بأية حال عدت يا عيد؟.. سؤال يردده ملايين البشر في الماضي والحاضر والمستقبل

يونيو 2019

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

عندما تأزمت الأمور بين الشاعر العباسي أبي الطيب المتنبي وحاكم مصر كافور الإخشيدي، قرر العودة مرة أخرى إلى الكوفة في العراق، وفي ليلة من ليالي عام ٩٦٠م، والناس في الفسطاط يتجمهرون وينظمون الاستعراضات احتفالاً بقدوم عيد الأضحى، تسلل المتنبي تتقدمه الإبل المحملة بالزاد والأمتعة وأسرع في السير، فاجتاز برزخ السويس وأوغل في صحراء شمال سيناء، وعندما انتبه كافور إلى هروبه أرسل خلفه جنوده، فلم يستطيعوا اللحاق به، وعندما عرف المتنبي أنه في مأمن، بعث مع رسول بقصيدة وداع لكافور، وجاء في الأثر أن كافوراً، لمعرفته بقدرة المتنبي على الهجاء المقذع، لم يقرأ القصيدة، إنما أمر بحرقها.

وبالفعل، كانت القصيدة قصيدة وداع وهجاء، وبكاء على أطلال مجد غابر، وسؤال عن المصير الذي يخفيه المستقبل، وصارت من أشهر القصائد في الشعر العربي، يتذكرها الناس كلما هل هلال عيد من الأعياد، يستفسرونه عما يخبىء لهم المستقبل، ويقول المتنبي في مطلعها:
عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ
أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ
فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ
لَوْلا العُلى لم تجُبْ بي ما أجوبُ بهَا
وَجْنَاءُ حَرْفٌ وَلا جَرْداءُ قَيْدودُ
والأعياد عندما نحتكم إلى تصنيفها لغة وموضوعاً، نجد أن سؤال المتبني كان يردده ملايين البشر منذ فجر الإنسانية، ويرددونه في العصر الحديث عشية احتفالهم بأعيادهم، وسوف يرددونه في المستقبل.
يقول ابن منظور صاحب لسان العرب في معنى العيد: «كل يوم فيه جمع، واشتقاقه من عاد يعود، كأنهم عادوا إليه، وعيّد المسلمون أي شهدوا عيدهم»، ويعزز قوله معجم الرائد، وهو معجم عصري، وورد فيه: «عيد جمعه أعياد، وهو كل يوم يحتفل فيه بتذكار أحد الصالحين أو أحد الأبطال، أو حدث وطني أو حادثة مهمة، مثل عيد الاستقلال، عيد الأضحى، عيد الميلاد».
ومثل هذه المناسبات لا تعد ولا تحصى في حياة البشر على اختلاف حضاراتهم وثقافاتهم، لكن علماء الأنثروبولوجيا يرجعونها إلى تاريخ موغل في القدم، إذ إن غريزة التجمهر من أجل الحرب أو السلم أو الحصاد هي غريزة طبيعية، ولا تزال سائدة عند بني البشر حتى الآن في جميع المجتمعات.
وإذا فتحنا كتاب التاريخ الإنساني، وتتبعنا نظم ونوعية الأعياد والمهرجانات والاحتفالات، وجدنا أنها كانت تتصف بالديمومة وتنظم على مدار السنة، وأنها كانت ذات طابع ديني طقسي وبيئي، ففي حضارة المايا التي سادت في أمريكا الجنوبية (٢٠٠٠ ق. م – ٢٥٠م)، في موقع المكسيك وهندوراس وغواتيمالا الحالية، كان لكل يوم في السنة أهمية دينية خاصة، وتكمن أهميته في الزراعة والاحتفالات العامة والفن والثقافة، وله صلة بتعدد الآلهة، وهذا يعني أن كل حياتهم كانت أعياداً، والأمر نفسه انطبق على حضارة ما بين النهرين دجلة والفرات، ففي حضارات سومر وأكد وبابل وأشور (٤٠٠٠ق. م – ١٠٠٠ق. م) كانت الاحتفالات في كل شهر من أشهر السنة، مثل احتفال إطالة وجه القمر، وبداية الدورة الزراعية السنوية، ونجاح الملك المتوج، والمناسبات التاريخية مثل الانتصارات العسكرية.
وكان الفراعنة في مصر الفرعونية (٤٠٠٠ق.م) من أكثر الشعوب اهتماماً بالاحتفالات والمناسبات الدينية، فبجانب اهتمامهم بفيضان نهر النيل، الذي كانوا يقدمون له القرابين وينظمون الاستعراضات، كان من أشهر أيامهم يوم الزينة، الذي كانوا يتزينون ويتجملون فيه.
أما الشعوب والقبائل والمجتمعات في آسيا وأفريقيا فتعد من أكثر الشعوب اهتماماً بالأعياد والاستعراضات، وكثير من مناسباتها واحتفالاتها في العصر الحديث ترجع أصولها إلى تاريخ موغل في القدم، فجمهورية الهند التي يتجاوز عدد سكانها المليار نسمة، وتتنوع دياناتهم وثقافاتهم بين الهندوسية والإسلام والمسيحية والبوذية والسيخية، لديها من الاحتفالات ما لا يعد ولا يحصى، لكن أصبح من المتعارف عليه أن هناك عشرة أعياد يحتفل بها جميع السكان، لأنها أصبحت إرثاً ثقافياً مشتركاً، وأهمها عيد الديوالي «الديفالي»، أو عيد الأضواء كما يسمى، ثم عيد الهولي، وهو عيد بداية الربيع.
وتتميز احتفالات تنصيب الملوك في اليابان وتايلاند وبروناي بالثراء الفني والبذخ، ويشارك فيها كل الشعب، وهي متوارثة منذ القدم، ولا يقل عنها أهمية احتفالات تنصيب الملوك في أفريقيا الحديثة «ما بعد الاستعمار»، إذ لا تزال قبيلة الشلك، وهي إحدى أكبر القبائل في جمهورية جنوب السودان، تحتفل حتى الآن بتنصيب ملكها الذي يدعى الرث، ويحتفل كذلك عند وفاة الملك وتنصيب ملك جديد، ويرجع تاريخ الاحتفالات إلى حوالي ١٥٠٠ سنة، وحتى الآن ينصب ملوك غانا وسوازيلاند، وملوك الزولو في جنوب أفريقيا، في أجواء احتفالية خاصة، وهي بمثابة أعياد لجميع الأمة.
أما العرب فكان لهم ثلاثة أعياد شهيرة في الجاهلية، وهي عكاظ وذي المجاز ومجنة، وكانت تقام على هامش الحج، وكانوا يلعبون فيها ويفخرون، وكانت عكاظ سوقاً تجارية واقتصادية واجتماعية، بل وأدبية، فقد كانت تنصب فيها خيمة حمراء لأشهر شعراء ذلك العصر، وهو النابغة الذبياني، فيأتي إليه الشعراء ويصدحون أمامه بأشعارهم ليحكم على جودتها.
وشرف الرسول صلى الله عليه وسلم سوق عكاظ في بداية الدعوة الإسلامية ليعرض دعوته على القبائل، التي كانت تجتمع عشرين يوماً هناك.
وكان الجاهليون أيضاً يحتفلون بأعياد جيرانهم، مثل عيد النيروز، لكن هذه الأعياد زالت عن الوجود بانتشار الإسلام وغلبة الدعوة الإسلامية في الأمصار، وصار لسائر المسلمين أعيادهم، وهي عيد الفطر وعيد الأضحى، وشرعت لحكم سامية ولمقاصد عالية، فالعيد شرع لشكر الله تعالى على نعمه التي أنعم بها على الناس، وهو فرصة للفرح ولتقوية الروابط الاجتماعية وللترويح عن النفس من هموم الحياة.
ومثلما يوجد للمسلمين أعيادهم فإن للنصارى أعيادهم، وأهمها عيد الميلاد، وعيد رأس السنة الميلادية، وعيد الفصح، وعيد الجمعة العظيمة.
ولما انتبهت منظمة الأمم المتحدة، والمنظمات التي تدور في فلكها، مثل المنظمة الدولية للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، والمنظمة الدولية للفن الشعبي، إلى أن الأعياد والمناسبات والاحتفالات وكل التجمعات البشرية تجمع بينها خصائص مشتركة تؤكد توافق وتحالف الحضارات والثقافات الإنسانية، خصصت أياماً عالميةً أو دولية لمواضيع محددة لجلب الانتباه إليها، وعلى كل دولة أن تحتفي بهذه المناسبات وفق تصوراتها الخاصة، ويبلغ عددها ١٦٤ يوماً أو عيداً عالمياً إن صح التعبير، نذكر منها اليوم العالمي للأسرة (أول يناير)، واليوم الدولي للمرأة (٨ مارس)، واليوم الدولي للشعر (٢١ مارس)، ويوم التراث العالمي (١٨ أبريل)، واليوم العالمي لحرية الصحافة (٣ مايو)، واليوم العالمي للبيئة (٥ يونيو)، واليوم العالمي للشباب (١٢ أغسطس)، واليوم العالمي للسلام (٢١ سبتمبر)، واليوم العالمي لحقوق الإنسان (١٠ ديسمبر)، واليوم العالمي للغة العربية (١٨ ديسمبر).
إن الأعياد والمهرجانات والاحتفالات، مهما كان نوعها، تتجدد بها الحياة في كثير من الأحيان، وبما أن أي ثقافة بشرية لا تكاد تخلو من عدة محاور، أهمها الفنون القولية «الشفاهية» وفنون الأداء الحركي «الموسيقى والرقص» والفنون التشكيلية، فإن هذه المحاور تلعب دوراً أساسياً في تنظيم وإثراء الاحتفالات والأعياد، لكنها في كل مجتمع تختلف من ناحية الشكل والمضمون، وهي في مجملها تجعل حياة البشر على مدار العام مسرحاً للإبداع المتجدد، وتجيب عن سؤال المتنبي في بيت شعره الخالد، الذي كتب له أن يدوم ما دامت الأعياد تتجدد كل يوم في حياة البشر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *