المهن والحرف القديمة المتنقلة (١)

يناير 2019

إعداد‭- ‬محمد‭ ‬عبدالله‭ ‬محمد

تعد‭ ‬المهن‭ ‬والحرف‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التنقل‭ ‬والتجوال‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعول‭ ‬عليها‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب،‭ ‬وقد‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬القدم،‭ ‬دلت‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬المكتشفات‭ ‬الأثرية‭ ‬وتوارث‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المهن،‭ ‬ونسرد‭ ‬في‭ ‬حلقات‭ ‬متتابعة‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المهن‭ ‬والحرف‭:‬

الرعي

من‭ ‬أقدم‭ ‬المهن‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التنقل‭ ‬والتجوال،‭ ‬ويعتمد‭ ‬على‭ ‬اقتناء‭ ‬قطيع‭ ‬من‭ ‬الحيوانات‭ ‬المستأنسة‭ ‬والمنتجة‭ ‬للحوم‭ ‬والألبان‭ ‬والجلود،‭ ‬كالأغنام‭ ‬والماعز‭ ‬والبقر‭ ‬والإبل،‭ ‬والتجول‭ ‬بها‭ ‬عبر‭ ‬المراعي‭ ‬لتتناول‭ ‬الأعشاب‭.‬

وفي‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬تقاليد‭ ‬الراعي‮»‬،‭ ‬يقول‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمود‭ ‬البكر‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬لمهنة‭ ‬الرعي‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬دور‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المناطق‭ ‬المتباعدة،‭ ‬وتبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بعلم‭ ‬الحيوان،‭ ‬كاستئناس‭ ‬الكلاب‭ ‬لحراسة‭ ‬القطيع‭ ‬والمقايضة‭ ‬وتجارة‭ ‬المواشي،‭ ‬وممارسة‭ ‬الطب‭ ‬البيطري‭ ‬لعلاج‭ ‬الحيوانات،‭ ‬كما‭ ‬أفادت‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬الحيوانات‭ ‬الكبيرة‭ ‬واستخدامها‭ ‬في‭ ‬الزراعة،‭ ‬كالحرث‭ ‬واستخراج‭ ‬المياه‭ ‬من‭ ‬الآبار‭ ‬للري،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التفاخر‭ ‬والتباهي‭ ‬بامتلاك‭ ‬رؤوس‭ ‬المواشي‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الوجاهة‭.‬

وفي‭ ‬مجال‭ ‬الآثار‭ ‬دلت‭ ‬الاكتشافات‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬مهنة‭ ‬الرعي‭ ‬في‭ ‬الحضارات‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اكتشاف‭ ‬نقوش‭ ‬حجرية‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬النيل‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الحضارة‭ ‬الفرعونية،‭ ‬وهي‭ ‬نقوش‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬الرعي‭ ‬والزراعة،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬منطقة‭ ‬النيل‭ ‬أرضاً‭ ‬خصبة‭ ‬للزراعة‭ ‬والرعي‭. ‬

وفي‭ ‬قطر‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬دليل‭ ‬الخليج‭ ‬الجغرافي‮»‬‭ ‬للرحالة‭ ‬البريطاني‭ ‬لوريمر‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬المهن‭ ‬الأساسية‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬قطر‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬صيد‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬ومهنة‭ ‬الرعي،‭ ‬وذكر‭ ‬أن‭ ‬السكان‭ ‬كانوا‭ ‬يذهبون‭ ‬في‭ ‬الشتاء‭ ‬لقطع‭ ‬الحشائش‭ ‬من‭ ‬البر‭ ‬ونقلها‭ ‬على‭ ‬ظهور‭ ‬الجمال‭ ‬وتخزينها‭ ‬لاستعمالها‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬كأعلاف‭ ‬للمواشي‭ ‬التي‭ ‬يملكونها‭.‬

وفي‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الأغنية‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬قطر‮»‬،‭ ‬ذكر‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬الدويك‭ ‬أن‭ ‬الرعي‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬الصباح،‭ ‬فيذهب‭ ‬الراعي‭ ‬إلى‭ ‬البيوت‭ ‬لجمع‭ ‬الأغنام‭ ‬والماعز،‭ ‬ثم‭ ‬يقودها‭ ‬إلى‭ ‬المرعى‭ ‬وهو‭ ‬يمتطي‭ ‬حماره،‭ ‬متقلداً‭ ‬عصا‭ ‬مثبتة‭ ‬بقماش‭ ‬تعرف‭ ‬بمخيال‭ ‬الغنم،‭ ‬ويصطحب‭ ‬الراعي‭ ‬الكلاب‭ ‬لحماية‭ ‬القطيع‭ ‬أثناء‭ ‬الرعي‭ ‬من‭ ‬الذئاب،‭ ‬وفي‭ ‬الضحى‭ ‬يجمع‭ ‬الراعي‭ ‬القطيع‭ ‬ويقوده‭ ‬إلى‭ ‬عيون‭ ‬الماء‭ ‬للشرب،‭ ‬وكان‭ ‬الأهالي‭ ‬يعطون‭ ‬الراعي‭ ‬أجره‭ ‬من‭ ‬النقود‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭. ‬

القافلة

كانت‭ ‬القوافل‭ ‬معروفة‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬وكان‭ ‬الغرض‭ ‬منها‭ ‬الهجرة‭ ‬أو‭ ‬التجارة،‭ ‬مستخدمة‭ ‬الإبل‭ ‬عبر‭ ‬الطرق‭ ‬الصحراوية‭ ‬مروراً‭ ‬بالوديان‭ ‬والجبال‭.‬

وكانت‭ ‬الطرق‭ ‬التي‭ ‬تسلكها‭ ‬القوافل‭ ‬معروفة‭ ‬ولها‭ ‬أسماء‭ ‬بارزة،‭ ‬وهي‭ ‬همزة‭ ‬الوصل‭ ‬بين‭ ‬أماكن‭ ‬التحضر،‭ ‬وكانت‭ ‬القوافل‭ ‬التجارية‭ ‬تعبر‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬شمالها‭ ‬إلى‭ ‬جنوبها‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬دائبة،‭ ‬وفي‭ ‬زمن‭ ‬الخلافة‭ ‬الإسلامية‭ ‬كان‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬المتوجه‭ ‬إلى‭ ‬الحجاز،‭ ‬وعليه‭ ‬أنشئت‭ ‬الاستراحات‭ ‬وحفرت‭ ‬العيون‭ ‬وشيدت‭ ‬البرك‭ ‬لجمع‭ ‬مياه‭ ‬الأمطار‭.‬

ومن‭ ‬المكتشفات‭ ‬الأثرية‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬طرق‭ ‬القوافل‭ ‬منذ‭ ‬القدم‭ ‬ما‭ ‬عثر‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الجوف‭ ‬من‭ ‬نقوش‭ ‬صخرية‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬2000‭ ‬عام‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬وتدل‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬طريق‭ ‬للقوافل،‭ ‬كما‭ ‬عثر‭ ‬على‭ ‬نقوش‭ ‬صخرية‭ ‬شمال‭ ‬حائل‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬العاشر‭ ‬الهجري‭. ‬

وفي‭ ‬قطر‭ ‬استخدمت‭ ‬القوافل‭ ‬في‭ ‬السفر‭ ‬براً‭ ‬لأداء‭ ‬فريضة‭ ‬الحج،‭ ‬فكان‭ ‬الحجاج‭ ‬يتجمعون‭ ‬في‭ ‬الدوحة‭ ‬عند‭ ‬قلعة‭ ‬الكوت،‭ ‬ثم‭ ‬تنطلق‭ ‬القافلة‭ ‬مروراً‭ ‬بمكينس،‭ ‬ثم‭ ‬الخرسعة‭ ‬والكرعانة‭ ‬وسلوى،‭ ‬ثم‭ ‬الأحساء‭ ‬والرياض،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الأراضي‭ ‬المقدسة،‭ ‬وكانت‭ ‬الرحلة‭ ‬تستغرق‭ ‬قرابة‭ ‬4‭ ‬أشهر‭ ‬ذهاباً‭ ‬وإياباً‭.‬

وفي‭ ‬الداخل‭ ‬ذكر‭ ‬رواد‭ ‬سوق‭ ‬واقف‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬القديم،‭ ‬ممن‭ ‬عاصروا‭ ‬مهنة‭ ‬الغوص‭ ‬والسفر‭ ‬التجاري،‭ ‬أن‭ ‬القوافل‭ ‬كانت‭ ‬تستخدم‭ ‬داخل‭ ‬قطر‭ ‬لنقل‭ ‬البضائع‭ ‬من‭ ‬منتجات‭ ‬البادية‭ ‬من‭ ‬بر‭ ‬قطر،‭ ‬كالحطب‭ ‬والمواد‭ ‬الغذائية‭ ‬وغيرها،‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬واقف‭ ‬عند‭ ‬قلعة‭ ‬الكوت‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الموسمي،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬القوافل‭ ‬تستخدم‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬المياه‭ ‬العذبة‭ ‬من‭ ‬ضواحي‭ ‬العاصمة‭ ‬بالقرب‭ ‬الجلدية‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬الدوحة،‭ ‬وكان‭ ‬يستعان‭ ‬بالجمال‭ ‬لنقل‭ ‬البضائع‭ ‬من‭ ‬الأخشاب‭ ‬والمواد‭ ‬الغذائية‭ ‬من‭ ‬ميناء‭ ‬الدوحة،‭ ‬بعد‭ ‬تفريغ‭ ‬حمولة‭ ‬السفن،‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬عند‭ ‬الدكاكين‭ ‬والمخازن‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬واقف‭. ‬

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *