مدينة البتراء الوردية.. إحدى عجائب الدنيا السبع الحديثة

فبراير 2019

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

لعب فلاسفة اليونان دوراً محورياً في الفكر والثقافة الإنسانية، وعالجوا في محاوراتهم وكتاباتهم شتى الموضوعات التي تركز على الإنسان والحقيقة الكونية، ولا تزال أفكار أرسطو وأفلاطون وسقراط مثار جدل حتى الآن، وقد تجادلوا حول أنظمة الحكم والأخلاقيات والشعر والمسرح والموسيقى واللغويات والبلاغة والمنطق، وفلسفوا كل شيء في حياتهم، حتى الزمن، وكانوا يعتقدون أن الرقم ٧ يرمز إلى القوة والوفرة، لهذا عندما قرر المؤرخ اليوناني هيرودوت (٤٨٤ق.م – ٤٢٥ق.م) وضع قائمة بأهم إنجازات الإنسان المعمارية في عصره حددها بالرقم ٧، وركز على إنجازات إنسان البحر الأبيض المتوسط، وجاءت قائمته على النحو التالي: أهرام الجيزة، حدائق بابل المعلقة (العراق)، تمثال زيوس في أوليمبيا (اليونان)، معبد أرتميس في أفيس (اليونان)، ضريح موسولوس (اليونان)، تمثال رودس (اليونان)، منارة الأسكندرية، ونقل عنه القائمة الباحث في مكتبة الأسكندرية عصر ذاك كليماخوس (٣٠٥ق.م – ٢٤٠ق.م)، لكن كتاباتهم بهذا الصدد لم يعثر عليها، إلا أن قائمتهم نالت شهرة عالمية، وتناقلها الكتاب والمؤرخون حتى عصرنا الراهن، وجاراها علماء آخرون ووضعوا على نمطها عدة قوائم.
لكن إبداع الإنسان لم يقتصر على حضارة البحر الأبيض المتوسط، التي انحاز لها هيرودوت، وبرزت الحاجة إلى قائمة جديدة تحتضن إنجازات البشر في جميع الحضارات الإنسانية، لذا سعى برنارد فيبر، وهو مخرج أفلام كندي من أصل سويسري، لوضع قائمة جديدة، وأجرى عام ١٩٩٩م تصويتاً على مستوى

العالم نتجت عنه قائمة جديدة من إنجازات الإنسان المعمارية على مر الأزمنة والعصور حتى عام ٢٠٠٠م، واحتفظ برؤية المؤرخ الإغريقي هيرودوت، فاقتصر على سبع معالم تاريخية فقط، وجاءت قائمته على النحو التالي: سور الصين العظيم (٢٠٤ق.م)، مدينة البتراء في الأردن (القرن ٨ق.م) تمثال المسيح الفادي، البرازيل (١٩٣٠م)، ماتشوبيتشو، البيرو (١٤٤٠)، تشيتشن إيتزا، المكسيك (٨٣٢م) كولوسيوم، إيطاليا (٣٨٠م)، تاج محل، الهند (١٦٥٣م)، وقد أنصفت القائمة الجديدة الحضارة العربية، إذ إن مدينة البتراء بناها الأنباط، وهم قوم ذو أصول عربية، بل إن أحرف أبجديتهم اتخذها المسلمون أبجدية لهم بعد انتشار الإسلام.
مدينة البتراء تستحق بالفعل أن يطلق عليها أعجوبة، ليس فقط لطرازها المعماري الفريد، وبيوتها المنحوتة في الصخر، وأنظمة الري وشبكة حفظ وتوزيع المياه المبتكرة، بل لأنها اختفت وهجرها سكانها وأصبحت أطلالاً لقرون طويلة، إلى أن أعاد اكتشافها الرحالة السويسري بركهارت عام ١٨١٢م.
تقع مدينة البتراء الأثرية في لواء البتراء التابع لمحافظة معان على بعد ٢٢٥ كيلومتر جنوب العاصمة الأردنية عمان، وتبلغ مساحتها ٢٦٤كم٢، وهي مدينة محفورة في الصخر الرملي وردي اللون في صخور وادي موسى، لهذا سميت بالمدينة الوردية، وتحيطها سلسلة من الجبال المتراصة التي يصعب اختراقها.
قبل عام ٣١٢ق.م، عام تأسيس البتراء، كان يعيش في موقعها الآدوميون، الذين استوطنوا التلال المحيطة بالبتراء (١٢٠٠ – ٥٣٩ق.م)، ولم يكن لديهم إلمام أو اهتمام بالنحت في الصخر، بل كانت مهارتهم محصورة في تشكيل الفخار، التي يبدو أنهم علموها للأنباط العرب الذين هاجروا من الجزيرة العربية واستقروا في هذه المنطقة في نهاية القرن السادس قبل الميلاد، وساهم تعايش الآدوميين مع الأنباط في جعل الحياة أكثر استقراراً، وظهرت في الوجود دولة جديدة.
أصبحت البتراء عاصمة لدولة الأنباط وأهم مدن مملكتهم العربية، التي دامت ما بين ٤٠٠ق.م حتى ١٠٦م، وامتدت حدودها من ساحل عسقلان في فلسطين غرباً حتى صحراء بلاد الشام، وحتى البحر الأحمر جنوباً.
وفي ٣٠٠ق.م كان الأنباط قد سيطروا تماماً على المنطقة، وبنوا لأنفسهم مستعمرة حضرية، ونحتوا في الصخور الرملية الوردية أحياءهم السكنية ومبانيهم وقبورهم ومعابدهم.
وفي أوج ازدهارها في القرن الأول قبل الميلاد، كان يعيش في مدينة البتراء ما يقارب ٣٠ ألف نسمة، وشكل موقعها المتوسط بين حضارات ما بين النهرين وبلاد الشام والجزيرة العربية ومصر أهمية اقتصادية، وأمسكت بزمام التجارة بين حضارات هذه المناطق، لا سيما أن طريق الحرير القادم من الصين يمر عبرها، وأصبحت البتراء عاصمة ثقافية متطورة موازية للمدن اليونانية والفينيقية عصر ذاك.
نجح العرب الأنباط في الحفاظ على استقلال دولتهم، وأبقوا دائرة الأردن التاريخية منطقة خالية نسبياً من النفوذ الأجنبي، وقاوموا بشراسة جيوش اليونانيين والبيزنطيين الرومان، لكن نهايتها الدرامية كانت على يد الرومان، الذين حاصروها ومنعوا عنها مصادر المياه سنة ١٠٦م حتى ضموها إلى الإمبراطورية الرومانية، وأطلقوا عليها اسم Arabia Petraea.
استيلاء الرومان على البتراء حرمها من أهم مصادر قوتها وثرائها، وهو التجارة العالمية إن جاز التعبير، لكنهم استمروا في العيش فيها وبنوا معابدهم وقصورهم ومدرجاتهم، واستمرت مركزاً تجارياً مهماً للقوافل لمدة قرنين من الزمن، بعد ذلك تضاءلت أهميتها مع ازدياد أهمية بعض المدن في الشمال مثل تدمر، إلى أن غادرها الرومان ومن خلفهم التجار.
بعد تحول الإمبرطورية الرومانية إلى المسيحية، تحولت بعض مباني البتراء إلى كنائس، ولم يتبق منها إلا الأطلال، وأصبح ما تبقى من سكانها يعتاشون على الزراعة، وأكمل زلزالان عام ٧٤٦ و٧٤٧ مهمة تدميرها، وأفرغاها من أهلها، ودخلت في سبات طويل، وأصبحت جزءاً من التاريخ لدولة سادت ثم بادت.
ومع بدء رحلات المستكشفين والمستشرقين للوطن العربي، زار الأردن المستكشف جون لويس بركهارت (١٧٨٤-١٨١٧)، واكتشف البتراء، ومنذ ذلك التاريخ استعادت المدينة مجدها الذي فقدته لقرون طويلة، وقد احتوى كتابه المطبوع سنة ١٨٢٨م تحت عنوان «رحلات في سوريا والديار المقدسة» على أول صور للبتراء، ثم ذاع صيتها في كل أنحاء العالم.
البتراء الآن أصبحت رمزاً ثقافياً للمملكة الأردنية الهاشمية، وتثير الإعجاب ليس فقط بمبانيها المحفورة في الصخر الوردي، بل وبتنوع آثارها اليونانية والرومانية، ونظام جر المياه الفريد الذي ابتكره الأنباط، الذي كان يغذي المدينة بالماء، ويعد بحد ذاته أعجوبة من عجائب العالم القديم.
لقد أصبحت البتراء قبلة السياح من جميع أنحاء العالم، ومنذ عام ٢٠٠٥ ينظم فيها مهرجان البتراء السياحي الثقافي العالمي، وعادت دماء الحياة تجري في أوصالها من جديد.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *