«يتيمة الدهر» للثعالبي.. مــوســوعة أدبـيــة لـكل الـدهــور

مارس 2018

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

يعد‭ ‬الأدب‭ ‬الموسوعي‭ ‬ركناً‭ ‬مهماً‭ ‬من‭ ‬صرح‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬الشامخ،‭ ‬فلولا‭ ‬جهود‭ ‬العلماء‭ ‬والمفكرين‭ ‬الذين‭ ‬آلوا‭ ‬على‭ ‬أنفسهم‭ ‬رصد‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬زمانهم،‭ ‬وسجلوا‭ ‬لنا‭ ‬إنتاج‭ ‬العلماء‭ ‬والفلاسفة‭ ‬والأدباء‭ ‬والشعراء‭ ‬والمفكرين،‭ ‬لضاع‭ ‬تاريخنا‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي،‭ ‬ولما‭ ‬عرف‭ ‬العالم‭ ‬مدى‭ ‬إسهامنا‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المؤلفات‭ ‬ترجمت‭ ‬إلى‭ ‬لغات‭ ‬العالم‭ ‬الحية،‭ ‬وكمثال‭ ‬لا‭ ‬للحصر،‭ ‬األف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلةب‭ ‬لأبي‭ ‬الفرج‭ ‬الأصفهاني،‭ ‬واالبيان‭ ‬والتبيينب‭ ‬للجاحظ،‭ ‬واالكاملب‭ ‬للمبرد،‭ ‬واالشعر‭ ‬والشعراءب‭ ‬لابن‭ ‬قتيبة،‭ ‬واالذخيرة‭ ‬في‭ ‬محاسن‭ ‬أهل‭ ‬الجزيرةب‭ ‬لابن‭ ‬بسام،‭ ‬كلها‭ ‬وسائط‭ ‬تاريخ‭ ‬أدبي،‭ ‬عندما‭ ‬نطلع‭ ‬عليها‭ ‬يرجع‭ ‬بنا‭ ‬الزمان‭ ‬القهقرى‭ ‬بدقة‭ ‬وأمانة‭ ‬وتجعلنا‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬المزدهرة‭.‬

نضيف إلى هذه الطائفة من الموسوعات موسوعة فريدة من الموسوعات في تبويبها ومحتواها، وهي «يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر» لأبي منصور الثعالبي.
والثعالبي هو عبدالملك بن محمد بن إسماعيل، ويعرف في المراجع العلمية باسم أبي منصور الثعالبي، فقد غلبت كنيته على اسمه، عاش خلال الفترة ما بين ٩٦١ – ١٠٣٨م في مدينة نيسابور، وهي مدينة كانت تقع في مقاطعة خراسان شمالي شرق إيران، وكانت تعد من أهم المراكز التجارية والثقافية والعمرانية وأشهرها إبان العصر العباسي، قبل أن يدمرها زلزال عام ١١٤٥م، ثم أكمل خرابها غزو المغول لها عام ١٢٢١م.
كان الثعالبي من أرومة عربية، ولقب بالثعالبي لأن والده كان يخيط فراء الثعالب، بجانب مهنته الأصلية في تعليم الصبيان وتأديبهم، وهي عادة درج عليها معلمو الكتاتيب عصر ذاك، وهي امتهان مهن أخرى تعينهم على الحياة، وقد علمه أبوه وأدبه فأحسن تأديبه، وضلع في النحو والأدب.
كان الثعالبي كثير الحفظ، غزير المعرفة بفنون الأدب، لهذا عرف باسم حافظ نيسابور، وكان متمكناً من علمه، لهذا كان يفد إليه طلاب المعرفة من أقاصي الدنيا للاستزادة من علمه الغزير، ويقال إنه برع في النثر والشعر معاً، وقد توفي في الثمانين من عمره، وعلى الرغم من أنه عاش في جوار الأمير أبي الفضل الميكالي، وفي ظل الوزير سهل بن المرزبان، وربطت بينهم جميعاً صداقة ومودة، إلا أن الثعالبي عاش مهضوماً حياة ضيق ومشقة، يشكو من العوز، وتلخص حياته الأبيات التالية:
ثلاث قد منيت بهن أضحت
لنار القلب مني كالأثافي
ديون أنقضت ظهري وجور
من الأيام شاب له غُدافي
ومقدار الكفاف وأي عيش
لمن يمنى بفقدان الكفاف
ويقول كذلك:
الليل أسهره فهمّي راتب
والصبح أكرهه ففيه نوائب
فكأن ذاك به لطرفي مسهر
وكأن هذا فيه سيف قاضب
كان الثعالبي غزير الإنتاج، وقد انعكست معارفه الغزيرة على تنوع مؤلفاته، التي شملت التاريخ واللغة والجغرافيا والبيئة والأدب والسير والفلسفة، وننتقي هنا بعض عناوين كتبه، التي تربو على الثمانين، للدلالة على ذلك: «أحسن ما سمعت»، و«أفراد المعاني»، و«الأمثال والتشبيهات»، و«أنس الشعراء»، و«الثلج والمطر»، و«التمثيل والمحاضرة في الحكم والمناظرة»، و«سر البيان»، ولحسن الحظ وصلت كثير من مؤلفاته إلى عصرنا سالمة، ومن بينها كتابه المهم الذي نستعرضه هنا، وقد عكف على تأليفه عشرين عاماً، وترجم فيه لشعراء عصره، وهو أول كتاب من نوعه يعتمد المنهج الجغرافي في تصنيف الآثار الأدبية، ويعد رائداً في هذا المجال، وقد جاراه في ذلك كثير من المؤرخين من بعده، والمنهج الجغرافي منهج من المناهج المعروفة في نظرية النقد الأدبي حالياً.
قسّم الثعالبي كتابه إلى أربعة أقسام: شعراء بلاد الشام وما جاورها، وشعراء بني بويه، وهي سلالة حكمت في غرب إيران والعراق (٩٣٢-١٠٥٦م)، وشعراء الجبال، فارس وجرجان وطبرستان، وشعراء خراسان وما وراء النهر، وكل قسم جغرافي من الأقاليم قسمه إلى عشرة فصول، في كل فصل ترجمة لشاعر أو أكثر.
واعتمد الثعالبي في تجميع مادته على منهج المقابلة الشخصية، فأخذ المعلومات من حفظة التراث والأشعار مباشرة، وهو منهج متعارف عليه في تجميع المعلومات في العلوم الإنسانية حديثاً، وإذا لم يستطع، كان يجمعها من شخص ثقة من معارفهم، وإذا تعذر عليه ذلك كان يلجأ إلى دواوين الشعر ينتقي منها ما يريد، لهذا جاءت معلوماته على قدر كبير من الدقة.
أتم الثعالبي كتابه عام ٤٠٣ هـ وهو بجرجان، وبعد ٢٠ عاماً ألحق به ذيلاً كان بمثابة إضافات جديدة لشـعراء جدد، وتوجد من كتـابه عـدة نسخ موزعة في أنحاء العالم، وقد حققه محمد قميحة ونشرته في دمشق دار المكتبة العلمية عام ١٩٨٣م، كما صدر في دمشق في عام ١٩١٥ كتاب عن المتنبي مأخوذ من كتاب «يتيمة الدهر» تحت عنوان «المتنبي ما له وما عليه».
والدهر في قواميس اللغة له عدة معانٍ، فالدهر هو الحياة الدنيا كلها، والدهر هو الزمان قل أو كثر، والدهر هو ألف سنة، والدهر هو ١٠٠ ألف سنة، وربما قصد الثعـالبي من عنوان كتابه دهره أو زمانه الذي عاش فيه، لكن كتابه عبر بحور الزمان والدهور حتى وصل إلى عصرنا الراهن، ليصبح المرجع الوحيد لشعراء القرن الرابع عشر الهجري، ولمجمل الحياة الأدبية والثقافية في العصر العباسي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *