” من لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد ” بيت الشعر الذي يتوارث الشعراء معانيه منذ العصر الجاهلي !

مارس 2018

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

شغلت‭ ‬قضية‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭ ‬المفكرين‭ ‬والفلاسفة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الحضارات‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬ثم‭ ‬بادت،‭ ‬وكان‭ ‬المصريون‭ ‬القدماء‭ ‬وهنود‭ ‬حضارات‭ ‬الأنكا‭ ‬والمايا‭ ‬يدفنون‭ ‬مع‭ ‬الميت‭ ‬جميع‭ ‬ممتلكاته،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬حيواناته‭ ‬الأليفة‭ ‬وما‭ ‬يكفيه‭ ‬من‭ ‬طعام‭ ‬أو‭ ‬شراب،‭ ‬لأنه‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭ ‬عندما‭ ‬يبعث‭ ‬من‭ ‬جديد‭!‬،‭ ‬وكان‭ ‬ظهور‭ ‬الإسلام‭ ‬نقلة‭ ‬عظمى‭ ‬في‭ ‬تصحيح‭ ‬أفكار‭ ‬الثقافات‭ ‬الإنسانية‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭ ‬وأن‭ ‬علمهما‭ ‬عند‭ ‬رب‭ ‬العالمين‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭.‬

التفكير‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭ ‬قضية‭ ‬عاطفية‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول،‭ ‬فإحساس‭ ‬الإنسان‭ ‬بالوجود‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬هو‭ ‬محور‭ ‬تفكيره‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬ولأن‭ ‬الشعراء‭ ‬أكثر‭ ‬بني‭ ‬البشر‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬مختلف‭ ‬المشاعر‭ ‬الإنسانية،‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تنعكس‭ ‬قضية‭ ‬الموت‭ ‬والحياة‭ ‬في‭ ‬أشعارهم،‭ ‬لكنهم‭ ‬لا‭ ‬يتناولون‭ ‬قضية‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬النثر‭ ‬الفني،‭ ‬إنما‭ ‬نجد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬قصائد‭ ‬الرثاء‭ ‬والمديح‭ ‬والفخر‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬ضروب‭ ‬وميادين‭ ‬الشعر‭ ‬الأخرى،‭ ‬لكن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬المعاني‭ ‬المرتبطة‭ ‬بقضية‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬قصائد‭ ‬الشعراء‭ ‬منذ‭ ‬العصر‭ ‬الجاهلي،‭ ‬وأشهر‭ ‬أبيات‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬الشاعر‭ ‬العباسي‭ ‬ابن‭ ‬نباتة‭ ‬السعدي (٩٤١م – ١٠١٤م):

أرى‭ ‬المرء‭ ‬فيما‭ ‬يبتغيه‭ ‬كأنما

مداولة‭ ‬الأيام‭ ‬فيه‭ ‬مبارد

ويضطرم‭ ‬الجمعان‭ ‬والنقع‭ ‬ثائر

فيسلم‭ ‬مقدام‭ ‬ويهلك‭ ‬خامد

ومن‭ ‬لم‭ ‬يمت‭ ‬بالسيف‭ ‬مات‭ ‬بغيره

تعددت‭ ‬الأسباب‭ ‬والموت‭ ‬واحد

فصبراً‭ ‬على‭ ‬ريب‭ ‬الزمان‭ ‬فإنما

لكم‭ ‬خلقت‭ ‬أهواله‭ ‬والشدائد

والشاعر‭ ‬هو‭ ‬أبو‭ ‬نصر‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬نباتة‭ ‬بن‭ ‬حميد‭ ‬بن‭ ‬نباتة‭ ‬بن‭ ‬الحجاج‭ ‬بن‭ ‬مطر‭ ‬السعدي‭ ‬التميمي،‭ ‬ولد‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬وبها‭ ‬نشأ،‭ ‬ودرس‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬علماء‭ ‬بغداد‭ ‬حتى‭ ‬نبغ،‭ ‬وكان‭ ‬شاعراً‭ ‬محسناً‭ ‬مجيداً‭ ‬بارعاً،‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬السبك‭ ‬وجودة‭ ‬المعنى،‭ ‬وقد‭ ‬وردت‭ ‬سيرته‭ ‬الذاتية‭ ‬في‭ ‬مؤلفات‭ ‬جميع‭ ‬معاصريه،‭ ‬ويقول‭ ‬عنه‭ ‬أبو‭ ‬حيان‭ ‬التوحيدي‭ ‬في‭ ‬موسوعته‭ ‬الأدبية‭ ‬الإمتاع‭ ‬والمؤانسة‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬شاعراً‭ ‬حسن‭ ‬الحذو‭ ‬على‭ ‬مثال‭ ‬سكان‭ ‬البادية،‭ ‬لطيف‭ ‬الائتمام‭ ‬بهم،‭ ‬خفي‭ ‬المغاص‭ ‬في‭ ‬واديهم،‭ ‬مع‭ ‬شعبة‭ ‬من‭ ‬الجنون‭ ‬وطائف‭ ‬من‭ ‬الوسواس،‭ ‬وذكره‭ ‬شمس‭ ‬الدين‭ ‬بن‭ ‬خلكان(١٢١١ – ١٢٨٢)في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬وفيات‭ ‬الأعيان‭ ‬وأنباء‭ ‬أبناء‭ ‬الزمان‮»‬‭ ‬قائلاً‭ ‬إن‭ ‬معظم‭ ‬شعره‭ ‬جيد،‭ ‬ويروي‭ ‬ابن‭ ‬خلكان‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬نباتة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ذاع‭ ‬صيت‭ ‬هذه‭ ‬الأبيات‭ ‬في‭ ‬مشارق‭ ‬الأرض‭ ‬ومغاربها،‭ ‬كان‭ ‬جالساً‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬دهليز‭ ‬بيته،‭ ‬فدق‭ ‬عليه‭ ‬رجل‭ ‬الباب،‭ ‬فقال‭ ‬مَنْ؟،‭ ‬قال‭: ‬رجل‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬المشرق،‭ ‬فقال‭: ‬ما‭ ‬حاجتك؟‭ ‬فقال‭: ‬أنت‭ ‬القائل‭:‬

ومن‭ ‬لم‭ ‬يمت‭ ‬بالسيف‭ ‬مات‭ ‬بعلّة

تعددت‭ ‬الأسباب‭ ‬والداء‭ ‬واحد؟

فقال‭ ‬له‭: ‬نعم،‭ ‬فذهب،‭ ‬فلما‭ ‬كان‭ ‬آخر‭ ‬النهار‭ ‬دق‭ ‬عليه‭ ‬أحدهم‭ ‬الباب‭ ‬فقال‭: ‬من؟‭ ‬فقال‭: ‬رجل‭ ‬من‭ ‬تاهرت‭ ‬من‭ ‬المغرب،‭ ‬فقال‭: ‬ما‭ ‬حاجتك،‭ ‬فقال‭ ‬الرجل‭: ‬أنت‭ ‬القائل‭:‬

من‭ ‬لم‭ ‬يمت‭ ‬بالسيف‭ ‬مات‭ ‬بغيره

تعددت‭ ‬الأسباب‭ ‬والداء‭ ‬واحد؟

فقال‭: ‬نعم،‭ ‬وتعجب‭ ‬ابن‭ ‬نباتة‭ ‬كيف‭ ‬وصل‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬المشرق‭ ‬والمغرب،‭ ‬وقد‭ ‬ورد‭ ‬البيت‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬صيغة‭ ‬في‭ ‬المصادر،‭ ‬وكلمة‭ ‬الداء‭ ‬وليس‭ ‬‮«‬الموت‮»‬‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬عجز‭ ‬البيت‭ ‬تذكرها‭ ‬جميع‭ ‬المصادر‭ ‬الموثوقة‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬ابن‭ ‬نباتة‭ ‬يتعجب‭ ‬لذيوع‭ ‬بيت‭ ‬شعره‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬عجباً‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬وقد‭ ‬رصد‭ ‬الباحث‭ ‬والمحقق‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬فاروق‭ ‬مواسي‭ ‬توارث‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭ ‬لمعاني‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬أشعارهم‭ ‬منذ‭ ‬العصر‭ ‬الجاهلي‭.‬

وفي‭ ‬الموضوع‭ ‬نفسه‭ ‬يقول‭ ‬طرفة‭ ‬بن‭ ‬العبد‭:‬

لَعَمْرُكَ‭ ‬إِنَّ‭ ‬المَوتَ‭ ‬مَا‭ ‬أَخْطَأَ‭ ‬الفَتَـى

لَكَالطِّـوَلِ‭ ‬المُرْخَى‭ ‬وثِنْيَاهُ‭ ‬بِاليَـد

ويقول‭ ‬أمية‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬الصلت‭:‬

من‭ ‬لم‭ ‬يمت‭ ‬عبطة‭ ‬يمت‭ ‬هرماً

للموت‭ ‬كأس‭ ‬والمرء‭ ‬ذائقها

والعبطة‭: ‬الموت‭ ‬في‭ ‬الشباب‭.‬

ويقول‭ ‬لبيد‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬ربيعة‭:‬

وما‭ ‬المال‭ ‬والأهلون‭ ‬إلا‭ ‬ودائع

ولا‭ ‬بد‭ ‬يوماً‭ ‬أن‭ ‬ترد‭ ‬الودائع

ويقول‭ ‬كعب‭ ‬بن‭ ‬زهير‭:‬

كل‭ ‬ابن‭ ‬أنثى‭ ‬وإن‭ ‬طالت‭ ‬سلامته

يوماً‭ ‬على‭ ‬آلة‭ ‬حدباء‭ ‬محمول

ويقول‭ ‬المتنبي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭:‬

نحن‭ ‬بنو‭ ‬الموتى‭ ‬فما‭ ‬بالنا

نعاف‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬شربه

ويقول‭ ‬الإمام‭ ‬الشافعي‭:‬

قد‭ ‬مات‭ ‬قوم‭ ‬وما‭ ‬ماتت‭ ‬محاسنهم

وعاش‭ ‬قوم‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬الناس‭ ‬أموات

تنقل‭ ‬ابن‭ ‬نباتة‭ ‬بين‭ ‬حلب‭ ‬والموصل،‭ ‬وتوفي‭ ‬ببغداد‭ ‬سنة ١٠١٤ م، ومدح‭ ‬الخلفاء‭ ‬هارون‭ ‬الرشيد‭ ‬والمأمون‭ ‬والمتوكل،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬خلصاء‭ ‬أبي‭ ‬فراس‭ ‬الحمداني،‭ ‬وله‭ ‬قصائد‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬مدح‭ ‬أبي‭ ‬فراس،‭ ‬منها‭:‬

ما‭ ‬كانت‭ ‬النـيران‭ ‬يكمن‭ ‬حـرها

لو‭ ‬كان‭ ‬للنيران‭ ‬بعض‭ ‬ذكائه

لا‭ ‬تعلـق‭ ‬الألـحاظ‭ ‬فـي‭ ‬أعطافه

إلا‭ ‬إذا‭ ‬كفكفت‭ ‬من‭ ‬غلوائه

لا‭ ‬يكمل‭ ‬الطرف‭ ‬المحاسن‭ ‬كلـها

حتى‭ ‬يكون‭ ‬الطرف‭ ‬من‭ ‬أسـمائـه

ولابن نباتة ديوان كبير يبلغ عدد قصائده ٢٩٤ قصيدة، وقد حققه عبدالأمير مهدي حبيب الطائي، وصدر عن وزارة الإعلام ببغداد عام ١٩٧٧ في مجلدين.

وتجمع‭ ‬كل‭ ‬المصادر‭ ‬التي‭ ‬أرخت‭ ‬له‭ ‬أنه‭ ‬زاوج‭ ‬في‭ ‬شعره‭ ‬بين‭ ‬القديم‭ ‬والجديد،‭ ‬وجمع‭ ‬بين‭ ‬الأصالة‭ ‬اللغوية‭ ‬والإبداع‭ ‬الفني،‭ ‬ومن‭ ‬بديع‭ ‬شعره‭ ‬قوله‭:‬

بلاد‭ ‬أنفس‭ ‬الأحـرار‭ ‬فيها

كضب‭ ‬القاع‭ ‬تروى‭ ‬بالنسيم

يجوز‭ ‬بها‭ ‬وينفـق‭ ‬كل‭ ‬شيءٍ

سوى‭ ‬الآداب‭ ‬طراً‭ ‬والعلـوم

وتذكر‭ ‬بعض‭ ‬المصادر‭ ‬أنه‭ ‬عاش‭ ‬آخر‭ ‬أيامه‭ ‬في‭ ‬فاقة،‭ ‬ولم‭ ‬يتكسب‭ ‬من‭ ‬شعره‭ ‬كثيراً،‭ ‬وأنه‭ ‬كان‭ ‬يعاب‭ ‬عليه‭ ‬كبر‭ ‬في‭ ‬نفسه،‭ ‬أي‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬متغطرساً،‭ ‬ويصف‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬الأبيات‭ ‬التالية‭:‬

وكم‭ ‬لليل‭ ‬عندي‭ ‬من‭ ‬نجومٍ

جمعْت‭ ‬النثر‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬نظامي

عتاباً‭ ‬أو‭ ‬نسيباً‭ ‬أو‭ ‬مديحاً

لخلٍّ‭ ‬أو‭ ‬حبيبٍ‭ ‬أو‭ ‬همامِ

تغيد‭ ‬بها‭ ‬العقول‭ ‬نهى‭ ‬وصحواً

وقد‭ ‬فعلت‭ ‬بها‭ ‬فِعْل‭ ‬المدام

بيت‭ ‬شعر‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬حساس،‭ ‬هو‭ ‬إحساس‭ ‬البشر‭ ‬بقيمة‭ ‬الحياة‭ ‬وقدر‭ ‬الموت،‭ ‬جعل‭ ‬سيرة‭ ‬ابن‭ ‬نباتة‭ ‬السعدي‭ ‬سائرة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأزمنة‭ ‬والعصور‭.‬

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *