ما سر القصيدة الغزلية التي يرددها المغنون منذ العصر العباسي حتى الآن؟

فبراير 2019

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

ذاع صيت كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني (٨٩٧-٩٦٧م) في العالم أجمع منذ قرون، وهو في طليعة كتب التراث العربي الإسلامي التي ترجمت إلى أغلب لغات العالم، وقد أصبح تراثاً عالمياً بالفعل.

القصص والأخبار والأشعار والمرويات التي وردت في كتاب الأغاني، التي جلبت الشهرة والمجد لمؤلف الكتاب الموسوعة، نقلت لنا صورة صادقة عن مجتمعات ولت، وعن حياة ثقافية واجتماعية وأنظمة حكم كان يمكن أن تضيع في غياهب النسيان، وتعد محتويات الكتاب مصدراً لا غنى عنه للمؤرخين والباحثين في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية.
ولأن شعر الغزل أحد أهم أبواب الشعر العربي، حفل كتاب الأغاني بأخبار الشعر والشعراء العشاق، وأورد مؤلفه الكثير من قصائد الغزل وقصصها، بعضها لا يصل إلى مصداقيتها الشك، وأخرى لا يصدقها العقل، وثالثة غريبة وطريفة أقرب إلى القصص الخرافية، مثل قصة القصيدة الغزلية التي ورد فيها بيت من أشهر بيوت الشعر العربي، وأصبح عنواناً مميزاً لها، وهو:
يا حادي العيس عرج كي أودعها
يا حادي العيس في ترحالك الأجل
نظمت القصيدة في العصر العباسي، ومنذ ذلك العهد اشتهرت وأصبحت مغناة، وتبناها كثيرون، ووضعت فيها قصص عديدة متقاربة في المعنى والأسلوب مختلفة في التفاصيل، ونسبت القصيدة إلى أكثر من شاعر منذ يوم مولدها، لكنها اشتهرت باسم «مجنون دير هرقل»، ووفقاً للروايات التاريخية المثبتة، وأهمها كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه (٨٦٠-٩٤٠م)، فإن المصدر الأول لهذه القصيدة هو محمد بن يزيد الملقب بالمبرد، وكان بحراً في البلاغة والنحو والنقد (٨٢٥-٨٩٩م)، ومن أشهر مؤلفاته الكامل في اللغة والأدب، فقد روي أنه خرج مع جماعة من أصحابه من بغداد قاصدين مدينة واسط، وتوقفوا للراحة عند دير يسمى «دير هرقل»، فنظروا إلى مجانين كانوا هناك، إذ كانت الأديرة كثيراً ما يلحق بها مستوصفات لعلاج المجانين، وكان من بينهم الشاعر صاحب القصيدة، وكان شاباً وسيماً جميلاً بهي الطلعة، فأنشدهم طائفة من شعره وطلب رأيهم، وقد أوردها المبرد من ضمن مؤلفاته.
وفي سعيه للتأريخ للأدب في تلك الحقبة، عثر عليها ابن عبد ربه الأندلسي وأوردها في كتابه الشهير «العقد الفريد»، وأورد قصتها كاملة وزاد عليها أن الشاعر قضى بقية عمره في الدير مكبلاً بالسلاسل على جدار حتى وافاه الأجل المحتوم، وقد التقطها الأصفهاني مؤلف كتاب «ألف ليلة وليلة» ووظفها ضمن القصائد المنشدة في لياليه، وانتشرت بعد ذلك بين مغنيات تلك الفترة.
ومنذ العصر العباسي (٧٥٠-١٢٥٨م) حتى عصرنا الراهن، ونظراً لقصتها المؤثرة وموضوعها الجاذب وكلماتها الغزلية الجميلة، تناقل المنشدون والمغنون تلك القصيدة في شتى الدول العربية، وآخر من غناها محمد القبانجي ١٩٥٦م، وناظم الغزالي ١٩٩٠، وسعدون جابر ١٩٩٦، وصباح فخري.
لم يقطع المبرد ولا ابن عبد ربه ولا حتى الأصفهاني الشك في ذكر مؤلف محدد لهذه القصيدة، لهذا أصبح الباب مفتوحاً للتخمين والتأويل، الذي يتناقض مع المصدر الأصلي، وهو رواية المبرد، فتارة تنسب للشاعر العراقي يوسف اللمبجي، ويقال إنه كان حلاقاً في زمانه، وتارة أخرى تنسب لمحمد بن القاسم أبي الحسن المصري الملقب بماني الموسوس (٨٥٩م)، وتارة تنسب لخالد الكاتب، وربما كانت القصيد لشاعر بدوي قح يعرف حياة البداوة وسير القوافل، وهو أمر لا يتوافر للشاعر العراقي اللمبجي، الذي كان ينظف الفوانيس في بغداد، ولا لمحمد بن القاسم المصري، الذي قضي كل حياته في بغداد وتوفي بها وكان من ندماء أبي نواس.
قراءة متأنية للقصيدة تثبت لنا أن الشاعر كان من أهل بادية الشام، ويعرف مفردات لغتها جيداً، فالقصيدة تصور القافلة خلال استعدادها للرحيل، عندما تناخ الإبل وتُحمّل بالمؤن والنساء، ثم تنطلق قبل ظهور الفجر.
وتحفل مفردات القصيدة كلها بالقاموس البدوي الخاص بالقوافل والجمال، فحادي العيس أو الإبل هو الذي يغني وينشد للإبل ويحثها على السير، وتعرف هي صوته

وتطرب لحدائه، و«أناخوا الإبل» أي أبركوا الإبل، وهذه كلمة خاصة بالإبل لا يعرفها إلا من خبرها، وورد في القصيدة «عيسهم»، وهي جمع عَيْساء، وتعني كرائم الإبل، ولونها بين البياض والشقرة، وقد وردت كلمة العيس كثيراً في الشعر العربي بدوي النزعة، ويقول الشاعر عبدالغني بن إسماعيل النابلسي (١٦٤١-١٧٣١م) في بيت مشهور غدا مثلاً يروى:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
والماء فوق ظهورها محمول
لقد رسمت هذه القصيدة صورة درامية لعاشق عذّبه ألم فراق المحبوبة ورحيلها في غيابه، ولم يجد بداً من التوسل للقافلة وحاديها للتوقف حتى يودعها، وهي قصيدة زاخرة بالعواطف الجياشة والصور الشعرية الجميلة التي جعلت الأفئدة تهواها وحناجر المغنين تؤديها على مر الأزمنة والعصور.
إنها بالفعل قصيدة غريبة الأحداث، أنشدها فتى مجنون مكبل بالسلاسل، ويغنيها وينشدها ويطرب لها العقلاء منذ حوالي ألف سنة، لكن الآراء ما زالت تختلف حول اسم الشاعر الذي أبدعها، لا سيما أن الرواة والمغنين في مختلف العصور زادوا عليها وغيروا وبدلوا وأضافوا إليها عدة أبيات، من بينها:
يا راهب الدير بالإنجيل تخبرني
عن البدور اللواتي ها هنا نزلوا

وننشر هنا النص الذي أورده ابن عبد ربه في العقد الفريد:

لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم
ورحّلوها وسارت بالدّمى الإبل
وقلّبت من خلال السّجف ناظرها
ترنو إليّ ودمع العين منهمل
وودّعت ببنان عقده عنم
ناديت: لا حملت رجلاك يا جمل
ويلي من البين! ماذا حلّ بي وبها
من نازل البين؟ حلّ البين وارتحلوا
يا راحل العيس عرج كي أودّعهم
يا راحل العيس في ترحالك الأجل
إني على العهد لم أنقض مودّتهم
يا ليت شعري بطول العهد ما فعلوا؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *