الوالد علي بن خميس المهندي:بدأت «تباباً» مع والدي وتنوخذت بعد أن ترك والدي الغوص

مارس 2019

النوخذة والراوي الوالد علي بن خميس الحسن المهندي، واحد من رجال الخور والذخيرة الذين يمتلكون الكثير من المعلومات والحقائق عن البحر وأهله، وعن الغوص وأدواته..
ما زال ضيفنا يمتلك ذاكرة قوية ونقية، ويحفظ الكثير من الأسماء والأشعار والقصص، إنه بالفعل تاريخ متنقل ينهل منه من يريد التزود بالمعرفة عن فترة مهمة من تاريخ قطر تمتد لأكثر من 90 عاماً، وقد حمّل مجلة الريان وصية مختصرة يدعو فيها المسؤولين إلى الاهتمام بمن هم في سنه، من ناحية توثيق التاريخ، والاهتمام بهم معنوياً.
التقيناه في مجلسه العامر بمنطقة الذخيرة ومعه جمع من أبنائه وبعض سكان الذخيرة، وكان الحديث معه ممتعاً، وقد تحدث عن أمور كثيرة، عن حياته في البحر منذ الطفولة إلى أن تركه في نهاية الخمسينيات، وتحدث عن عمله في شركة النفط وحياته وحياة من عاصره في ذلك الزمان.
إن المقدمات لا تفي بحق رجل بقامة وتاريخ علي بن خميس، ولهذا نترك لكم قراءة ما دار بيننا من حديث، اختصرنا منه الكثير لضيق المساحة..

• بودنا أن نسألك عن الغوص في البحر، متى كانت البداية وكيف كانت؟
– دخلنا البحر منذ نعومة أظافرنا مع آبائنا وأجدادنا الذين تمرسوا على البحر واعتادوا الغوص فيه واستخراج اللؤلؤ من قاعه الذي كان يزخر بالكثير من الخيرات.
وكان أهل الخليج يركبون البحر من حدود الكويت إلى حدود عمان، ويوجد في هذا البحر «الحصابي» و«القماش»، فتوجد الدانة والراس والذيل والرابعة وغيرها من أنواع اللؤلؤ، وكل نوع له ثمن معين.
ونحن أهل مناطق الذخيرة والخور نذهب إلى الهيرات القريبة مثل أم الصوفان والجيز وأم الجس والحرف وغيرها من الهيرات على سواحل قطر، وكذلك الهيرات الكبيرة مثل أم القرم وأم الشيف وأم العظام والشاغية ونيوة آدم ونيوة لحدان ونيوة علي وغيرها، وكنا نمضي ما يقارب خمسة الأشهر ونحن نجدف في البحر، ثم نعود بعدها في رحلة «القفال».
• مع من بدأت الغوص؟
– بدأت مع الوالد رحمه الله، وفي البداية كنت «تباباً»، وبعدها صرت «غيصاً»، وحينما كبر الوالد «تنوخذت» بدلاً منه وصرت «نوخذة».
• إلى أين تمتد بكم رحلة الغوص؟
– أحيانا نذهب إلى شواطئ قطر، وأحياناً نصل إلى بعض الهيرات، مثل حالول والمحزم وأبو قريعة والعد الشرقي والعد الغربي وأم العظام، والكثير من الهيرات التي كانت معروفة في الخليج العربي.
• اللؤلؤ الذي كنتم تستخرجونه، أين كان يباع؟
– كنا نبيعه لـ «الطواويش»، وقد كانوا يأتون من البحرين، بالإضافة إلى طواويش قطر، وكان في الذخيرة طواش واحد وثلاثة في الخور، وهم عبدالله بن علي المسند وسلطان بن خلف وراشد بن درويش، كذلك يأتي إلينا طواويش من الحد وغيرها.
وبعد أن يشتري الطواويش اللؤلؤ يذهبون به لبيعه في أماكن خارج منطقة الخليج، مثل باكستان، خاصة مدينة كراتشي، ويمكثون هناك ما يقارب 12 يوماً، ومن ثم يذهب بعضهم إلى الهند، وهناك في «بومبي» يأتي تجار العالم ويتوزع اللؤلؤ إلى مختلف أقطار العالم.
• السفن (المحامل) التي كنتم تدخلون البحر بواسطتها، كم كانت تستوعب من البشر؟
– المحامل تختلف في أنواعها ومسمياتها وأشكالها، فبعضها تتراوح حمولتها ما بين 60-70 شخصاً، وبعضها تصل الحمولة فيها إلى 80، وأخرى يتجاوز العدد فيها 100 شخص من غيص وسيب وتباب وغيرهم.
• في أي وقت من العام كنتم تدخلون البحر؟
– كنا ندخل البحر أيام القيظ.
• وشتاءً أين تكونون؟
– في الشتاء نكون في البر، فنحن نملك الحلال ونذهب إلى ريضان قطر، وكنا نملك الغنم و«الركاب» و«العسايف» ونقيم في بيوت من الشعر، فيها أبو أربع، وأبو خمس، وكنا «ندق» المجالس ونتسامر فيها.
• هل سكنتم في مكان غير الذخيرة؟
– نعم، سكنا في «الجميل» في شمال قطر، الحسن وجد آل المسند، وكذلك محمد بن عامر الحميدي، وقد بنوا سور الجميل، وأنشد شاعرهم مادحاً فقال:
عاش ياللي بنى سور الجميل
عز ربعه ولا دار الخساير
وانزلوا منزلٍ ما له مثيل
وقطبوا فيه ذربين الفعايل
يا حمد فعلهم فعلٍ جميل
يكره الضد لي جات البشاير
وبعد ذلك نزلنا في الخور، ومن ثم ارتحلنا إلى الذخيرة حيث ولدت، والآن أنا أبلغ من العمر ما يقارب 90 عاماً.
• هل عاصرت شعراء معروفين؟
– نعم، فقد التقيت الشاعر الكبير محمد بن عبدالوهاب الفيحاني في إحدى المرات الذي زار فيها الذخيرة، وكنت يومها لا أزال صغيراً، وقد أنشد الكثير من القصائد أذكر منها:
ما سمح قلبي يروح ولا يرى
زول محبوبه ولو هو من بعيد
لو يبين من الجبل لي من ورا
ديرته تطفي ضميرٍ به وقيد
آه واويلاه يا ليته درى
كيف حبه في حشا روحي يزيد
إلى آخر أبيات القصيدة.
• وهل هناك شعراء آخرون؟
– نعم، هناك شعراء كثر، لكن أغلبهم من شعراء «الشيلات» والمواويل، فهناك الشاعر عبدالله بن سعد المسند، الذي يقول في شيلة من شيلات العرضة:
حنا عليها من قديم العصر حنا لها
لولا مقام العز ما نلنا عليها طراه
يا ناشدٍ من دارنا نخبرك باحوالها
في كل خيرٍ من ثنى ربي جزيلٍ عطاه
إلى آخر أبيات تلك الشيلة التي ما زالت تردد إلى يومنا هذا.
• متى كانت آخر مرة دخلت فيها البحر؟
– مكثت في البحر ما يزيد عن 25 سنة، وتركنا البحر عندما بدأ ظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني، عندها انكسر أهل البحر وتراكمت الديون على كثير من الغاصة والنواخذة وغيرهم، ثم ظهرت شركات البترول واشتغل فيها الكثير منهم.
• أين عملت في البداية؟
– عملت في شركة البترول في دخان، وكانت رواتبنا في البداية 75 ريالاً «روبية»، وكنا نعيش في الحر وقاسينا كثيراً.
• مَن عاصرت من حكام قطر؟
– الشيخ عبدالله بن جاسم، وقد قابلته أنا ووالدي، وبعده الشيخ علي، والشيخ أحمد بن علي، وسمو الشيخ خليفة بن حمد، وحالياً سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
• كيف ترى التطور في دولة قطر عبر هذه الفترة؟
– قديماً كانت الحياة أجمل، فرغم بساطتها إلا أن الناس كانوا قريبين من بعضهم، وكانوا يجتمعون في المجالس، أما الآن فرغم وجود المجالس إلا أنها «مصكوكة»، والتطور أصبح في الأمور المادية.
• قديماً من أين كنتم تأتون بـ «الميرة» والأغراض؟
– كنا حينما «نقفل القفال» – أي بعد انتهاء الغوص – نذهب إلى القطيف وسيهات والبحرين «المنامة» ونشتري التمر والثياب و«الدراريع» والقهوة وغيرها.
• هل كنتم تذهبون إلى الحسا؟
– نعم، ومرة ذهبنا إلى الحسا، وكنا حوالي 30 شخصاً، وبعد ستة أيام دخلنا على سعود بن عبدالله وأكرمنا ثلاثة أيام، وزودنا بكل ما نحتاجه، وكنا ننوي الذهاب إلى الملك عبدالعزيز، فمررنا بالصمان والدهناء، وبعد خمسة أيام كنا في الخفس حيث كان ينزل الملك عبدالعزيز، فدخلنا مجلسه العصر، وبعد ذلك أمسينا، وحينما أصبحنا أعطانا كتب «الشرهات» و«الهدو»، وذهبنا إلى الرياض حيث يوجد شخص اسمه إبراهيم بن جميع، الذي كان يوزع «الشرهات»، وبعد أن أخذنا ما أمر به الملك ذهبنا إلى أناس من أهل نجد كانت لنا بعض الديون عندهم، فمررنا بإمام لهم وكان معنا كتاب من الشيخ عبدالله بن زيد، وبعد أن رآه أرسل إلى أصحاب الحق، وفعلاً أخذنا ما لنا وعدنا.
• متى تزوجت وكم كان عمرك؟
– تزوجت وعمري حوالي 35 سنة، وكان العرس في الماضي سهلاً وغير مكلف، «3» أو «4» خرفان والمهر حوالي 100 ريال، 50 للعروس والباقي في الذمة.
أما الآن فالفرق شاسع، فأحياناً مجرد الخطوبة تكلف مئات الآلاف، وهناك من يستطيع وهناك من لا يقدر على هذه التكاليف.
• هل من رسالة أخيرة تود أن توجهها؟
– أقول إن أهل التاريخ وحفظته راحوا واندثروا، فنرجو من المسؤولين الالتفات إلى من بقي منهم والاهتمام بهم، فنحن نملك ما لا يملكه غيرنا من أمور، وعاصرنا أحداثاً لم يعاصرها أحد، ونحن على أتم الاستعداد للمشورة فيما يتعلق بأمور الغوص والبحر وغيرها، ونحفظ عن ظهر قلب تاريخاً طويلاً وأشعاراً كثيرة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *