النخلة .. أقدم نباتات الأرض وأكثرها فائدة للإنسان

أبريل 2019

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

أحدثت الثورة الصناعية التي اجتاحت العالم بعد القرن الثامن عشر نقلة نوعية في العمران البشري وفي تاريخ العالم الحديث، ومهدت للثورات المتتابعة التي تعم العالم الآن في كل مجالات المعرفة، لكن هناك ثورات أخرى حدثت ما قبل التاريخ أحدثت أثراً في حياة البشر لا يقل عن أثر الثورة الصناعية، وذلك عندما تمكن الإنسان من استئناس كثير من الحيوانات والنباتات التي كانت تنتشر حوله في البرية وسخرها لتلبية احتياجاته في المأوى والملبس والمأكل.

فن الزراعة ومهارات تربية الحيوانات، وما رافقهما من اختراعات مثل المحراث وأدوات طحن الحبوب وأدوات الطبخ، كانت ثورة زراعية في حياة البشر، ولعب مناخ كل منطقة جغرافية وظروفها الخاصة دوراً مهماً في تنوع النباتات والحيوانات التي استؤنست في العالم القديم، في أوروبا وبلاد القوقاز ونهر السند ووادي النيل وبلاد الرافدين وشمال أفريقيا، وأدت الاكتشافات المتزامنة إلى مساعدة الإنسان على المزيد من الاستقرار والعمران، بعد أن طلق حياة التجوال بحثاً عن الغذاء.
وتدل الدراسات الأحفورية والأثرية على أن أغلب النباتات التي تزرع الآن عرفها العالم القديم وساعدته على بناء مجتمعاته في مختلف الحقب التاريخية، وكانت بعض الأشجار والنباتات، مثل البطاطس والشعير والقمح والتفاح والكروم وأشجار النخيل، أكثر تأثيراً من غيرها، خصوصاً شجرة النخيل، التي تعد من أكثر الأشجار التي استثمرها الإنسان، بل إنها من أقدم النباتات التي نمت على ظهر الأرض، فقد أثبتت الدراسات الأركيولوجية للمستحجرات أن أصناف النخيل «النخليات» بدأت في النمو على سطح الأرض منذ ملايين السنين، وازدهرت في أوروبا وكندا على وجه الخصوص، وكانت تلك البقاع صحارى مثل كثير من مناطق العالم العربي الآن التي يسودها طقس حار ورطب يصلح لنمو النخليات، ومنها انتشرت في مختلف أنحاء العالم، خصوصاً عند خطي عرض ١٤ – ٣٦ شمال خط الاستواء، وبالتالي في جميع أنحاء العالم.
وبينت الدراسات الحديثة في مجال الآثار أن قدماء المصريين والعراقيين زرعوا نخيل التمر منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وعرفوا أسلوب التلقيح الصناعي لشجر النخيل، بل وتبادلوا الخبرات، وهناك معلومات مؤكدة أن كثيراً من الأديرة القبطية حتى الآن تحتفظ بمخطوطات وكتابات عن فوائد النخل، كما أن الأشوريين والبابليين عرفوه وزينوا قصورهم بصور النخلة ورسوماتها.
وعرف العرب النخل قبل ظهور الإسلام، ولعب دوراً مهماً في حياتهم الاجتماعية والثقافية، وازداد هذا الدور رسوخاً بعد ظهور الإسلام، وفي العصر العباسي ألفوا الكتب المتخصصة في شأن النخلة وفوائدها، ووصل عدد المصادر حولها إلى ثلاثين مصدراً، لعل أقدمها كتاب النخل والكروم لأبي سعيد عبدالملك الأصمعي «ت٢١٦ هـ».
وتورد كتب التراث العربي أصنافاً عدة من أخبار نخيل التمر، فقد ورد في كتاب نهاية الأرب للقلقشندي أن نخلة أثمرت مرتين في السنة، وأن نخلة في العصر العباسي أنتجت ألف رطل من التمر، وقد كان التمر زاد المحاربين المسلمين الأساسي في حروبهم المختلفة.
وتذكر المصادر العلمية أن هناك ٢٢٠ جنساً من النخليات، وأربعة آلاف صنف من نخيل البلح بأنواعه، لكن أهمها هو نخيل التمر، الذي ينمو بشكل أساسي في الدول العربية، ونخيل جوز الهند «النارجيل» الذي ينمو في الدول الآسيوية وأندونيسيا وسلطنة عمان، وإنتاجه على مدار العام وليس موسمياً كنخل التمر، ويستخلص من ثماره زيت النارجيل، ولثماره استعمالات عدة في الثقافة الغذائية في آسيا والعالم أجمع.
وتنبع أهمية النخلة من أنها شجرة متعددة الفوائد، فثمرها وهو التمر مصدر للغذاء الجيد، وجذعها يستغل في النجارة، وسعفها تسقف به المنازل ويصنع منه الأثاث.
والنخلة من النباتات ثنائية المسكن، إذ إن هناك نخلاً ذكرياً ونخلاً أنثوياً، ويحدث التلقيح بينهما طبيعياً، لكن لضمان الجودة والوفرة يلقحها المزارعون صناعياً، ويعملون على إكثار النخيل عن طريق الفسائل، التي تنمو جوار جذع النخلة في الأرض.
وللنخلة جذع واحد، ويمكن أن يصل طولها إلى ثلاثين متراً، خصوصاً نخل العراق، الذي اشتهر بطول الجذع، وتبدأ النخلة في طرح الثمار بعد أن تبلغ خمسة عشر عاماً، وهي من الأشجار المعمرة، إذ يمكن أن تعيش حتى مائة سنة دون أن تهرم، بل رصدت أشجار بلغت من العمر عتياً، فتجاوز عمر بعضها ثلاثمائة سنة.
وللنخلة مسميات، مثل النخلة العراقية الشامخة، والنخلة المكسيكية الزرقاء، ونخلة جزر الكناري، ونخلة كاليفورنيا، ونخلة البحر الأبيض المتوسط.
ويزداد الاهتمام بنخلة التمر في العالم العربي مع مشرق كل يوم جديد، إذ أدخلته كثير من الدول العربية في دائرة الإنتاج الصناعي كمصدر للدخل القومي، وتنتشر الآن غابات النخيل على مساحات واسعة في الدول العربية.
أما شجرة نخيل البلح فأصبحت من أشجار الزينة في المنازل وعلى جنبات الطرق في المدن، وهذا تراث قديم ومتوارث في حياة الشعوب العربية، فقد كانت النخلة من نباتات الزينة في الممالك الإسلامية وفي الأندلس.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *