ميخائيل نعيمة.. الفيلسوف الناسك متعدد الثقافات والمواهب

يناير 2019

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

مع‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬صمت‭ ‬هدير‭ ‬مدافع‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬هبّت‭ ‬رياح‭ ‬الحرية‭ ‬على‭ ‬مجمل‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬وانتصرت‭ ‬الأفكار‭ ‬والفلسفات‭ ‬القومية‭ ‬التي‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬نهضة‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬واستعادة‭ ‬أمجادها‭ ‬التليدة‭.‬

وفي طليعة الذين سعوا لاستنهاض همم الشعوب العربية كان الأدباء والمثقفون، لا سيما الذين درسوا الثقافات الغربية وتأثروا بها واستلهموها في أعمالهم، وأحياناً كتبوا كتبهم وأدبهم باللغات الأجنبية وليس بلغتهم الأم.
وخير نموذج لهؤلاء الكتاب المفكر والفيلسوف اللبناني ميخائيل نعيمة، الذي كان كاتباً متعدد الثقافات ومتعدد اللغات، وارتبطت حياته بالثقافات الغربية حتى أواخر أيام حياته، لكن ذلك لم ينقص شيئاً من توجهاته القومية العربية.
ولد ميخائيل نعيمة في بسكنتا قرب جبل صنين بلبنان في أكتوبر عام ١٨٨٩م، وأنهى مراحل دراسته الأولية في مدرسة الجمعية الفلسطينية، ثم ابتعث إلى جامعة بولتافا في أوكرانيا عام ١٩٠٥م، وأنهى دراسته عام ١٩١١م، ومرّ هناك بقصة حب فاشلة انعكست آثارها على حياته، وكانت فترة دراسته في أوكرانيا خصبة، ففيها تعرف على الآثار الأدبية الروسية بلغتها الأصلية، خصوصاً الشعر الروسي.
لم يمكث نعيمة كثيراً في لبنان بعد عودته من أوكرانيا عام ١٩١١م، إذ كانت وجهته الجديدة أمريكا، المهجر التاريخي للمواطنين اللبنانيين، فشد الرحال إليها في العام نفسه بصحبة شقيقه نجيب.
وقادته نفسه التواقة للعلم والمعرفة إلى جامعة واشنطن، ومنها حصل على إجازة في القانون، وعلى الجنسية الأمريكية في الوقت نفسه، لذا أرسل إلى الجبهة الفرنسية الألمانية عام ١٩١٩م، وبعد أن سرّح عاد إلى نيويورك وعمل في محل تجاري.
مكث ميخائيل نعيمة في أمريكا ٢٤ سنة، وشكلت هذه الفترة شخصيته الأدبية، لا سيما أنه كان متعدد المواهب واللغات، وأضاف إلى رصيده الثقافي ثقافة جديدة، ووضع أقدامه على سلم المجد الأدبي، فقد نشر أولى مجموعاته القصصية وهو على مقاعد الدراسة عام ١٩١٤م تحت عنوان «سنتها الجديدة»، وتوالت أعماله الأدبية أمريكية الموطن، أهمها «العاقر»، ومسرحية «الآباء والبنون» (١٩١٧م)، وانضم هناك إلى الرابطة القلمية التي أسسها أدباء عرب في المهجر، وكان نائباً لرئيسها جبران خليل جبران عام ١٩٣٢م.
عندما رجع ميخائيل إلى لبنان، آثر على طريقة الفلاسفة والمفكرين السابقين، سواء في تاريخ الفلسفة العربية أو الأوروبية، الابتعاد عن صخب المدينة وضجيجها، واختار العيش في أحضان الطبيعة في قرية الشخروب قرب بسكنتا حيث ولد وترعرع، وهي منطقة اشتهرت بجمالها الخلاب، وهناك كان يبدع ويدبج مقالاته وقصصه باللغتين العربية والإنجليزية، حتى بلغ عدد آثاره الأدبية ٢٢ كتاباً بين القصص والشعر والدراسات النقدية والترجمة والتأملات الفلسفية والرواية، أهمها رواية «مذكرات الأرقش» عام ١٩٤٩م، وفي مجال الدراسات والمقالات والنقد والرسائل أصدر «البيادر» عام ١٩٤٦م، و«النور والديجور» ١٩٥٣م، و«في مهب الريح» ١٩٥٧م، و«نجوى الغروب» ١٩٧٩م، كما نشر مجموعة شعرية باللغة الإنجليزية، وقد عربها محمد الصايغ عام ١٩٤٥م، إلا أنه لم ينشر أشعاره باللغة الروسية في ديوان، وفي عام ٢٠٠٨ زارت لبنان الباحثة في الأدب الروسي إيرينا بيليك، وترجمت أشعاره إلى اللغة الروسية، ويعدها كثير من النقاد إضافة ثرية للشعر العربي الحديث، وشكلت مؤلفاته في مجملها ثمانية مجلدات، وتعد مجموعة قصص «أبو بطة»، التي نشرها عام ١٩٥٨م، مرجعاً مدرسياً وجامعياً للأدب القصصي اللبناني.
ولعل أطرف ما في حياة ميخائيل نعيمة أن حياته الشخصية انعكست في أدبه، ففي عام ١٩٦٠ وضع سيرته الذاتية في ثلاثة أجزاء بعنوان «سبعون»، ظناً منه أن السبعين هي آخر مطافه، وبعد أن بلغ السبعين من العمر أمد الله في عمره وعاش حتى بلغ التاسعة والتسعين من العمر، وتوفي في هدوء في معتزله بقرية الشخروب التي ارتبطت باسمه، فقد كان يطلق عليه «ناسك الشخروب»، وكانت وفاته عام ١٩٨٨.
كان ميخائيل نعيمة قومي التوجه، بعيداً عن التعصب، إنساني القيم، وكان يميل إلى الإيمان بقضايا العدالة والمساواة، وكان من أكثر الكتاب العرب اطلاعاً على الثقافات الغربية، مع معرفته الرصينة بالتراث العربي الإسلامي، وكان، وهو المسيحي الجذور، معجباً بلغة القرآن الكريم ويستلهمها في أعماله.
وننشر رفقة هذا المقال مطلع

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *