سيرة النخلة في كتب التراث والأدب والشعر

أبريل 2019

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

لأكثر من خمسة آلاف سنة ونخلة التمر تنمو وتزدهر في الشرق الأوسط والدول العربية، وكانت شاهدة أصيلة على حضارات سادت ثم بادت، ولم تكن علاقتها بالإنسان العربي علاقة اقتصادية، بل وثقافية، فهي بمثابة رمز ثقافي وجزء من الشخصية القومية العربية على مر الأزمنة والعصور، ولا يذكر العالم العربي وإلا تذكر النخلة وثمارها، مثلها مثل السيف العربي والحصان العربي.

ولد السيد المسيح على جذعها، وعندما احتل الرومان فينيقيا «لبنان حالياً» وجدوا النخيل ينمو بكثرة في صور وصيدا، لهذا أسموها بلاد النخيل.
وبعد ظهور الإسلام وانتشاره في جميع الأمصار العربية، أصبح النخل يلعب دوراً محورياً في حياة المسلمين وتعاملاتهم الدينية والاجتماعية، بل وحتى في ممارساتهم الثقافية، وورد ذكر النخيل في ست وعشرين آية موزعة على ست عشرة سورة من سور القرآن الكريم، نذكر منها قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ» (إبراهيم 24)، وقوله تعالى: «فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا» (مريم ٢٣) وقوله تعالى «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيَّاً» (مريم 25).
وتحفل السنة النبوية بكثير من الأحاديث عن فوائد التمر الاقتصادية والاجتماعية والدينية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة: «يا عائشة، بيت لا تمر فيه جياع أهله» كررها مرتين أو ثلاثاً (رواه مسلم)، كما أخبر عليه السلام عن الفوائد الطبية في التمر، خاصة عجوة المدينة، فقال صلى الله عليه وسلم: «من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر» (رواه البخاري).
واستخدمت جذوع النخيل في بناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وسقف بجريد النخيل، واستمر الأمر كذلك حتى خلافة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي حدث المسجد.
وانتشر تبجيل النخلة، والتغني بجمالها واخضرارها الدائم، وسعفها الذي يشبه الشعراء جدائل شعر المرأة الجميلة به، في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي، قال امرؤ القيس في معلقته:
وفَرْعٍ يَزِيْنُ المَتْنَ أسْوَدَ فَاحِمٍ
أثِيْثٍ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
غَدَاثِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إلَى العُلا
تَضِلُّ العِقَاصُ فِي مُثَنَّى وَمُرْسَلِ
وقال حسان بن ثابت لابنه عبيد:
أبلغْ عبيداً بأني قدْ تركتُ لهُ
منْ خيرِ ما يتركُ الآباءُ للولدِ
الدارُ واسعةٌ، والنخلُ شارعةٌ
والبيضُ يرفلنَ في القسيّ كالبردِ
وقال ابن الرومي في وصف تمر البرني، أحسن تمور المدينة عصر ذاك:
بعثت ببرنيٍّ جنيٍّ كأنه
مخازن تبرٍ قد ملئن من الشهد
وقال أبو العلاء المعري:
شربنا ماء دجلة خير ماء
وزرنا أشرف الشجر النخيلا
وشعراء العراق من أكثر الشعراء العرب في العصر الحديث تغنياً بالنخيل، وقد ورد ذكره في أكثر من قصيدة للشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري (١٨٩٩-١٩٩٧)، ويقول في إحدى قصائده محيياً نخل العراق:
سلام على هضبات العراق
وشطّيه والجرف والمنحنى
على النخل ذي السعفات الطوال
على سيد الشعر المقتنى
ومن أشهر قصائد الشاعر العراقي بدر شاكر السياب (١٩٢٦ – ١٩٦٤) قصيدته «أنشودة المطر»، التي زينت الديوان الذي يحمل الاسم نفسه، ويقول في مطلعها:
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ
أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ
وترقص الأضواء كالأقمار في نهَرْ
ولم يكن النثر الفني والسرد بعيداً من تمجيد النخل وأثره في حياة البشر، فقد خصص الأديب السوداني العالمي الطيب صالح (١٩٢٩ – ٢٠٠٩) أشهر مجموعاته القصصية القصيرة، وهي «دومة ود حامد»، لتبيان أثر النخلة في حياة سكان شمال السودان، وخصص ثلاث قصص من القصص السبع التي احتوتها المجموعة، وهي «دومة ود حامد»، و«حفنة تمر»، و«نخلة على الجدول»، واتكأ عليها وشحنها بالقضايا الفلسفية عن الصراع بين الجديد والقديم، والخير والشر، ومقاومة الاستغلال، والطريف أنه مجد وأعاد الاعتبار لإحدى أقل أشجار النخيل أهمية، وهي نخلة الدوم، واتخذها رمزاً لديمومة العزة والكرامة والتشبث بالأمل قائلاً: «عادت حياتنا إلى سيرتها الأولى، لا مكنة ماء، ولا مشروع زراعة، ولا محطة باخرة، وبقيت لنا دومتنا تلقي ظلها على الشاطئ القبلي عصراً، وتمد ظلها وقت الضحى فوق الحقول والبيوت حتى تصل إلى المقبرة، والنهر يجري تحتها حتى كأنه أفعى مقدسة من أفاعي الأساطير».
وللدلالة على أهميته الاقتصادية والاجتماعية، تنظم في جميع دول العالم العربي الاحتفالات والمهرجانات في موسم قطاف تمر النخيل، إذ بعد القطاف ينتعش الاقتصاد وتعم المناسبات والأفراح في المجتمعات، خصوصاً في المناطق الريفية، التي تعد فيها النخلة فرداً من أفراد الأسرة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *