الشاعر الشيخ مبارك بن سيف آل ثاني.. نظرة عن كثب على عالمه الشعري الرحب

مايو 2019

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

لا يختلف تاريخ الشعر القطري المعاصر كثيراً عن تاريخ الشعر في دول الخليج العربي والدول العربية، خصوصاً تلك التي نالت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية وانتظمتها نهضة شاملة لعب فيها الأدب دوره في بنية الثقافة الوطنية الوليدة.

كان الشعراء القطريون في طليعة نهضة أدبية شاملة تزامنت مع انتشار التعليم وبناء دولة المؤسسات الحديثة، وأسهموا بشعرهم في تخليد المناسبات الوطنية، والتغني بحب الوطن، وتعديد المآثر والقيم الخلاقة للشعب القطري، كما استلهموا تراث هذا الشعب في أشعارهم. وبما أن عدداً كبيراً من المثقفين القطريين تلقوا تعليمهم في دول الجوار العربي، في مصر وسوريا والعراق والأردن ولبنان، فقد تأثر الشعراء منهم على وجه الخصوص بالتيارات الأدبية والفكرية التي سادت الحياة العربية المتغيرة، الداعية إلى التجديد والتحديث في أشكال الشعر العربي ومضامينه حتى يواكب الحياة العربية المتغيرة بكل زخمها وصراعاتها.
في هذا الجو المفعم بالحيوية الفكرية العربية، بزغ نجم الشاعر القطري الشيخ مبارك بن سيف آل ثاني، الذي نشر أولى قصائده عام ١٩٧٤م، وكان عنوانها «بقايا سفينة غوص»، ولهذه القصيدة دلالاتها ودورها في تحديد مسيرة الشاعر الشعرية، فقد انحاز لقصيدة الشعر الحر الوليدة، دون أن يتدرج مثل بقية الشعراء بالبدء بكتابة الشعر الكلاسيكي العروضي ثم ينتقل إلى الشعر الحر، ويقول فيها مخاطباً سفينة الغوص على اللؤلؤ، التي أصبحت تراثاً وجزءاً من الماضي الاقتصادي والاجتماعي:

فاحفظي الذكرى ففي الذكرى عزاء
واستعيدي صوت نهام
على سطحك يشدو بالغناء
وعليه السيب والغواص أسرى
يمضيان اليوم في هم وعناء

واستند الشاعر في هذه القصيدة على التراث الثقافي والاقتصادي للشعب القطري، وطرّزها بالمصطلحات المعروفة في عالم الغوص على اللؤلؤ، مثل «نهام»، وهو المنشد على ظهر السفينة، و«السيب»، وهو البحار المنوط به رفع الغواص من قاع البحر، وفي ذلك دلالة رمزية وربط بين الماضي البعيد والتليد والحاضر والمستقبل الوليد.
يفصل بين نشر هذه القصيدة وقصائد رواد الشعر الحر، نازك الملائكة (١٩٢٣-٢٠٠٧م)، وبدر شاكر السياب (١٩٢٦ – ١٩٦٤م)، مدة قصيرة، وهذا يعني أنه من رواد الشعر الحر في العالم العربي، سواء من ناحية الشكل أو المضمون، وقبل أن نلقي نظرة عن كثب على عالمه الشعري الرحب، نفضل أن نلقي الضوء على المحطات المهمة التي شكلت حياته.
ولد الشيخ مبارك بن سيف آل ثاني عام ١٩٤٩، وجده هو الشيخ أحمد بن محمد بن ثاني، الذي كان اليد اليمنى لأخيه الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني مؤسس دولة قطر، ووالدته منيرة بنت شاهين الجلاهمة، وهي حفيدة رحمة بن جابر الجلاهمة، الذي قارع الإنجليز طويلاً في عرض البحر واستشهد وهو يحاربهم، وهذا يفسر لنا وطنيته واهتمامه وتأثره بالبحر في كثير من قصائده.
درس الشيخ مبارك آل ثاني في بريطانيا وبيروت، وحصل على البكالوريوس في العلوم السياسية والاقتصاد عام ١٩٧٤، وعمل مستشاراً في وزارة الخارجية القطرية، وحصل على وسام الاستحقاق من جمهورية مصر العربية في عهد أنور السادات، وأصدر مع زملائه جريدة «الخليج اليوم» عام ١٩٨٧م ورأس تحريرها مدة من الزمن، وقد أصبح اسمها فيما بعد «الشرق»، وشغل عدة مناصب حكومية وقيادية منذ الثمانينيات.
ومنذ أن بدأ نظم الشعر، أصدر عدة دواوين، منها «الليل والضفاف» عام ١٩٨٣، و«ليالٍ صيفية» عام ١٩٩٠، و«الفجر الآتي» عام ١٩٩٢ (مسرحية شعرية)، و«أنشودة الخليج» عام ١٩٨٤ (ملحمية شعرية)، ويتجاوز عدد أبياتها ٤٠٠ بيت، وهو رائد في هذا المجال، وفي عام ١٩٩٦ نظم النشيد الوطني لدولة قطر، وقد واكب بقصائده مختلف المناسبات الوطنية.
تنوع مصادر ثقافته، وتجاربه الدبلوماسية والصحفية، واطلاعه على أشعار رصفائه من رواد الشعر الحديث، كلها عوامل عززت موهبته الشعرية، وجعلت من شعره ساحة للهم الثقافي والإنساني المتنوع، ولم يتكئ في قصائده على التراث القطري فقط، بل وعلى تراث الشعوب الأخرى، مثل ما فعل في قصيدته «بين هياكل عشتار»، فعشتار في أساطير حضارة ما بين النهرين آلهة الحرب والحب، ويقول في تلك القصيدة:

من أين يهب عليك الحزن يا عشتار
أتغوص الشمس في بحار النفط
لتبحث عن شجر المحار
فأجيبيني ساكنة الشمس
يا ربة مملكة الأقمار
فسنابلك الذهبية
لا تعشق أرضي
مائي من قطرات البحر
وشرابك من ماء الأزهار

وفي قصيدته «نياجرا»، التي نشرها عن شلالات نياجرا، وننشرها كاملة في آخر المقالة، يتضامن مع سكان كندا الهنود الأصليين، ويحيي رموزهم وأبطالهم الأسطوريين، وفي قصيدته «الغرب المهذب» ينتقد ثقافة الغرب.
قصيدته التي نشرها عام ١٩٧٦ على نمط النظم الكلاسيكي العروضي، وهي بعنوان «مناجاة الدهر»، تعبر عن بعض مناحي فلسفته في الحياة، ويقول في مطلعها:

أيا دهر أرجع لي السنين الخواليا
وأيام عمر كان ذا القلب خاليا
فوالله ما أنت المجيب ولا الذي
يرد قضاء إنه العمر جاريا
وهل يا ترى تلك العهود تزورنا
أم العمر يمضي وانتهين أمانيا؟

نشرت الأعمال الكاملة للشيخ مبارك بن سيف آل ثاني عام ١٩٩٧م، وفاز بموجبها بجائزة الدولة التقديرية في الفنون والآداب عام ٢٠٠٦، وأعيدت طباعتها عام ٢٠٠٨، ومنحته المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا» درع الأديب لعام ٢٠١٩م، وأهّله إبداعه الشعري المتنوع، من قصائد وملاحم ومسرحيات شعرية، للحصول على عدة جوائز على المستوى العربي والعالمي، فقد كرمته رابطة الأدب الحديث في القاهرة عام ١٩٩٠م، وفاز ديوانه «ليالٍ صيفية» بجائزة ولادة سنة ١٩٨٥م في إسبانيا.
ولعل أبلغ تقدير ناله هو ترجمة أعماله الكاملة إلى اللغة الفرنسية عام ٢٠١٥م من قبل المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، الأمر الذي سيجعل شعره يحلق في رحاب العالمية كأحد الشعراء العرب الكبار في العصر الحديث.
تميز شعر مبارك بن سيف آل ثاني بجزالة اللغة، والصور الشعرية المستمدة من الثقافة الشعبية، مدثرة بالمعارف الثقافية العامة، ودشن مسيرته الشعرية بقصيدة انتمى فيها لتيار الشعر الحر الوليد، ولتأكيد انتمائه للشعر العروضي الكلاسيكي أيضاً، الذي يواكب ثورة التجديد، أهدى قصيدته العروضية «إطلالة الفجر» إلى الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي (١٩٠٩ – ١٩٣٩)، التي نظمها عام ١٩٨٤، وهي تؤكد انتماءه للتيار المستقبلي العربي، الذي ساد في الشعر والثقافة عموماً في مجمل الدول العربية، وننشر هنا قصيدة من الشعر الكلاسيكي وأخرى من الشعر الحر تمثلان منحاه الشعري المتنوع ومكامن لغته الشعرية.

نياجرا
هدير.. هدير
كأنه صوت الرعود
يجوب السماء
وتسبح أصداؤه في الفضاء
ويطلق (هيواثا) صيحته
تُحلق في السهل…
ثم تعود
نياجرا.. وصيحات حمر الهنود
تجوب المكان
فأنسى الزمان
أعيش مع الغاب
وتلك الشعوب
أعايشها كل أفراحها
أعايشها كل أتراحها
أعيش نهايتها المحزنة
ويبعدني عن خيالي هدير
هدير.. هدير
نياجرا يزمجر
يمزق ذاك السكون
بصوت مرير… مرير
كندا – أكتوبر ١٩٧٤م

إطلالة الفجر
إلى شاعر الحرية وعاشق الطبيعة: أبي القاسم الشابي (القاهرة ١٩٧٤)
إذا الليل طال على أمتي
رماها الزمان بفيض العلل
فلا الليل يبقى على حاله
ولا عاصف الغيم دوماً يظَل
ومن سار في الدرب يبغي الحياة
وهانت عليه الخطوب الجلل
وهانت عليه صعاب الحياة
فلا بد للمبتغي أن يصل
لقد كنت دهراً ضياء العقول
ومهد الرسالات منذ الأزل
ومن يغرس البذر في العاصفات
سيجني إذا ما الربيع أهل
ومن رام موتاً أتته الحياة
وكل امرئ سائر للأجل
ستبقين – أرضيَ – أرض الشروق
وأرض الرجاء وحلو الأمل
أعانق فيك ربيع الحياة
وأقطف منك جنيّ القُبل

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *