لمحات من أقوال الشعراء ونظمهم في الترحيب بالعيد

يونيو 2019

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

شكلت المناسبات الإسلامية مصدراً ومادة خصبة للشعراء، منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا، ولتفاوت الإحساس بها مظاهر عدة، ومع اختلاف الظروف والأحداث التي يمر بها الشاعر وتمر بها الأمة الإسلامية، يظهر تفاعل الشعراء مع الأعياد في أغراض شعرية متنوعة، ويغلب عليها شعر المناسبات، خصوصاً عندما يلقي الشعراء قصائدهم في حضرة الأمراء والحكام والسلاطين والملوك.
يقول الشاعر عمر بن أبي ربيعة (٦٤٤م – ٧١١م)، ولم يكن في قريش أشعر منه، مرحّباً بالعيد:
أمسى بأسماء هذا القلب معمودا
إذا أقول صحا يعتاده عيدا
كأنني يوم أمسي لا تكلمني
ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا
وكان الشعراء يستبشرون برؤية الهلال وظهوره في عيد الفطر، وفي ذلك يقول ابن الرومي (٨٣٦ – ٨٩٦م)، وهو شاعر من شعراء القرن الثالث الهجري في العصر العباسي:
ولما انقضى شهر الصيام بفضله
تجلى هلال العيد من جانب الغرب
كحاجب شيخ شاب من طول عمره
يشير لنا بالرمز للأكل والشرب
ونظم عبدالله بن المعتز (٨٦١ – ٩٠٨م)، وهو أحد خلفاء الدولة العباسية، وكان أديباً وشاعراً، بيتين في وصف الهلال، ويعدّا من أجمل الأبيات في وصف الطبيعة، قال:
أهلا بفطر قد أضاء هلاله
فالآن فاغْدُ على الصحاب وبكر
وانظر إليه كزورق من فضة
قد أثقلته حمولة من عنبر
وتعد بعض تهاني الشعراء بمناسبة العيد من درر الشعر العربي، وأشهرها رائية البحتري (٨٢٠ – ٨٩٧م)، التي يهنئ فيها الخليفة المتوكل بصومه وعيده، ويصف فيها خروجه للصلاة، ويقول فيها:
بِالبِرّ صُمْتَ، وأنتَ أفضَلُ صَائِم
وَبسُنّةِ الله الرّضِيّةِ تُفْطِرُ
فَانْعَمْ بِيَوْمِ الفِطْرِ عَيْناً، إنّهُ
يَوْمٌ أغَرُّ مِنَ الزّمَانِ مُشَهَّرُ
وللمتنبي مع العيد صولات وجولات، خاصة مع سيف الدولة الذي عاش في بلاطه أجمل سنوات عمره، فقال مرة يهنئه عند انتهاء شهر رمضان وحلول العيد:
الصوم والفطر والأعياد والعصر
منيرة بك حتى الشمس والقمر
وقال في أبيات أخرى:
هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده
وعيد لمن سمى وضحى وعيّدا
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى
كما كنت فيهم أوحداً كان أوحدا
هو الجد حتى تفضل العين أختها
وحتى يكون اليوم لليوم سيّدا
وبعد زوال الدولة الأندلسية، لم يعد للعيد طعمه ورونقه، وهاهو المعتمد بن عباد (١٠٤٠ – ١٠٩٥م)، ثالث وآخر ملوك بني عباد في الأندلس، يشكو زوال حكمه، فقال مخاطباً نفسه وهو يرى بناته جائعات حافيات في يوم العيد:
فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورا
وكان عيدك باللذات معمورا
وكنت تحسب أن العيد مسعدة
فجاءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
في لبسهن رأيت الفقر مسطورا
معاشهن بعيد العز ممتهن
يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
أفطرت في العيد لا عادت إساءته
ولست يا عيد مني اليوم معذورا
وكنت تحسب أن الفطر مبتهج
فعاد فطرك للأكباد تفطيرا
وباب شعر العيد إن جازت التسمية واسع وثري في الشعر العربي المعاصر، لكن خير من يمثله الشاعر والدبلوماسي والكاتب السوري عمر أبو ريشة (١٩١٠ – ١٩٩٠)، إذ يستقبل العيد مذكراً الأمة العربية بقضية القدس:
يا عيد ما افتر ثغر المجد يا عيد
فكيف تلقاك بالبشر الزغاريد
يا عيد كم في روابي القدس من كبد
لها على الرفرف العلوي تعييد
سينجلي ليلنا عن فجر معترك
ونحن في فمه المشبوب تغريد
أما الشاعرة والكاتبة الفلسطينية فدوى طوقان (١٩١٧ – ٢٠٠٣)، فلم تنس نكبة فلسطين وعذابات الشعب الفلسطيني عندما جاء العيد، واتخذت من المرأة الفلسطينية رمزاً لوطنها الأم فلسطين، قائلة:
أختاه هذا العيد رف سناه في روح الوجود
وأشاع في قلب الوجود بشاشة الفجر السعيد
وأراك ما بين الخيام قبعت تمثالاً شقيا
متهالكاً يطوي وراء جموده ألماً عتيّا
يرنو إلى اللاشيء منسرحاً مع الأفق البعيد
وتقول في مقطع آخر:
أختاه ما لك إن نظرت إلى جموع العابرين
ولمحت أسراب الصبايا من بنات المترفين
من كل راقصة الخطى كادت بنشوتها تطير
والعيد يضحك في محياها ويلتمع السرور
أطرقت واجمة كأنك صورة الألم الدفين
إن الأعياد، بجانب إشاعتها جو الفرحة والبهجة، تثير في النفوس المشاعر القومية، وتبعث فيها روح الفخر والمجد.
وكتب جبران خليل جبران (١٨٨٣-١٩٣١)، وهو أحد شعراء المهجر المرموقين، أبياتاً جميلة عندما رأى الهلال يسطع بنوره في العيد:
هلّ الهلال فحيوا طالع العيدِ
حيوا البشير بتحقيق المواعيدِ
يا أيها الرمز تستجلى العقول به
لحكمة الله معنى غير محدود
كأن حسنك هذا وهو رائعنا
حسن لبكر من الأقمار مولود
لله في الخلق آيات وأعجبها
تجديد روعتها في كل تجديد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *