سوق الحرف.. مهن تواجه الاندثار بالإبداع

ديسمبر 2018

يضم‭ ‬سوق‭ ‬الحرف‭ ‬بسوق‭ ‬واقف‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬المحلات‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬الحرف‭ ‬اليدوية‭ ‬القديمة،‭ ‬ويسعى‭ ‬الحرفيون‭ ‬لعرض‭ ‬نتائج‭ ‬عملهم‭ ‬وشرح‭ ‬طريقة‭ ‬صنعها‭ ‬ببساطة‭ ‬أمام‭ ‬الزوار،‭ ‬ويهدفون‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬لتعريف‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬خاصة‭ ‬بماضي‭ ‬آبائهم‭ ‬وأجدادهم،‭ ‬ولتكون‭ ‬هذه‭ ‬المحلات‭ ‬همزة‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭..‬

في‭ ‬هذا‭ ‬التقرير‭ ‬سنخرج‭ ‬بك‭ ‬عزيزي‭ ‬القارئ‭ ‬لبعض‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬التطور‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬وزحمته‭ ‬إلى‭ ‬عبق‭ ‬الماضي‭ ‬الجميل،‭ ‬ووجهتنا‭ ‬ستكون‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬واقف،‭ ‬وتحديداً‭ ‬سوق‭ ‬الحرف‭ ‬اليدوية،‭ ‬الذي‭ ‬ينقلنا‭ ‬المكان‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬زمان‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬زمن‭ ‬الأجداد،‭ ‬لنجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬جناح‭ ‬معدات‭ ‬وأدوات‭ ‬صيد‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬قديماً،‭ ‬وفيه‭ ‬يقدم‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬الجناح‭ ‬معلومات‭ ‬ثمينة‭ ‬تعادل‭ ‬حبة‭ ‬لؤلؤ‭ ‬طبيعي‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يحظى‭ ‬بزيارة‭ ‬هذا‭ ‬الجناح‭ ‬الرائع‭.‬

وعلى‭ ‬بعد‭ ‬خطوات‭ ‬قليلة‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬جناح‭ ‬صناعة‭ ‬الخوص،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬الصناعات‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬سعف‭ ‬النخيل،‭ ‬وتصنع‭ ‬منه‭ ‬السلال‭ ‬والحصير‭ ‬والسفرة‭ ‬وغيرها،‭ ‬ثم‭ ‬أشبع‭ ‬فضولنا‭ ‬مسؤول‭ ‬الجناح‭ ‬وبيّن‭ ‬المراحل‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬المنتج،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬قطعه‭ ‬مروراً‭ ‬بتجفيفه‭ ‬لبضعة‭ ‬أيام‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬قطعة‭ ‬بسيطة‭ ‬وجميلة‭ ‬أتقنت‭ ‬صناعتها‭ ‬يد‭ ‬ماهرة‭.‬

ثم‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬قسم‭ ‬الفخار‭ ‬ورائحة‭ ‬تراب‭ ‬الأرض‭ ‬تعانق‭ ‬الأنوف‭ ‬وتذكرنا‭ ‬بالأسلاف‭ ‬الذين‭ ‬أبدعوا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬الحرفي،‭ ‬ووجدنا‭ ‬صانع‭ ‬الفخار‭ ‬منهمكاً‭ ‬في‭ ‬عمله‭ ‬وكأنه‭ ‬لم‭ ‬يلحظ‭ ‬وجودنا،‭ ‬لينفذ‭ ‬بدقة‭ ‬متناهية‭ ‬الشكل‭ ‬الماثل‭ ‬في‭ ‬مخيلته،‭ ‬وقفنا‭ ‬أمامه‭ ‬طويلاً‭ ‬لنكتشف‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬حرفياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬فنان‭ ‬مبدع،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬انتهى‭ ‬من‭ ‬مهمته‭ ‬نظر‭ ‬إلينا‭ ‬مبتسماً‭ ‬ترحيباً‭ ‬بنا‭ ‬وفرحة‭ ‬بإنجاز‭ ‬عمله،‭ ‬وقدم‭ ‬لنا‭ ‬شرحاً‭ ‬وافياً‭ ‬عن‭ ‬المراحل‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬الإناء‭ ‬حتى‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬شكله‭ ‬النهائي‭.‬

وفي‭ ‬الجانب‭ ‬المقابل‭ ‬يوجد‭ ‬جناح‭ ‬للسفن‭ ‬الخشبية،‭ ‬وترسو‭ ‬فيه‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬مجسمات‭ ‬السفن‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬نوع‭ ‬السفينة،‭ ‬وكنا‭ ‬نتمنى‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬هذه‭ ‬السفن‭ ‬من‭ ‬الغواصين،‭ ‬ولو‭ ‬أننا‭ ‬كدنا‭ ‬نسمع‭ ‬أصواتهم‭ ‬وهم‭ ‬يرددون‭ ‬الأغاني‭ ‬الخاصة‭ ‬بالغوص‭ ‬والصيد‭ ‬والبحر‭.‬

تابعنا‭ ‬رحلتنا‭ ‬ودخلنا‭ ‬جناح‭ ‬الصناعات‭ ‬الجلدية،‭ ‬ومن‭ ‬الوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أدركنا‭ ‬الجودة‭ ‬والجمال‭ ‬اللذين‭ ‬يضاهيان‭ ‬الأصناف‭ ‬العالمية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان،‭ ‬فهذه‭ ‬حقيبة‭ ‬تليق‭ ‬بسيدة‭ ‬تعشق‭ ‬الأصالة،‭ ‬وهذا‭ ‬حزام‭ ‬جلدي‭ ‬لهواة‭ ‬الصيد‭ ‬البري،‭ ‬وبراقع‭ ‬صقور‭ ‬ومعلقات‭ ‬جدارية‭ ‬نقشت‭ ‬عليها‭ ‬أدعية‭ ‬وحكم‭ ‬وأقوال‭ ‬مأثورة،‭ ‬وما‭ ‬عليك‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تختار‭ ‬نوع‭ ‬الجلد،‭ ‬فهناك‭ ‬الماعز‭ ‬والبقر‭ ‬وحتى‭ ‬الثعبان‭ ‬والتمساح‭.‬

في‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬يوجد‭ ‬جناح‭ ‬للسيوف‭ ‬بمختلف‭ ‬أشكالها‭ ‬وأحجامها،‭ ‬وفي‭ ‬الزيارة‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬ستجد‭ ‬من‭ ‬يشرح‭ ‬لك‭ ‬كل‭ ‬التفاصيل‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالجناح‭.‬

ثم‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬جناح‭ ‬المشغولات‭ ‬النحاسية،‭ ‬والنحاس‭ ‬كان‭ ‬مادة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الأدوات‭ ‬المنزلية،‭ ‬خاصة‭ ‬أواني‭ ‬الطبخ،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬القطع‭ ‬النقدية‭ ‬والتحف‭ ‬والكراسي‭.‬

ثم‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭  ‬قسم‭ ‬صناعة‭ ‬الزجاج،‭ ‬ووجدنا‭ ‬حرفي‭ ‬المشغولات‭ ‬الزجاجية‭ ‬يعمل‭ ‬بحذر‭ ‬شديد‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬أفضل‭ ‬قطع‭ ‬الزجاج‭ ‬وصباغتها‭ ‬وزخرفتها‭ ‬لتخرج‭ ‬في‭ ‬أبهى‭ ‬صورة‭.‬

وإذا‭ ‬كنت‭ ‬من‭ ‬هواة‭ ‬الفن‭ ‬التشكيلي‭ ‬فما‭ ‬عليك‭ ‬إلا‭ ‬زيارة‭ ‬جناح‭ ‬الرسم‭ ‬على‭ ‬الجلود،‭ ‬وهناك‭ ‬يصيح‭ ‬بداخلك‭ ‬صائح‭: ‬انظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحصان،‭ ‬ألا‭ ‬تراه‭ ‬حياً‭ ‬ونابضاً‭ ‬بالحيوية‭ ‬وكأنه‭ ‬يستعد‭ ‬لسباق‭ ‬حر،‭ ‬وانظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الصقور‭ ‬مختلفة‭ ‬الألوان‭ ‬والأنواع،‭ ‬ألا‭ ‬تنبئك‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬صيد؟‭!.‬

وفي‭ ‬المحل‭ ‬المقابل‭ ‬وقف‭ ‬شاب‭ ‬على‭ ‬يده‭ ‬صقر‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يتحرك،‭ ‬وكأنه‭ ‬ألف‭ ‬هذه‭ ‬اليد،‭ ‬وظل‭ ‬الشاب‭ ‬واقفاً‭ ‬مع‭ ‬صقره‭ ‬وهو‭ ‬يحدثنا‭ ‬عن‭ ‬عشق‭ ‬الحيوانات‭ ‬النادرة‭ ‬وتخليد‭ ‬ذكراها‭ ‬كقطعة‭ ‬فنية‭ ‬ثابتة‭ ‬تترجم‭ ‬عملية‭ ‬تحنيط‭ ‬كاملة‭ ‬لنمر‭ ‬أو‭ ‬غزال‭ ‬أو‭ ‬صقر‭ ‬أو‭ ‬سلحفاة‭ ‬وغيرها‭ ‬بالوضع‭ ‬الذي‭ ‬يريده‭ ‬المقتني‭.‬

وغير‭ ‬بعيد‭ ‬منه‭ ‬تجد‭ ‬جناحاً‭ ‬لأزياء‭ ‬المرأة،‭ ‬وهنا‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يحاك‭ ‬يدوياً،‭ ‬مثل‭ ‬العباءة‭ ‬والشيلة‭ ‬وغيرها‭.‬

ولصانع‭ ‬الأعواد‭ ‬والآلات‭ ‬الوترية‭ ‬نصيب‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬الحرف،‭ ‬فتارة‭ ‬يصنع‭ ‬وأخرى‭ ‬يصلح،‭ ‬وتجد‭ ‬العود‭ ‬وتجد‭ ‬الربابة،‭ ‬ليرويا‭ ‬لك‭ ‬قصة‭ ‬فنون‭ ‬شعبية‭ ‬كوّنتها‭ ‬السنين‭.‬

وفي‭ ‬ختام‭ ‬رحلتك‭ ‬ما‭ ‬عليك‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬تحتفظ‭ ‬بشيء‭ ‬ما‭ ‬يذكرك‭ ‬بهذه‭ ‬الرحلة،‭ ‬وها‭ ‬أنت‭ ‬تجد‭ ‬نفسك‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬الهدايا‭ ‬التذكارية،‭ ‬اختر‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬تشاء،‭ ‬فأمامك‭ ‬خيارات‭ ‬عدة،‭ ‬فهذا‭ ‬مجسم‭ ‬لمتحف‭ ‬قطر‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وآخر‭ ‬لبيت‭ ‬قطري‭ ‬قديم،‭ ‬وقد‭ ‬تجد‭ ‬أشياء‭ ‬أخرى‭ ‬تسترعي‭ ‬انتباهك،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬تفوت‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬فعلناه‭ ‬عندما‭ ‬خرجنا‭ ‬وفي‭ ‬يد‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منا‭ ‬ذكرى‭ ‬لا‭ ‬تنسى‭.‬

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *