكعبة وقيد نفسه بقيد وقرر أن لا يفكه حتى يحفظ القرآن كله، فما فكه حتى حفظ القرآن، وعاهد الله أن لا يهجو أحداً، والتزم بذلك حتى وفاته.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *