قلعة بعلبك.. تاج مدينة الشمس الشاهدة على تاريخ الحضارات الإنسانية

يناير 2019

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

تتمتع‭ ‬الجمهورية‭ ‬اللبنانية‭ ‬بموقع‭ ‬جغرافي‭ ‬فريد،‭ ‬فهي‭ ‬تطل‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬وتطل‭ ‬على‭ ‬الشمال‭ ‬الأوروبي‭ ‬والجنوب‭ ‬العربي‭ ‬والشرق‭ ‬الآسيوي‭ ‬والغرب‭ ‬الأفريقي،‭ ‬وانعكس‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬على‭ ‬تاريخها‭ ‬وتركيبتها‭ ‬الديمغرافية‭ ‬وثقافتها،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأسباب‭ ‬في‭ ‬تعدد‭ ‬الثقافات‭ ‬والحضارات‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬على‭ ‬أراضيه‭.‬

وأقدم دليل على استيطان الإنسان لبنان يرجع إلى حوالي عشرة آلاف سنة، وهناك أقام الفينيقيون حضارتهم منذ حوالي ٥٠٠٠ سنة، وكانوا قوماً ساميين اتخذوا من الملاحة والتجارة مهنة، وازدهرت حضارتهم وشملت جزءاً من أرض سوريا وفلسطين، وزاروا معظم موانئ أوروبا.
ونظراً لموقعه الجغرافي المتميز واعتدال طقسه على مدار العام، كان لبنان قبلة أنظار الغزاة والمحتلين، ومرت عليه بعد حكم الفينيقيين عدة شعوب استقرت فيه، مثل المصريين القدماء والآشوريين والفرس والإغريقيين والرومان والعرب، وأخيراً العثمانيين والفرنسيين، لهذا تنتشر في جميع أنحاء لبنان الآثار المعمارية التي تبقت من الحضارات التي سادت ثم بادت، مثل صور المدينة الفينيقية الكبرى، وبعلبك وآثارها الرومانية والإسلامية، وعنجر الشاهد الوحيد على حكم الأمويين، ووادي قاديشا، أو الوادي المقدس، وهو من أهم مواقع التأسيس المسيحي في لبنان، وجميع هذه المواقع مدرجة في قائمة التراث العالمي.
لكن مدينة بعلبك، التي اشتهرت بقلعتها التاريخية التي بنيت منذ عهد الرومان، لها مكانة خاصة في خارطة الآثار اللبنانية، وتعد قبلة أنظار السياح من كل أنحاء العالم، إذ تلتقي فيها الحضارات الفينيقية والرومانية والإسلامية.
مدينة بعلبك مدينة موغلة في القدم، إذ تعد من أوائل المدن التي شيدت في العالم، وكانت في البداية معبداً للقبائل الفينيقية، وقد ذكرت في التوراة باسم بعلبق، وهناك عدة نظريات حول أصل التسمية، وأكثرها يشير إلى أن من أطلق عليها هذا الاسم هم الفينيقيون، وهو اسم مركب يتكون من مقطعين، «بعل» وتعني المالك أو السيد، و«بق» وتعني البقاع، وترجمتها الحرفية للغة العربية هي مدينة الإله بعل، وقد خصصوا معابدها لعبادة إله الشمس، وعندما احتلها الرومان غيروا اسمها إلى هليوبولس، أي مدينة الشمس، وقد استعادت اسمها بعد زوال حكمهم وحافظت عليه حتى الآن.
وبنى الرومان في بعلبك قلعة ضخمة تحتوي على ثلاثة معابد، معبد جوبيتر ومعبد فينوس ومعبد ميركوري، وكانت هذه القلعة والمعابد سليمة، إلى أن دمرها زلزال في القرن السادس الميلادي، وعندما احتل العثمانيون لبنان (٦٣٧م) أضافوا إلى القلعة مسجداً، وبنوا عدة منازل في المدينة لا تزال متينة وسليمة حتى الآن.
لكن آثار وقلعة مدينة بعلبك تعرضت للإهمال وتركت عرضة للعواصف وقوى الطبيعة، إلى أن زارها الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني عام ١٨٩٨م، ولعب دوراً في لفت الأنظار إليها لأهميتها التاريخية والعلمية، والآن تتولى بلدية بعلبك بالتعاون مع منظمة اليونسكو صيانة القلعة، التي أدرجت في قائمة التراث العالمي عام ١٩٨٤م.
تتكون القلعة من عدة آثار رومانية ومسيحية وإسلامية وفينيقية، ففيها معبد بعل، وبقايا المعابد الرومانية الثلاثة، ويعد معبد باخوس من أكثر المعابد القديمة سلامة في الشرق الأوسط، وفي القلعة مذبح من بقايا عهد الإمبراطور المسيحي الروماني قسطنطين الكبير، وفيها كذلك مسجد إبراهيم والقلعة العربية.
وبفضل أعمال الترميم المتواصلة، تماسكت آثار قلعة مدينة بعلبك وأصبحت من أهم المعالم السياحية في لبنان، وفيها تتجسد بمعنى الكلمة مفاهيم حوار الحضارات والثقافات، وترسيخاً لهذا المبدأ، ينظم منذ عام ١٩٦٦ مهرجان بعلبك السنوي للفنون في القلعة، ويشارك فيه نخبة من أهم وأشهر فناني العالم، كما تقدم فيها على مدار العام حفلات الأوبرا ومعارض الفنون الراقية.
إن قلعة بعلبك ليست مجمعاً أثرياً كبيراً يحتوي على أنقاض مدينة رومانية قديمة، بل إنها إبداع إنساني يجب أن يبقى في الذاكرة على الدوام.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *