قراءة في قصيدة للشاعر المبدع محمد بن سلوم الكبيسي «الحفيد»

مارس 2019

محمد‭ ‬يعقوب‭  ‬اليوسف

عندما‭ ‬نقف‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭ ‬الرائعة‭ ‬نلاحظ‭ ‬أننا‭ ‬نقف‭ ‬أمام‭ ‬نص‭ ‬تشرئب‭ ‬له‭ ‬أعناق‭ ‬الذوائق‭ ‬طمعاً‭ ‬في‭ ‬جمالياته،‭ ‬ولا‭ ‬نستغرب‭ ‬هذا‭  ‬من‭ ‬الشاعر‭ ‬المبدع‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سلوم‭ ‬الكبيسي‭ ‬‮«‬الحفيد‮»‬‭.‬

قال‭ ‬الشاعر‭:‬

غصب‭ ‬اشمخريتي‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الاقطار

بأمر‭ ‬الذي‭ ‬ينشي‭ ‬حقوق‭ ‬المخيلة

في‭ ‬مطلع‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭ ‬الذي‭ ‬يضيء‭ ‬وجهها‭ ‬شعراً‭ ‬وجمالاً،‭ ‬يبدأ‭ ‬الشاعر‭ ‬مستخدماً‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬غصب‮»‬،‭ ‬وهذه‭ ‬الكلمة‭ ‬لها‭ ‬دلالات،‭ ‬وفيها‭ ‬إشارات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بلادنا‭ ‬الحبيبة‭ ‬قطر‭ ‬صمدت‭ ‬وثبتت‭ ‬كما‭ ‬تثبت‭ ‬الجبال‭ ‬الرواسي‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬التحديات‭ ‬والمصاعب‭ ‬والمكائد،‭ ‬وهذا‭ ‬بفضل‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬الذي‭ ‬سخر‭ ‬لنا‭ ‬ولبلادنا‭ ‬هذه‭ ‬القيادة‭ ‬الرشيدة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬أصابع‭ ‬البلدان‭ ‬قامت‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬قطر‭ ‬انبهاراً‭ ‬وإعجاباً،‭ ‬فالحمد‭ ‬لله‭ ‬على‭ ‬نعمه‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعد‭ ‬ولا‭ ‬تحصى‭.‬

قال‭ ‬الشاعر‭:‬

يا‭ ‬دار‭ ‬قدرك‭ ‬وش‭ ‬يضاهيه‭ ‬يا‭ ‬دار

عنّك‭ ‬فلا‭ ‬نرضى‭ ‬ديارٍ‭ ‬بديلة

هنا‭ ‬ينادي‭ ‬الشاعر‭ ‬قطر‭ ‬مناداة‭ ‬المحب‭ ‬لحبيبه،‭ ‬ثم‭ ‬يستعمل‭ ‬بعد‭ ‬أسلوب‭ ‬النداء‭ ‬أسلوب‭ ‬الاستفهام،‭ ‬فيسأل‭ ‬الشاعر‭ ‬وهو‭ ‬عالم‭ ‬بالإجابة،‭ ‬وكلمة‭ ‬ضاهاه‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬تعني‭ ‬شابهه‭ ‬وشاكله‭ ‬وماثله،‭ ‬فيقول‭ ‬الشاعر‭: ‬يا‭ ‬قطر،‭ ‬ما‭ ‬المكان‭ ‬وما‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬يشابهك‭ ‬ويماثلك،‭ ‬ثم‭ ‬يجيب‭ ‬عن‭ ‬بلاده‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬عنّك‭ ‬فلا‭ ‬نرضى‭ ‬ديارٍ‭ ‬بديلة‮»‬،‭ ‬ومعنى‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يضاهيها‭ ‬بلد‭ ‬ولا‭ ‬يماثلها،‭ ‬فهو‭ ‬يراها‭ ‬أجمل‭ ‬وأحب‭ ‬بلد،‭ ‬وقد‭ ‬استحضر‭ ‬الشاعر‭ ‬أساليب‭ ‬بلاغية‭ ‬متعددة‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬حبه‭ ‬العظيم‭ ‬لقطر‭ ‬الغالية،‭ ‬وكأن‭ ‬هذه‭ ‬الأساليب‭ ‬زهور‭ ‬الربيع‭ ‬التي‭ ‬تتزين‭ ‬بتيجان‭ ‬الندى‭.‬

قال‭ ‬الشاعر‭:‬

فيك‭ ‬الحيا‭ ‬والموت‭ ‬لو‭ ‬إن‭ ‬الاقدار

جتنا‭ ‬تتالى‭ ‬بالسنين‭ ‬المحيلة

هذا‭ ‬البيت‭ ‬امتداد‭ ‬للبيت‭ ‬الذي‭ ‬قبله،‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬بين‭ ‬الشاعر‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يرتضي‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬داره،‭ ‬بيّن‭ ‬أنه‭ ‬يحيا‭ ‬بها،‭ ‬بل‭ ‬ويموت‭ ‬في‭ ‬حبها‭ ‬ويموت‭ ‬دفاعاً‭ ‬عنها‭.‬

قال‭ ‬الشاعر‭:‬

والجار‭ ‬تبقى‭ ‬له‭ ‬حشيمه‭ ‬ولو‭ ‬جار

فينا‭ ‬العوايد‭ ‬من‭ ‬قديمٍ‭ ‬أصيلة

هنا‭ ‬يتطرق‭ ‬الشاعر‭ ‬إلى‭ ‬أخلاق‭ ‬أهل‭ ‬قطر‭ ‬العظيمة،‭ ‬التي‭ ‬يشهد‭ ‬لها‭ ‬الجميع،‭ ‬ونلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬استخدم‭ ‬هنا‭ ‬المحسنات‭ ‬البديعية،‭ ‬فنجد‭ ‬الجناس‭ ‬التام‭ ‬في‭ ‬‮«‬الجار‮»‬‭ ‬و«جار‮»‬،‭ ‬وهذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬يزيد‭ ‬النص‭ ‬ثراءً‭ ‬شعرياً‭ ‬ويملأ‭ ‬خزنة‭ ‬القصيدة‭ ‬بكنوز‭ ‬البلاغة‭ ‬والمعاني‭ ‬السامية‭ ‬الراقية‭.‬

قال‭ ‬الشاعر‭:‬

خذنا‭ ‬من‭ ‬اللي‭ ‬قد‭ ‬مضوا‭ ‬حسن‭ ‬الاذكار

منها‭ ‬العبر‭ ‬تعطي‭ ‬معاني‭ ‬جميلة

يذكر‭ ‬الشاعر‭ ‬أن‭ ‬أهل‭ ‬قطر‭ ‬متمسكون‭ ‬بمبادئهم‭ ‬وأخلاقهم‭ ‬الحميدة‭ ‬التي‭ ‬تربوا‭ ‬عليها‭ ‬وورثوها‭ ‬أباً‭ ‬عن‭ ‬جد،‭ ‬تلك‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬حث‭ ‬عليها‭ ‬الإسلام‭.‬

قال‭ ‬الشاعر‭:‬

والضد‭ ‬لو‭ ‬يرسل‭ ‬مراسيل‭ ‬الانذار

عوّد‭ ‬عقب‭ ‬ذاك‭ ‬النذر‭ ‬بالفشيلة

إن‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬تربينا‭ ‬عليها‭ ‬هي‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الوطن،‭ ‬وقطر‭ ‬دونها‭ ‬أسود‭ ‬يذودون‭ ‬عنها‭.‬

لقد‭ ‬أتى‭ ‬لنا‭ ‬الشاعر‭ ‬المبدع‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سلوم‭ ‬الكبيسي‭ ‬بقصيدة‭ ‬رائعة‭ ‬جزلة‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬معانٍ‭ ‬عميقة‭ ‬وأساليب‭ ‬بيانية‭ ‬كثيرة،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬الممتنع،‭ ‬وعبر‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬عن‭ ‬حبه‭ ‬لبلاده‭ ‬وأميرها‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الشيخ‭ ‬تميم‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬خليفة‭ ‬آل‭ ‬ثاني‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬وسأتركك‭ ‬أخي‭ ‬القارئ‭ ‬مع‭ ‬بقية‭ ‬أبيات‭ ‬القصيدة‭ ‬لتستمتع‭ ‬بها‭ ‬وتتذوق‭ ‬جمالها‭:‬

هذي‭ ‬قطر‭ ‬ما‭ ‬عنّها‭ ‬ميل‭ ‬واعذار

ياما‭ ‬حموها‭ ‬بالسيوف‭ ‬الصقيلة

من‭ ‬دونها‭ ‬ترخص‭ ‬مقابيل‭ ‬الاعمار

يوم‭ ‬ان‭ ‬تطش‭ ‬الراس‭ ‬أم‭ ‬الجديلة

تنخى‭ ‬وتشهم‭ ‬كل‭ ‬هيلع‭ ‬ومغوار

فيه‭ ‬السطر‭ ‬يقدح‭ ‬سواة‭ ‬الفتيلة

ذمتْه‭ ‬ما‭ ‬تشرى‭ ‬بدرهم‭ ‬ودينار

نفسه‭ ‬معوّدها‭ ‬لكسب‭ ‬الفضيلة

يا‭ ‬شيخنا‭ ‬لا‭ ‬تلتفت‭ ‬للذي‭ ‬صار

اللي‭ ‬سعى‭ ‬بالخير‭ ‬ربي‭ ‬كفيله

انت‭ ‬الحكيم‭ ‬اللي‭ ‬بهر‭ ‬كل‭ ‬الانظار

وانت‭ ‬الثقيل‭ ‬اللي‭ ‬يروز‭ ‬الثقيلة

نقلت‭ ‬شعبك‭ ‬بالعزيمه‭ ‬والاصرار

حتى‭ ‬غدا‭ ‬في‭ ‬راس‭ ‬عيطا‭ ‬نزيله

وأمنتهم‭ ‬من‭ ‬عقب‭ ‬علّام‭ ‬الاسرار

وشاهت‭ ‬وجيه‭ ‬اللي‭ ‬سعت‭ ‬بالرذيلة

وأهل‭ ‬قطر‭ ‬دونك‭ ‬ترى‭ ‬درع‭ ‬وسْوار

لو‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬عداك‭ ‬ثلّه‭ ‬قليلة

الحر‭ ‬واحد‭ ‬غير‭ ‬يخشى‭ ‬وكسّار

والّا‭ ‬الحباري‭ ‬لو‭ ‬تحامت‭ ‬ذليلة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *