أنواع الشعر النبطي (الحلقة السابعة عشرة)

مارس 2019

تحت عنوان «دراسة في البحور على مر العصور»، أعد الباحث حمد حسن الفرحان النعيمي رحمه الله دراسة شارك بها في مؤتمر الموروثات الشعبية الذي عقد بالقاهرة في الفترة 17- 22/1/1995م، ثم طبعها المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في كتاب بعنوان «دراسة في الشعر النبطي: تطوره، أنواعه، ألحانه، أوزانه، أغراضه» عام 2007.
ونحن في مجلة الريان، إذ ندعو للباحث الشاعر حمد حسن الفرحان النعيمي بالرحمة والمغفرة، ننشر هذه الدراسة على حلقات نظراً لأهميتها وندرة شبيهاتها، آملين أن تحقق المنفعة والفائدة للشعراء والباحثين والمهتمين من قرائنا الأعزاء.

نكمل في هذا العدد ما ذكره المؤلف حول أنواع الشعر النبطي..
خامساً: الألفية:
الألفية قصيدة تبنى على الحروف العربية مرتبة ترتيباً هجائياً، فتبدأ بحرف الألف وتنتهي بحرف الياء، ويبدأ البيت بكلمة تبدأ بالحرف الهجائي مسبوقة بالحرف نفسه الذي بدأت به، على أن يكون من أصل البيت. وقد يكون بناء القصيدة مضموماً أو مهملاً أو مربوعاً، وبعضهم يبني على الحرف الواحد بيتين أو ثلاثة أبيات، ومن أمثلتها المشهورة هذه الأبيات للشاعر «سبت أبو شرود»:
ألـفٍ أولّف من نظـامٍ نضيدي
في شـف بـدوٍ نيّـهوا بالشـديدي
قلت آه واويلاه لو هو يفيـدي
باكثر مقـالي آه لو قيـل مجنـون
البـا بدا لي مـا بـدا للرفاقـة
والـروح ودّوهـا معـاهم عْلاقـة
لولا الحيا يا ناس شدّيت نـاقة
واقفيـت معهم وين ما هم يـروحون
التـا تراني يا هل الزمل حافي
أمشي قفاكم ما أرى مـن خـلافي
إن كان تعطـوني عبيّة لحـافي
تصـدّقوا للآخــرة قبـل تفنـون
الثـا ثـرى قلبي معاكم مهايـم
متعلـقٍ فـي حب زرق الوشـايم
أمشي وراكم واستشم النسايـم
وانظر زملكم حين يمشي على هون
وهذا مثال آخر للقصيدة الألفية للشاعر عبد المحسن الهزّاني، وتنسب إلى ابن نمي، ومطلعها:
ألفٍ وليف الروح قبل أمس زرناه
غروٍ يسلّي عن جمـيع المعـاني
والبا بقلبي شيّد التـرف مبنـاه
وادعى مباني غيـرهم مرمـهاني
والتا تراني كلما اوحيـت طرياه
أفز لو حلـو الكـرى قـد غشاني
ونلاحظ أن الشاعر قد قال «ألفٍ وليف الروح»، وذلك لاعتقادهم بأن الألف إنما هي واو استقامت، فاستخدمها مكان الألف، معتقداً أنه قد أعاد الألف إلى أصلها، والشاعران اللذان نسبت القصيدة إليهما قارئان متبحران في اللغة وعلومها، ومطلعان على أسرارها وخصائصها.
وهذه القصيدة مثال ثالث على القصيدة الألفية للشاعر عمير بن راشد العفيشة، ومطلعها:
ألفٍ أولف من غريـب المثـايل
طرايفٍ ما اعتضت فيـها بدايــل
أقولهـا منـي لخـلّي رسـايل
تبـري من القلـب الشقي اغتلابه
البـا بليت بحب زيـن السـجايا
غـرٍّ على متنـه يهـل الزوايــا
عليه من وصف الغزيّـل حـلايا
هو غاية المطـلوب تـرفٍ شبابه
سادساً: العوبال:
العوبال جمع مفرده عوبالة، وهي مقاطع صغيرة خفيفة جميلة يتغنى بها الرجل على حافة البئر وهو يسقي إبله أو غنمه، التي عندما تسمع عوباله تجتمع على الحوض وتتزاحم عليه لتشرب بنظام وقد استخفها الطرب بصوت المغني. وقد ذكر العوبال الشاعر عمير بن راشد العفيشة في رده على الشاعر «عيسى بن محمد أبو عبود الرميحي»، إذ يقول:
مزامل بيوت القاف بالصدر تختـلج
كما طرش بدوٍ فوق مطوية الجالي
حداها سموم القيظ من عقب جزوها
وحطبها على الما قرندهٍ وعوبالي
ومثال العوبال هذا المقطع لرجل اسمه علي يسأل صديقاً له اسمه سويلم، فيقول:
يا سويلم غنِّ لي
من غنانا الاولي
فيرد سويلم على سؤال علي بهذه العوبالة:
يا ما جرى لي يا علي
شــايبٍ ومهـولي
إن ركـب ما حـوّلي
وإن غـزا ما قيّـلي
سابعاً: الترمّل (الرملة):
والترمل نوع خاص من الشعر النبطي ارتبط بالخيل، ويؤدى لحثها على سرعة الجري والسير إلى مواقع القتال، والإعلان عن الفارس الذي يمتطي صهوة هذه الفرس أو ذاك الحصان.
ومن أمثلته السائرة هذا البيت الذي يقول فيه الشاعر:
يا والله اللي حدّروا يا ذعار
والنـوم من عينـي بعيـد
ثامناً: بين ابن خرباش وابن المحرول:
تطرق حميد بن خرباش المنصوري إلى نوع من الشعر لم أعثر على ما يماثله في الشعر النبطي، وهذا النوع يشبه الموشح إلى حد كبير، وأول من طرقه ـ حسب علمي ـ هو الشاعر حميد بن خرباش، إذ نظم قصيدة بعث بها إلى الشاعر سعيد بن المحرول، الذي رد عليه بقصيدة من النوع نفسه والوزن والقافية، ومطلع قصيدة الشاعر حميد بن خرباش هو:
قـال مدلول الكـلام
ذكّـره شـف وغـرام
والمشـقى مـا ينـام
لا انتوى واقـلى وشـام
شاف ما ذكره عليـه
والخلايق دالهيـن
وارقه جفـنٍ خفـوق
وامحنـه قـلبٍ يتـوق
هيضه شـوف البروق
يا بعد شـوف الرقـوق
والمكايــن والتريــك
والمداري والبطين
بكّر الوسـمي وهـاج
والفـرج مـن كل فـاج
والوحش رقرق وراج
وانتبه راعـي النعـاج
عقـب ياسـه والطعـام
فارق العد القطين
وهذا هو مطلع القصيدة التي رد بها الشاعر سعيد بن عبدالله بن المحرول على الشاعر حميد بن خرباش:
حي من جيله عنى لي
نلت رده وانتحى لـي
وامتثلت بما طرى لي
وانتحيت وسـاح بالي
وامتثلت بـكل معـنى
هاض من قلبٍ فطين
هاضني يا حميد فنّك
من بـروقٍ هيّضنّـك
يوم شفت وشاوقنّـك
والجــوازي ذكرنّـك
والمولّع ما نــلومه
لا ذكر ذيك السنيـن
شقتني والسـد بـاح
يوم شفت البـرق لاح
وانتويـنا بالمـراح
والعزايــم بالنجـاح
واتــكالٍ بالإلــهي
ربنـا الله عــوين
وهناك أنواع أخرى من الشعر النبطي لم يكتب لها الانتشار الذي كتب للأنواع التي أوردتها، ولا شك أن هناك أنواعاً لم أطلع عليها.
وفي العدد القادم سوف يكون الحديث إن شاء الله حول ألحان الشعر النبطي..

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *