قراءة في قصيدة للشاعر الكبير أحمد بن معلاي الكبيسي

أبريل 2019

عندما نقف عند هذه القصيدة الرائعة نجد أن شاعرها قد تفتحت له خزائن الجزالة فاختار لقصيدته أجزل الألفاظ، ولا نستغرب ذلك من الشاعر الكبير أحمد بن معلاي الكبيسي.
قال الشاعر:

أرى‭ ‬الدار‭ ‬عقب‭ ‬الراحلين‭ ‬رسوم

دعتني‭ ‬أقاسي‭ ‬بالديار‭ ‬سموم

نلاحظ أولاً الوزن الشعري الذي كتب عليه الشاعر قصيدته، وهو الهلالي القصير، ويعد هذا البحر من أصعب الأوزان الشعرية ولا يجيده إلا الشعراء الكبار، ونلاحظ أن الشاعر بدأ قصيدته بهذه المقدمة الطللية الرائعة، فهو يقف على الأطلال ويتوجد عليها ويصف حال الدار بعد رحيل أصحابها وكيف أصبحت أنياب البلاد تنهشها حتى أصبحت رسوماً خالية بالية، وما أروع قوله: «دعتني أقاسي بالديار سموم»، فهذا الشطر يحتوي على عدة أوجه من المعاني تشرق جمالاً وإبداعاً، وكلها محتملة، فقد يقصد الشاعر أن أصحاب الدار رحلوا وتركوه وحيداً يقاسي السموم، وهي الرياح الحارة، ومع ذلك ظل واقفاً لا يبرحها، وقد يقصد أنه يشعر بحرقة وحرارة في صدره، فكأن رياح السموم الحارة تلفح قلبه، وقد يقصد أنه يقاسي السموم، وهي جمع كلمة سمّ، واحتمال هذا الشطر لكل هذه المعاني أمر رائع في الحقيقة، وهذه الشعلة الإبداعية ترشدنا إلى شاعر عملاق، فلا يستطيع أن يأتي بمثل هذا إلا شاعر مثل أحمد بن معلاي الكبيسي.
قال الشاعر:
أناظر ثراها واتحسر ودمعتي
على الخد وكنه بالضمير سهوم
يصف الشاعر هنا حاله وكيف أنه ينظر إلى ثرى هذه الدار، وهذا دائماً فعل المحزون، ويصف لنا ما يشعر به، فكأن السهوم اخترقت نفسه بعد أن أطلقتها أقواس الهموم والحسرة.
قال الشاعر:
على جالها وقفت أسايل رسومها
ويرجع صداي وبالفواد هموم
يبين الشاعر أنه وقف على جال هذه الدار يسأل رسومها، والسؤال هنا نستنتج منه التمني، فهو يكثر من سؤال رسوم الدار ويتمنى أن تجيبه، لكن النتيجة مخيبة، فيد الصدى تعيد له صوته، فكأن الصدى يقول له أرجعت لك صوتك وأرجعت لك سؤالك فلن يجيبك أحد، لهذا تراكمت جبال الهموم على صدره.
قال الشاعر:
عليها جرى دمعي كما وابل الحيا
هميلٍ وسوّى بالخدود وشوم
ما أجمل هذا البيت، وما أجمل المشاركة هنا، فقد جعل الشاعر الرسوم تأخذ نصيباً من دمعه، فجرى دمعه عليها وانهمر كما ينهمر المطر، وجعل خدوده تأخذ نصيباً من الدمع، فحضر الدمع الخدود وأصبحت عليها علامات تشبه الوشوم، كما أن الأرض إذا أصابها الغيث اخضرت وأصبح خضارها يشبه لون الوشم، فكأن المطر وشم ساعدها، وهنا تأتي قوة الترابط وقوة الاشتراك بين ما أصاب الأرض من دمع الشاعر وما أصاب خدوده من دمع، وهذا إبداع منقطع النظير ودليل على شاعرية فذة تسبح نجومها في سماء الجزالة.
قال الشاعر:
وناشدت رسم الدار والدار نطقها
هبوبٍ ومعروف الحفيف كتوم
يذكر الشاعر أن رسم الدار لا ينطق فمه إلا بلغة الريح فلا تفهم من كلامه شيئاً، وهذا دليل على أن جواب رسم الدار مستحيل، وقد صدق النابغة حين قال:
وقفت فيها أصيلاً كي أسائلها
عيت جواباً وما بالربع من أحد
قال الشاعر:
ومنها عزاز الناس عنها ترحلوا
عيالٍ لها وقت اللزوم قروم
هنا يذكر الشاعر الذين رحلوا عن هذا المكان ويثني عليهم ويذكر عزتهم ورفعتهم ويتوجّد على رحيلهم.
لقد جاء الشاعر الكبير أحمد بن معلاي الكبيسي بقصيدة هلالية طللية مؤثرة مليئة بالحزن والمعاناة، زاخرة بالصور الشعرية والإشراقات البيانية، فاتسع فضاء هذه القصيدة الرحب لكل ما هو جميل، وسأتركك أخي القارئ مع بقية أبيات القصيدة لتستمتع بها وتتذوق جمالها:
حموها من الأجناب والطامع الذي
بغاها ولا عيّن للنزال عزوم
دحرنا لاجلها كل من هو نوى بها
عهودٍ علينا للديار تدوم
سلامي عليها عدّ ما بارقٍ لمع
بجنح الدجى وابدى الحزين يلوم
يلوم الزمان مفرّق الناس والأهل
ودارٍ يا ليت بها الزمان رحوم
طرى لي شريط الأمس وهيض قريحتي
رسومٍ لها وسط الضمير رشوم
على قاعها الطاهر دموعي تحدّرت
وجريت من لبّ الضمير علوم
علومٍ لها تاريخ ورسوس لابتي
على العز تبقى والزمان خصوم
وناديت يا دارٍ لها بالحشا محل
واكفكف دموعي والديار رسوم

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *