الحصري القيرواني.. الشاعر التونسي الأعمى الذي عارض قصيدته أربعون شاعراً وهو على فراش الموت

ديسمبر 2018

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

لم‭ ‬تمنع‭ ‬العاهات‭ ‬الجسدية‭ ‬القاهرة‭ ‬من‭ ‬ابتلي‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يحولوا‭ ‬عاهاتهم‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬للانطلاق‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الإبداع‭ ‬والإنجاز‭ ‬الثقافي‭ ‬والعلمي‭ ‬والرياضي،‭ ‬مثلهم‭ ‬مثل‭ ‬البشر‭ ‬الأسوياء،‭ ‬والأمثلة‭ ‬كثيرة،‭ ‬ففي‭ ‬التراث‭ ‬العالمي‭ ‬نكتفي‭ ‬بمثال‭ ‬واحد،‭ ‬وهو‭ ‬الشاعر‭ ‬الإغريقي‭ ‬الأعمى‭ ‬هوميروس‭ (‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬ق‭.‬م‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬نظم‭ ‬تاريخ‭ ‬اليونان‭ ‬القديم‭ ‬شعراً،‭ ‬وكان‭ ‬شاعراً‭ ‬جوالاً،‭ ‬وأصبحت‭ ‬أناشيده‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يرددها‭ ‬وهو‭ ‬يعزف‭ ‬على‭ ‬ربابته‭ ‬المصدر‭ ‬الوحيد‭ ‬للميثولوجيا‭ ‬التاريخية‭ ‬اليونانية‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬الحديث‭.‬

والأمثلة كثيرة في الأدب العربي الحديث، أبرزها الدكتور طه حسين، والشاعر اليمني عبدالله البردوني، والكاتب القاص عبدالله حامد الأمين من السودان، والشاعرة النبطية القطرية تليلة المهندي الملقبة بـ «صدى الحرمان».
وفي تراثنا العربي هناك الكثيرون، أبرزهم أبو العلاء المعري (٩٧٣م-١٠٥٧م)، والحصري القيرواني (١٠٢٩م-١٠٩٥م)، اللذان تغلبا على فقدان البصر بالإبداع في الفكر والشعر، ويذهب بعض النقاد إلى إجراء مقاربة بينهما للتشابه في العاهة الجسدية والأحداث، لا سيما أن القيرواني ولع بالمعري لحد التقليد، مع أنه معاصر له.
ولأن انهيار دولة الأندلس في شبه الجزيرة الإيبيرية لا يزال يلقي بظلاله حتى اليوم على التاريخ المعاصر لإسبانيا والدول العربية، ولأن إبداع المفكرين والأدباء والشعراء الأندلسيين يعبر عن الصفات المجيدة للحضارة الأندلسية، نفضل الحديث عن الحصري القيرواني، الشاعر الأندلسي الذي لعب بشعره دوراً مؤثراً في الحياة الثقافية الأندلسية عصر ذاك، وكرّس نصف قرن من حياته في مدح ملوك الأندلس.
يتداخل تاريخ الأندلس مع تاريخ المغرب العربي، وينعكس هذا التداخل بصورة أساسية في التركيبة الديمغرافية، بل في أصول وتاريخ الأسر الحاكمة في الأندلس وبلدان المغرب العربي، لهذا لم يكن من المستغرب أن يكون الحصري القيرواني في الأصل تونسياً هاجر إلى بلاد الأندلس وهو في الثلاثينيات من عمره.
ولد الحصري القيرواني عام ١٠٢٩م في بلدة الفهرين القريبة من مدينة القيروان، التي كانت مركزاً علمياً بارزاً لتدريس الثقافة العربية الإسلامية، لهذا كان يضيف اسم الفهري إلى اسمه الكامل الذي عرف به في مؤلفاته، وهو علي بن عبدالغني الفهري الحصري القيرواني، والحصري تشير إلى مهنة أهله الذين كانوا يعملون في صناعة الحصير، ويلقب بأبي الحسن.
لم يولد الحصري القيرواني أعمى، إنما فقد بصره وهو طفل، واعتنى به والده بعد وفاة والدته فأحسن تربيته، وتعلم في مدارس القيروان، ودرس القرآن وعلومه وحفظه بالقراءات، وأتقن اللغة العربية على يد أئمة عصره.
وفي التاسعة والعشرين من عمره حدثت فتنة بني هلال في القيروان، فخرج أهلها وتفرقوا في شعاب الأرض، ومن بينهم أهله، والتجأ إلى سبتة بالمغرب يدرس علوم القرآن، ثم رحل إلى الأندلس واتصل ببني عباد في مقرهم في إشبيلية ومدحهم، وتنقل بين عواصم ملوك الطوائف لمدة طويلة، وأخيراً حل بمدينة طنجة، التي توفي فيها سنة ١٠٩٥م.
كانت فترة حياته في الأندلس شديدة الثراء، فقد أبدع في مجالي النثر والشعر، وأشهر كتبه كتاب مستحسن الأشعار، وهو فيما نظمه في مدح المعتمد بن عباد، و«ديوان المعشرات»، وهو شعر غزلي فريد يبتدئ كل بيت فيه بالحرف الذي يقفى به، وديوان مختلف المناسبات، ثم ديوان «اقتراح القريح واجتراح الجريح»، وقصائده مرتبة على حروف المعجم، وقد قاله في رثاء ولده عبدالغني، واشتمل على ٢٥٩١ بيتاً، وكان ولده الذي فجع به ولم يكمل العاشرة من عمره طفلاً نابغة في الأدب وعلوم الدين، جامعاً لمعلومات يعجز عن إدراكها الكبار، وقد مات وهو في حضنه ولفظ أنفاسه الأخيرة بين يديه، ووصف ذلك بقصائد تدمي القلوب.
تأثر الحصري القيرواني كثيراً بنكبة القيروان وآلمته كثيراً كبقية شعراء عصره، فقال يندبها من قصيدة طويلة:
موتُ الكرامِ حيَاةٌ فِي مواطنِهمْ
فإِنْ هُم اِغتربوا ماتوا وما ماتُوا
يا أهلَ ودِّيَ لا واللهِ ما اِنتكثَتْ
عندِي عُهودٌ ولا ضاقَتْ مودَّاتُ
لئِنْ بعُدْتُمْ وحالَ البَحْرُ دونَكُمُ
لبَيْنَ أرواحِنا في النَّومِ زَوْرَاتُ
مَا نِمْتُ إلّا لكي أَلْقَى خيالكمُ
وأينَ من نازح الأوطانِ نوماتُ
أَصبحتُ فِي غُرْبتِي لولا مُكاتمتِي
بَكَتْنِيَ الأرضُ فيها والسماواتُ
كأَنَّني لم أذُق بالقيرَوانِ جَنىً
ولم أقلْ ها لأحبابي ولا هَاتوا
أَلا سَقَى اللهُ أرضَ القيروان حَياً
كأنَّه عَبَراتِي المُستهلّاتُ
لكن أكثر القصائد التي جلبت له الشهرة، وخلدته في ديوان الشعر العربي، هي قصيدة المديح التي نظمها في مدح ابن طاهر حاكم مرسية، وكانت سبباً في علو مكانته عنده، ومنذ ذلك الحين تبارى الشعراء في معارضتها، والملحنون في تلحينها، والقصيدة طويلة تقع في ٩٩ بيتاً، لكن اشتهرت منها أبيات الغزل التي تبدأ بها، وهي الأكثر انتشاراً، والقصيدة لطولها أقرب إلى المعلقات.
وتذكر المصادر الأدبية أن عدد المعارضين لها بلغوا ٣٨ شاعراً، ومن أشهر الذين عارضوها من شعراء العصر الحديث أبو القاسم الشابي، وأحمد شوقي أمير الشعراء، الذي عارضها بقصيدة مطلعها:
مُضناك جفاهُ مَرْقَدُه
وبكاه ورَحَّمَ عُوَّدُهُ
حيرانُ القلبِ مُعَذَّبُهُ
مقروح الجفنِ مسهَّدُه
أودى حرفاً إلا رمقاً
يُبقيه عليك وتُنْفِدهُ
وننشر هنا أهم أبيات قصيدة القيرواني الطويلة، التي تعد بحق درّة من درر الأدب الأندلسي، ويعد شاعرها نموذجاً للشخصية الأدبية التونسية والمغربية المتميزة التي أثرت الوجدان العربي.
فقد الحصري القيرواني البصر لكنه لم يفقد البصيرة، التي جعلته يرى بعقله وموهبته ما لم يره الآخرون في عصره.
الأبيات الأولى الغزلية في قصيدة الحصري القيرواني:

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *