ألحان الشعر النبطي

أبريل 2019

تحت عنوان «دراسة في البحور على مر العصور»، أعد الباحث حمد حسن الفرحان النعيمي رحمه الله دراسة شارك بها في مؤتمر الموروثات الشعبية الذي عقد بالقاهرة في الفترة 17- 22/1/1995م، ثم طبعها المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في كتاب بعنوان «دراسة في الشعر النبطي: تطوره، أنواعه، ألحانه، أوزانه، أغراضه» عام 2007.
ونحن في مجلة الريان، إذ ندعو للباحث الشاعر حمد حسن الفرحان النعيمي بالرحمة والمغفرة، ننشر هذه الدراسة على حلقات نظراً لأهميتها وندرة شبيهاتها، آملين أن تحقق المنفعة والفائدة للشعراء والباحثين والمهتمين من قرائنا الأعزاء.

اللحن أساس الغناء، والغناء سر الوجود، كما يقول جبران خليل جبران في بيته المشهور:
أعطني النـاي وغـنِّ
فالغنـا سر الوجـود
فالغناء يريح الإنسان ويذهب عنه آثار العناء والتعب، ويؤنس وحدته عندما يكون منفرداً وحيداً ليس معه أحد من البشر يجاذبه أطراف الحديث، ويجعله يشعر كأن الدنيا قد ملئت حوله بشراً يسيرون في ركابه ويأتمرون بأمره، وهو قائد مسيرتهم، إن أمرهم بالرحيل رحلوا، وإن أمرهم بالنزول نزلوا، وإن أمرهم بالمكث مكثوا، وهو يتمنى عليهم الأماني، فيبدد خوفه ووحشته، ويطرد الجان والأرواح الشريرة من حوله، يرفع عقيرته بالغناء، لكنه لا يستطيع أن يغني كلاماً منثوراً، لأن ذلك سيظل في دائرة بسيطة لا تبهر أحداً ولا تنفر عدواً ولا تجذب محباً أو ترقق قلبه، ولا تسمع صوته من بعيد لأحد، فاختار الشعر ليغنيه.
والشاعر نظم الشعر ليغنى، والشاعر القديم عندما نظم القصيدة لم يخطر بباله أن تدبج بماء الذهب أو الفضة، أو أن توضع موضع التقدير والإكرام، أو أن تدون في ديوان فتحفظ إلى ما شاء الله، لكنه نظمها لحاجته إلى ما ذكرنا آنفاً.
فالشعر إذن لم ينظم إلا ليغنى، ولكي يغنى فلا بد له من لحن يساير واقع الحال، ويعبر عن الأحاسيس، ويترجم المشاعر الفياضة، ويبرز الموقف واضحاً جلياً، وينغم الكلمة فيجعلها مطربة جيّاشة، فتعددت الألحان واختلفت وامتزج بعضها ببعض، وارتبط بعضها بأمم وشعوب معينة وأرض خاصة، والبعض الآخر ارتبط بشعر معين وقوافٍ خاصة.
وتفنن الشعراء في نظم القصائد لهذه المناسبة أو تلك، وتفنن الملحنون والمطربون في اختيار هذا اللحن أو ذاك، وترنم المطربون بهذا النوع من الغناء أو ذاك.
والشعر النبطي، كشقيقه الكبير شعر الفصحى، له ألحان خاصة تؤدى بها قصائده، ومن أهم ألحانه ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ ألحان العرضة المتعددة التي لها في كل قطر عربي العديد من الألحان التي تتناسب مع الموقف، وأغاني النساء التي يرددنها في مناسبات مختلفة مصحوبة بتمايل قدودهن النحيفة وتطاير ضفائرهن الحريرية مع نسمات الهواء، وأغاني البحر المتعددة المتنوعة التي ارتبطت بالمركب، وأغاني البعير والناقة والفرس والسيارة.
وسمى البدوي اللحن «الطاروق»، فعندما ينظم قصيدته يغنيها بلحن يختاره، فتأتي على «طاروق كذا»، أي لحن كذا. ولنتجاوز عن ألحان المناسبات لكثرتها وتداخل بعضها ببعض، مما سيخرجنا عن بحثنا هذا إلى بحث آخر، ولأن بعضها قد مر ذكره، فقد ارتبط النوع فيه باللحن، كأغاني العرضة والموال الزهيري والتغرودة والترمل والعوبال ونحوها، وسوف نحصر بحثنا في الألحان التي انتشرت أكثر من غيرها في إطار الشعر النبطي، ومن هذه الألحان: المسحوب، والفراقي، والصخري، والمنكوس، والفريسني، والسامري، والهجيني، والرواح، والداندان، والدحة، والدبكة، والقلطة؛ ولها ألحان كثيرة، وغيرها كثير يصعب علينا حصره في هذا البحث، لذلك سندرس ما يمكننا دراسته منها، تاركين دراستها بالتفصيل للمختصين في الموسيقى والغناء، ولعله يغنيهم عن اقتباسهم موسيقى الغرب والشرق وإهمالهم هذه الثروة الموسيقية الثرية الرائعة ذات الأنغام الشجية، التي تناسبنا أكثر من تلك الألحان البعيدة عن أسماعنا وأذواقنا، وسنقدم بعض النماذج من هذه الألحان.
السامري:
السامري غناء جماعي تشترك فيه جوقة من المغنين يرددون القصيدة بصوت جميل، في الغالب. ومن أشهر من نظم قصائد يمكن أن تغنى باللحن السامري، وأثر في هذا اللحن تأثيراً واضحاً، واشتهر به، قبيلة الدواسر، حتى ارتبط اسم أحد فروعه باسم هذه القبيلة، فقيل سامري «دوسري»، تمييزاً له عن سائر فروع السامري، ومنها السامري النجدي، والسامري القروي، والسامري الكويتي، وغيرها من سائر فروع السامري، وسمي بذلك لأنه يغنى ـ غالباً ـ في أوقات السمر بالليل، ومن أمثلة اللحن السامري هذه الأبيات للشاعر سلطان بن فرزان السهلي، وهي من السامري الحوطي:
عيني جزت والجفن عن لذ الكرى مشتان
قلت الخبر يا قلب قال اسكت عن المحزون
كنّك غشيـم ولا دريت بلـوعة الخـلان
قلت الله أخبر من هو اللي بالهوى مفتـون
وافيت أنا يـوم الثـلاثا جـادلٍ غدنـان
قالوا تجي يوم الثـلاثا قلت أنـا ممنـون

ومثال آخر على السامري، ويطلق عليها البعض الصخري، هذه الأبيات لمحمد بن لعبون:
سقى صوت الحيا مزنٍ تهامى
على قبـرٍ بتلعات الحجـازي
يعط بها البختري والخـزامى
وترتع فيه طفـلات الجـوازي
وغنّـت راعبيـات الحمـاما
على ذيك المشاريف النوازي
صـلاة الله منـي مع سلاما
على من فيـه بالغفران فازي
عفيف الجيب ما داس الملاما
ولا وقّف على طرق المخازي
عليه قلوب عشـاقه تـرامى
تكسر مثل تكسيـر القزازي
على بخت الردي ليته تعـامى
عفا عنها وليتـه ما يـوازي
وصلاة الله منـي والسـلاما
على قبرٍ بتلعـات الحجـازي

وهذه الأبيات أيضاً من أمثلة السامري:
شرّاي يا اهل الهوى شرّاي
الشـوق عـزّم على غربالي
إذا مشى صاحبي برضـاي
يصيبنـي خفّــةٍ وهبـالي
يا كاشفيـنٍ على معنـاي
ردّوا عليّ الحبيب الغــالي
ألعب واغنّي على مبـداي
جعل الطرب والسعد يبرى لي
لعيون من شدتـه يمنـاي
حلفـت ما اطـاوع العـذالي

وفي العدد القادم نكمل الحديث حول ألحان الشعر النبطي..

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *