ماذا يريد الشاعر عندما يتمرد على بحور الشعر المتوارثة؟

يوليو 2019

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

الشعر والنثر هما الرافدان الأساسيان اللذان يصبان في نهر الأدب العربي العريض، وقد تعرضا لعدة عوامل تحديث وتغيير وتطوير، منها عوامل خارجية، كما في النثر، الذي تعد بعض فنونه وافدة على اللغة العربية، أما الشعر فإن عملية التحديث والتطوير حدثت لعوامل داخلية قام بها الشعراء أنفسهم.

استوى عود الشعر في العصر الجاهلي شكلاً وموضوعاً، لكن الشعراء في العصرين الأموي والعباسي تمردوا على مواضيع الشعر وطول القصيدة، ثم جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي ووضع منهجاً وعلماً لنظم الشعر هو السائد منذ العصر العباسي حتى الآن، ويهتدي به الشعراء في نظم وتجويد شعرهم، ويدرّس على أساسه الشعر كجنس أدبي في مؤسسات التعليم العالي في العالم العربي.
وقبل أن ندلف إلى أجواء التمرد على بحور الخليل، التي ينتهجها الشعراء في العصر الحديث، من المهم أن نعرف الجهد الأدبي والبحث الذي بذله الخليل بن أحمد الفراهيدي في وضع علم العروض.
كان الخليل بن أحمد الفراهيدي عالماً لغوياً عبقرياً نادر المثال (٧١٨م – ٧٨٦م)، وكان عالماً بالأدب ومترجماً وشاعراً وباحثاً دؤوباً، ويبين غزارة علمه وعبقريته الأسلوب الذي وضع به علم العروض.
فكرة علم العروض طرأت بباله عندما كان يسير بسوق الصفارين، فقد كان لصوت دقدقة مطارقهم على الأواني نغم مميز، ثم أخذ يتدلى داخل البئر في ساحة منزله ويبدأ بإصدار الأصوات بنغمات مختلفة ليستطيع تحديد النغم المناسب لكل قصيدة، وعكف على قراءة أشعار العرب على مر الأزمنة والعصور، ثم تعلم الموسيقى والإيقاع، وبعد ذلك بدأ بترتيب هذه الأشعار حسب أنغامها، وجمع كل مجموعة متشابهة منها في سياق واحد أسماه بحراً، وتمكن بذلك من ضبط أوزان خمسة عشر بحراً يقوم عليها نظم الشعر، وهي المعتمدة في الهيئات الأكاديمية المختلفة في تدريس الشعر العربي، ويقتدي بها الشعراء في نظم أشعارهم منذ العصر العباسي حتى الآن كما ذكرنا.
إن التغير والتطور سنة الحياة الدنيا، وجاء زمن قرر فيه الشعراء التمرد على التقاليد الشعرية الكلاسيكية المتوارثة، سواء في شكل القصيدة أو مضمونها، متجاوزين بذلك بحور الفراهيدي، وجاء التمرد والرغبة في التطور على يدي نازك الملائكة (١٩٢٣ – ٢٠٠٧م)، التي ابتدعت مع زميلها بدر شاكر السياب (١٩٢٦-١٩٦٤م) ما يسمى «الشعر الحر»، أو الشعر الحديث، أو شعر التفعيلة الواحدة، الذي يتكون من شطر واحد فقط وليس له عجز، ويتحرر من القافية والشكل، ولا يلتزم بتطبيق القواعد العروضية.
وقبل أن يستوي هذا الشعر ويفرض هيمنته تماماً على الساحة الشعرية في العالم العربي، ظهر تيار شعري جديد فاقه تمرداً على بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو الشعر المنثور، وهو شعر هجين بين الشعر والنثر، وليس له قافية أو بحر واحد في نهايته، إنما يمتاز بانفتاحه على الشعر والسرد والنثر الفني، ويتسم بافتقاره للبنية الصوتية الكمية ذات التنظيم، إلا أن له إيقاعاً داخلياً منفرداً.
بدايات هذا الشعر كانت عام ١٩٥٤م، عندما نشر الشاعر الفلسطيني توفيق الصايغ (١٩٢٣-١٩٧١م) مجموعة شعرية تحت مسمى «ثلاثون قصيدة»، وشايعه في ذلك عدد كبير من الشعراء، أبرزهم اللبناني أنسي الحاج (١٩٣٧ – ٢٠١٤)، والسوري محمد الماغوط (١٩٣٤ – ٢٠٠٦).
ويزعم دعاة قصيدة النثر أن لها إيقاعها الخاص وموسيقاها الداخلية التي تعتمد على الألفاظ وتتابعها، ويقول أنسي الحاج إنها قصيدة من خصائصها الإيجاز، والتوهج، والمجانية، كما يزعم دعاتها أن إيقاعها يفوق إيقاع القصيدة التقليدية القائمة على الوزن والقافية.
ومنذ ظهورها كان هناك خلاف كبير بين النقاد حول تصنيفها، فيرى بعضهم أنها جنس أدبي متفرد وليست شعراً، ويراها آخرون امتداداً للشعر الحر، لكن قراءة متأنية لتاريخ الشعر العربي تعلمنا أن هذا النمط الشعري له جذور في تاريخ الشعر العربي، فهو أقرب إلى الرجز الذي كان سائداً في العصر الجاهلي قبل الشعر، وجاء في الأثر أن المهلهل وامرأ القيس كانا راجزين، أي ينظمان الرجز، وهو نمط شعر شعبي كل شطر فيه يسمى بيتاً، ثم انتقلا لكتابة الشعر، الذي يتكون فيه البيت من شطرين، وقد لقى الرجز عناية خاصة في العصر الأموي، وأصبحت الأراجيز تؤلف من أجل غايات تعليمية ولغوية.
تأثر دعاة التجديد والتمرد على إرث الخليل الفراهيدي بالآداب الأجنبية، إذ إن الكثرة الغالبة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *