العمارة التقليدية في قطر لمحمد جاسم الخليفي.. العمود الفقري لموسوعته العلمية المتخصصة

يوليو 2019

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

تتفنن شعوب العالم في بناء منازلها التقليدية وتزيينها وتجميلها، وتلعب الظروف المناخية والجغرافية دوراً أصيلاً في ذلك، كما أن الهوية الوطنية تفرض نفسها بقوة، ففي أفريقيا يبني السكان منازلهم من الطين اللبن على شكل دائري، مع سقف مخروطي من القش يتغير كل عام قبل هطول الأمطار الموسمية الغزيرة، ويبني سكان الجزر الآسيوية منازلهم على أعمدة من البامبو المفروز على شا طئ النهر، ويبني سكان الأهواز في العراق منازلهم من القش، وحتى في أوروبا لا يزال المزارعون في الأرياف في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا يفضلون بناء منازلهم بالحصى والطين والحجارة لبرودتها في الصيف ودفئها في الشتاء، وفي دول الخليج قاطبة لا تزال مواد البناء مثل الحصى والطين وسعف النخيل قيد الاستعمال، وقد استعملت في توسعة وبناء مرافق جديدة في أشهر معلم سياحي في قطر، وهو سوق واقف.
وبالمواد هذه نفسها، بالإضافة إلى الصخور، يبني اليمنيون منازل تتكون من عدة طوابق في غاية المتانة، وتقاربها في الجمال القلاع والجوامع في تومبكتو في مالي، التي يظن المرء عندما يراها أنها بنيت من الإسمنت المسلح بأيدي أشهر المعماريين.
لكن العمارة التقليدية أصبحت الآن في خطر محيق، فبجانب استعمال بعض مواد البناء الحديثة في بنائها، طالتها يد الثورة العلمية التكنولوجية بإضافة أجهزة التبريد أو تسخين المياه أو تمديدات الكهرباء، وكثيراً ما يلاحظ أن لواقط البث الهوائي وصحون استقبال إرسال الأقمار الصناعية تعلو أسقف المنازل التقليدية، لهذا أدرجتها منظمة اليونسكو في اتفاقية حماية التراث الثقافي والطبيعي التي وضعت عام ١٩٧٢م، ووقعت عليها دولة قطر عام ١٩٨٤م، ونصت المادة الأولى من الاتفاقية على أن «التراث الثقافي لأغراض الاتفاقية يعني الآثار والأعمال المعمارية، وأعمال النحت والتصوير على المباني، والعناصر أو التكاوين ذات الصفة الأثرية، والنقوش والكهوف، ومجموعة المعالم التي لها جميعاً قيمة استثنائية من وجهة نظر التاريخ أو الفن أو العلم».
وكانت الاتفاقية بمثابة إعلان حملة دولية للاهتمام بالعمارة التقليدية، التي اختارها بعض علماء الآثار مجالاً لأبحاثهم ودراساتهم ونشاطهم العلمي، ومن أبرزهم عالم الآثار القطري محمد جاسم الخليفي (١٩٥٧- ٢٠١٦م).
حصل محمد جاسم الخليفي على البكالوريوس في الآثار والفنون الإسلامية عام ١٩٧٧م، وانضم في العام نفسه إلى هيئة المتاحف والآثار، وتدرج في عدة مناصب إدارية ثقافية، إلى أن أصبح عضواً في مجلس إدارة المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث (٢٠٠٢)، وأشرف على أعمال الترميم التي قامت بها إدارة المتاحف والآثار عندما كان مديراً لها (١٩٩٤م)، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً حقيقياً في البحث عن الآثار بدولة قطر، وكان له القدح المعلى، فقد أثرى الصحف والمجلات المحلية والخليجية والعربية بمقالاته التي تتعلق بالآثار والمتاحف والترميم والتنقيب والعمارة التقليدية، وتوجت جهوده بالفوز بالجائزة الأولى للتأليف المعماري في منظمة العواصم والمدن الإسلامية عام ١٩٩٣م عن كتابه «العمارة التقليدية في قطر»، ودرع منظمة العواصم والمدن الإسلامية، ونظراً لنشاطه الجم في مجال البحث العلمي في مجال الآثار والفنون، أصبح عضواً في جمعية الآثار والتاريخ بدول مجلس التعاون (١٩٩٩)، وعضواً في اللجنة الفنية لجائزة منظمة المدن العربية للدورات الرابعة والسادسة والسابعة.
توج محمد جاسم الخليفي كل هذا النشاط العلمي الجم بعدة مؤلفات تعد علامة فارقة في تاريخ البحث العلمي في قطر بشكل عام، وفي مجال الآثار بشكل خاص، وتشمل في مجملها موسوعة مصغرة متخصصة، وهي كما يلي:
١- المواقع الآثارية، التراث المعماري، المتاحف في قطر، صدر عام ٢٠٠٣م.
٢- هندسة بناء القصر القديم، ٢٠٠٣م.
٣- العمارة التقليدية في قطر، ١٩٩٣.
٤- أصالة العمارة التقليدية في منطقة الخليج العربي.
ونظراً لأهمية كتابه «العمارة التقليدية في قطر» العلمية، ترجم إلى اللغة الإنجليزية، ويحتوي الكتاب على عدد كبير من الصور الفوتوغرافية التي تبين أنماط العمارة التقليدية في قطر وأشكال الزخارف الجصية التي تزين العمارة التقليدية، وبالمقاييس العلمية يغطي الكتاب الجوانب النظرية والعملية، وهو نتاج بحث ميداني دؤوب.
يتكون الكتاب من تسعة أبواب، وزوده المؤلف بثبت للمصطلحات المستعملة في العمارة العربية الإسلامية، والمصطلحات المعمارية والزخرفية، بجانب قائمة المراجع العربية والأجنبية، والكتاب من الحجم الكبير، ويتكون من ٢٥٥ صفحة.
عالج محمد جاسم الخليفي في موسوعته المصغرة كل ما له علاقة بالعمارة التقليدية، مثل المفاهيم والبحث والترميم والخصائص المعمارية والزخرفية، ودعم كل كتبه بعدد كبير من الصور الملونة، التي لعبت دوراً مهماً مع الكلمة في تحقيق رؤية المؤلف ومنهجه في دراسة العمارة التقليدية في قطر ودول الخليج.
إن كتاب العمارة التقليدية في قطر هو بالفعل توثيق متكامل وتحليل للتراث المعماري القطري، وأعد ليكون مرجعاً ليس فقط للدارسين من علماء التاريخ والآثار، بل وللإفادة منه في تطوير مناهج الدراسات المعمارية في الجامعات العربية، كما أنه يعد مثالاً يحتذى في ترجمة أفكار اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، فهو يدرس العمارة التقليدية في قطر من منظور الفهم التاريخي، ومن منظور أهميتها للعلم والفن وتأصيل دور الزخرفة العربية الإسلامية التي تستحق المزيد من البحث والدراسة.
توفي محمد جاسم الخليفي في عمر مبكر عام ٢٠١٦م، لكن التراث العلمي الذي تركه، سواء بمؤلفاته أو بنشاطه العلمي الوافر، مهد الطريق لمستقبل زاهر لعلم الآثار في قطر.
إن الدراسات التفصيلية المتخصصة التي أثبتها المرحوم محمد جاسم الخليفي تؤكد العمق التاريخي للعمارة التقليدية، وستساعد كثيراً في استلهام تقنيات البناء والزخارف في أبنية حديثة تعطي المدن العربية طابعاً عربياً إسلامياً مميزاً.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *