نقوش جبل الجساسية.. الصخور الصماء عندما تروي التاريخ

مايو 2019

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬دراسة‭ ‬آثار‭ ‬إنسان‭ ‬ما‭ ‬قبل‭  ‬التاريخ‭ ‬قاصرة‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬علماء‭ ‬الآثار،‭ ‬الذين‭ ‬يبذلون‭ ‬جهوداً‭ ‬مضنية‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬مراحل‭ ‬التطور‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬خلفه‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬مستوطنات‭ ‬ظلت‭ ‬مدفونة‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬لآلاف‭ ‬السنين،‭ ‬إنما‭ ‬أصبحت‭ ‬تدرس‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العلم‭ ‬والفن،‭ ‬ومعرفة‭ ‬مراحل‭ ‬تطور‭ ‬القدرات‭ ‬الإبداعية‭ ‬للعقل‭ ‬البشري‭ ‬والذكاء‭ ‬البشري‭ ‬الذي‭ ‬يميز‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬المخلوقات‭.‬

إسهام علماء الأنثروبولوجيا وتاريخ الفنون غيّر الكثير من المفاهيم والمصطلحات التي كانت تطلق في السابق على الكثير من الآثار الفنية لإنسان ما قبل التاريخ، فقد أقصوا من مؤلفاتهم ودراساتهم مصطلحات مثل الفنون البدائية Primitive Art وروجوا بدلاً عنها لمصطلح فن الكهوف Cave Art أو الفن العفوي Naive Art، فالاكتشافات الأثرية الحديثة في عدد كبير من الدول ساعدت كثيراً في إلقاء الضوء على قدرات إنسان ما قبل التاريخ الفنية العفوية، وفهم الوسائط التي استعملها في إبداعه، ويقسمها الدارسون إلى نوعين: النقوش والرسومات على الصخور الصماء، والنقوش والرسومات في الكهوف التي اتخذها الإنسان مأوى له ولا تزال حتى الآن سليمة لم تؤثر فيها عوادي الزمن.
ولعل خير مثال نضربه لهذين النوعين، من الإبداع البشري العفوي، النقوش الحجرية على جبل الجساسية، التي اكتشفت بدولة قطر عام ١٩٧٤م، ورسومات الكهوف في جزيرة سولاويسي الأندونيسية.
في عام ١٩٦١م، اكتشف فريق أثري دنماركي رسومات جبل الجساسية، وشُرع بدراستها بشكل أعمق وسجلت عام ١٩٧٤م، ويبلغ عدد النقوش المسجلة ٩٠٠ نقش، ويصور بعضها الحيوانات المختلفة من نعام وسلاحف وأسماك، وبعضها يصور قوارب بمجاديف أو من غير مجاديف، وأشكالاً هندسية بها رموز تضفي عليها قدراً من الغموض فيما يتعلق بالهدف منها.
يقع جبل الجساسية في الجزء الشمالي الغربي من قطر، على بعد ثلاثة أميال جنوب فويرط، وقد عثر على النقوش في الكثبان الرملية الأحفورية الواقعة بالقرب من الساحل.
وعلى الرغم من أنه توجد آثار لحياة ما قبل التاريخ والإنسان القديم في قطر، في رأس بروق وجزيرة بوغنام، إلا أن موقع جبل الجساسية هو الأكثر شمولاً، وجميعها تثبت أن شبه جزيرة قطر كانت مستقراً لمستوطنات بشرية دائمة ومؤقتة في الفترة ١١٠٠-١٢٠٠ قبل الميلاد، وبقايا المستوطنات التي وجدت، من فخار وآثار آبار مياه شرب، تبين أن مهنة صيد اللؤلؤ كانت معروفة في ذلك الزمن الغابر.
إن المزيد من الدراسات لأشكال القوارب والنقوش الـ ٩٠٠ ستلقي الضوء على طبيعة المجتمع الذي تشكل في ذلك العصر، والقيم الفنية والجمالية التي كانت سائدة في المجتمع.
اتخذ الإنسان في عصور ما قبل التاريخ من الكهوف ملاذاً يحميه من التغيرات المناخية ومن هجمات الأعداء والوحوش الضارية، وذلك قبل أن يتخلى عنها ويبني المستوطنات والمحميات والمنازل، ونظراً لعزلة هذه الكهوف والأجواء الباردة الجافة التي تسودها، لا يزال كثير منها يحتفظ بآثار الإنسان الأول، سواء فيما يتعلق بأنشطته اليومية أو أدواته الحجرية وأسلحته، بل وحتى بقايا الحيوانات التي كان يربيها أو يأكلها.
كان الإنسان الأول يزين كهوفه بالرسومات التي تعبر عن رؤيته الفنية وإحساسه بالحياة والطبيعة حوله، وكانت عملية التزيين تتم إما عن طريق حفر جدران الكهوف أو الرسم عليها بألوان وأصباغ ابتكرها من الصخور والنباتات.
تنتشر هذه الكهوف الآن في جميع أنحاء العالم، لكن أشهرها موجود في إسبانيا، وهو كهف التاميرا، الذي يرجع تاريخه إلى ١٥٫٠٠٠ سنة قبل الميلاد، وكهف لاسكو في فرنسا، الذي يرجع تاريخه كذلك إلى ١٥٫٠٠٠ سنة قبل الميلاد، وهي كهوف زاخرة بالرسومات الملونة التي حكى فيها الإنسان عن ملامح حياته والعالم المحيط به.
لكن الاكتشافات الحديثة في منطقة ريفية في جزيرة سولاويسي بأندونيسيا جعلت كهوفها الأشهر في العالم الآن، إذ إنها ترجع إلى حوالي ٤٠٫٠٠٠ سنة قبل الميلاد، كما أن لوحاتها الجدارية تثبت أن البشر في تلك المرحلة الباكرة من تاريخهم كانوا قادرين على إنتاج الفنون، والتفكير الإبداعي، وصناعة الألوان التي تعبر عن رؤيتهم الفنية، فقد رسم الفنانون تلك اللوحات من خلال وضع أيديهم على الألوان ثم ضغطها بقوة على أسقف وجدران الكهف لتشكل لوحة فنية جمالية متقنة.
تعد رسومات كهوف جزيرة سولاويسي الآن أقدم الرسومات الرمزية في العالم، وتبين بجلاء قدرة الإنسان على التفكير وإحساسه بالقيم الجمالية التي توجد في الحياة، وإذا كانت ٤٠٫٠٠٠ سنة تفصلنا عن حياة البشر في جزيرة سولاويسي، و١٥٫٠٠٠ سنة عن حياة البشر في فرنسا وإسبانيا، و١٢٠٠ سنة تفصلنا عن حياة البشر في شبه جزيرة قطر في الجساسية، فإن النقوش على الصخور الصماء والرسومات على الكهوف هي بمثابة حروف لكلمات تشكل قصصاً تروي حياتهم وأفكارهم، وفيها رسائل مهمة تنبض بالحياة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *