السدو.. حرفة تروي استجابة المرأة لظروف البيئة المحيطة

يناير 2019

تعد‭ ‬صناعة‭ ‬السدو‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬الصناعات‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬أنامل‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬البادية،‭ ‬ومن‭ ‬خلالها‭ ‬تصنع‭ ‬بيوت‭ ‬الشعر‭ ‬وجميع‭ ‬لوازمها،‭ ‬كالمفارش‭ ‬والأرضيات‭ ‬والمجالس‭ ‬وغيرها،‭ ‬وكذلك‭ ‬زينة‭ ‬رحال‭ ‬الإبل،‭ ‬لسهولة‭ ‬طيها‭ ‬والترحال‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬لآخر،‭ ‬وملاءمتها‭ ‬للظروف‭ ‬المناخية‭ ‬في‭ ‬الشتاء‭ ‬والصيف‭.‬

وتعتمد‭ ‬هذه‭ ‬الصناعة‭ ‬على‭ ‬شعر‭ ‬الماعز‭ ‬وصوف‭ ‬الضأن‭ ‬ووبر‭ ‬الإبل‭ ‬وغزلها‭ ‬ونسجها،‭ ‬وتتعدد‭ ‬الألوان‭ ‬والأشكال‭ ‬والزخارف‭ ‬المستخدمة‭ ‬فيها،‭ ‬وكلها‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬الإبداع‭ ‬وتطويع‭ ‬المكونات‭ ‬المحيطة‭ ‬لخدمة‭ ‬الإنسان‭ ‬الشيء‭ ‬الكثير‭.‬

مجلة‭ ‬الريان‭ ‬تجولت‭ ‬في‭ ‬محلات‭ ‬السدو‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬واقف‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬تفاصيل‭ ‬هذه‭ ‬الحرفة،‭ ‬وكانت‭ ‬البداية‭ ‬مع‭ ‬أم‭ ‬محمد،‭ ‬التي‭ ‬قالت‭: ‬بدأت‭ ‬اكتساب‭ ‬هذه‭ ‬المهارة‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة،‭ ‬وذلك‭ ‬بالعمل‭ ‬مع‭ ‬والدتي‭ ‬وجدتي،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬تعلمها،‭ ‬وكذلك‭ ‬تعليمها‭ ‬لبناتنا،‭ ‬وكان‭ ‬إتقان‭ ‬هذه‭ ‬الحرفة‭ ‬بمثابة‭ ‬المفخرة‭ ‬بين‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬وفيها‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬تشرب‭ ‬ثقافة‭ ‬البادية،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬تنسيق‭ ‬الألوان‭ ‬والأشكال،‭ ‬ليظهر‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬وجميع‭ ‬لوازمه‭ ‬بشكل‭ ‬جميل‭.‬

وتوضح‭ ‬أم‭ ‬محمد‭: ‬كنا‭ ‬نبدأ‭ ‬بجز‭ ‬صوف‭ ‬الضأن،‭ ‬وكذلك‭ ‬شعر‭ ‬الماعز‭ ‬ووبر‭ ‬الإبل،‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الربيع،‭ ‬ثم‭ ‬نغسله‭ ‬وننقيه‭ ‬من‭ ‬الشوائب‭ ‬والأوساخ،‭ ‬ونضربه‭ ‬بالخيزران‭ ‬حتى‭ ‬يتداخل‭ ‬ويصبح‭ ‬ناعماً،‭ ‬ثم‭ ‬يبرم‭ ‬ويكور‭ ‬ويغزل‭ ‬بالمغزل،‭ ‬ثم‭ ‬نستخدم‭ ‬‮«‬السادية‮»‬،‭ ‬وتسمى‭ ‬أيضاً‭ ‬‮«‬الكرداش‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬أداة‭ ‬خشبية‭ ‬بها‭ ‬أسنان‭ ‬من‭ ‬حديد،‭ ‬ثم‭ ‬يوضع‭ ‬الصوف‭ ‬على‭ ‬السدو‭ ‬وتدمج‭ ‬الخيوط‭ ‬ببعضها‭.‬

من‭ ‬جهتها‭ ‬قالت‭ ‬أم‭ ‬عبدالله‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأدوات‭ ‬المستخدمة‭ ‬‮«‬المدارة‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬قطعة‭ ‬خشبية‭ ‬توضع‭ ‬بين‭ ‬طرفي‭ ‬النسيج،‭ ‬و«المدرى‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬مسمار‭ ‬معقوف‭ ‬الرأس‭ ‬وله‭ ‬مقبض‭ ‬حديدي‭ ‬تفرز‭ ‬به‭ ‬الخيوط‭.‬

أما‭ ‬أم‭ ‬جاسم‭ ‬فقالت‭ ‬إنها‭ ‬بدأت‭ ‬تعلم‭ ‬السدو‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الثالثة‭ ‬عشرة،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬يراعى‭ ‬فيه‭ ‬المناخ‭ ‬بين‭ ‬الصيف‭ ‬والشتاء،‭ ‬ففي‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭ ‬تبنى‭ ‬البيوت‭ ‬بشكل‭ ‬متناثر‭ ‬وغير‭ ‬منظم‭ ‬لترك‭ ‬المجال‭ ‬للتهوية‭ ‬الجيدة‭ ‬ووصول‭ ‬الهواء‭ ‬إلى‭ ‬الداخل،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء‭ ‬فتنصب‭ ‬البيوت‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬المنخفضة‭ ‬لحمايتها‭ ‬من‭ ‬الرياح‭ ‬الشديدة،‭ ‬مع‭ ‬تجنب‭ ‬أماكن‭ ‬الأودية‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تجرفها‭ ‬الأمطار،‭ ‬وتسد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬الفتحات‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تسمح‭ ‬بمرور‭ ‬الهواء‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭.‬

بدورها‭ ‬قالت‭ ‬أم‭ ‬فهد‭ ‬إن‭ ‬الصوف‭ ‬يصبغ‭ ‬على‭ ‬قطعة‭ ‬السدو‭ ‬ببودرة‭ ‬باللون‭ ‬الأحمر‭ ‬أو‭ ‬الأصفر‭ ‬أو‭ ‬الأخضر،‭ ‬وباستخدام‭ ‬النباتات‭ ‬المتوافرة‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الصحراوية،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭ ‬أضيفت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الألوان،‭ ‬كالعنابي‭ ‬والأزرق‭ ‬والبرتقالي‭ ‬والبنفسجي،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الألوان،‭ ‬وتستورد‭ ‬هذه‭ ‬الألوان‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬الكويت،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الدول‭ ‬المصنعة‭ ‬لهذه‭ ‬الألوان،‭ ‬لأنها‭ ‬تسعى‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬السدو،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬دولة‭ ‬قطر‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحرفة‭ ‬وحمايتها‭ ‬من‭ ‬الاندثار،‭ ‬مضيفة‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬المجالس‭ ‬الآن‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬قطع‭ ‬السدو‭ ‬ونقوشها‭ ‬المستوحاة‭ ‬من‭ ‬البيئة‭ ‬الصحراوية،‭ ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬أشكالها‭ ‬المثلثات‭ ‬المتراصة‭ ‬وضروس‭ ‬الخيل‭ ‬و«الحبيبات‮»‬‭ ‬والعويرجان‭  ‬والضلعة،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭ ‬الهندسية‭ ‬البسيطة،‭ ‬التي‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬السدو‭ ‬بشكل‭ ‬إبداعي‭ ‬جميل‭.‬

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *