مؤلفات الرحالة العرب والمسلمين عن ارتياد الآفاق رحلة البيروني إلى الهند نموذجاً

أغسطس 2019

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

تحتل مؤلفات الرحالة العرب والمسلمين عن أسفارهم الاستكشافية ركناً مهماً في مكتبة التراث الجغرافي العالمي، فقد سطر الرحالة العرب زياراتهم لبلاد الله الواسعة منذ القدم، ولعبوا دوراً مهماً في الاستكشافات الجغرافية ووضع خرائط العالم الأولى، بل وتسمية كثير من الأماكن الجغرافية التي تغير كثير منها الآن، لكننا نستطيع العثور عليها في كتب التراث ومؤلفات الرحالة، مثل (بحر القلزم) الذي كان يطلق على البحر الأحمر، و(بحر الظلمات) أو (البحر المحيط) على المحيط الأطلسي، و(بحر الروم) على البحر الأبيض المتوسط، و(سرنديب) و(سيلان) على سريلانكا، و(بلاد الواق واق) على جزيرة سومطرة.

وأقدم الرحلات العربية التي جاء ذكرها في كتب التراث هي رحلة السيرافي بحراً إلى الهند في القرن الثالث الهجري، ورحلة سلام الترجمان إلى حصون جبال القوقاز عام ٢٢٧هـ، بتكليف من الخليفة العباسي الواثق بالله للبحث عن سد يأجوج ومأجوج.
وبما أن التجارة كانت النشاط الرئيسي للدول العربية مع جيرانها في مختلف العصور، فقد كثرت مغامرات التجار العرب وارتادوا الآفاق ومجاهل الغابات في آسيا وأفريقيا، ووصلوا إلى أماكن وأصقاع لم تطأها أرجل بشر قبلهم، ورصدوا وسجلوا كل ما رأوه وعرفوه في كتابات ووثائق وصلتنا سليمة حتى الآن، ولعل أهمها كتب الرحالة الذين زاروا شبه جزيرة الهند، والتي كانت الرحلات إليها محفوفة بالأخطار، فقد كانت أهم مركز لتجارة البهارات والذهب واللؤلؤ حتى القرن الثامن عشر، بجانب قلة معرفة الناس بمسالكها ودروبها، وأهمها الكتب التالية:
١- كتاب «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، لمؤلفه أبو عبدالله محمد المقدسي (ولد في القدس عام ٩٤٧م)، احترف التجارة فكثرت أسفاره، وبدأ رحلته عام ٩٦٦م وانتهى منها عام ٩٨٥م، وزار بلداناً كثيرة من بينها الهند.
٢- كتاب «المسالك والممالك» لمؤلفه أبو القاسم محمد بن حوقل (توفي عام ٩٧٧م)، كاتب ورحالة عربي قضى آخر ٣٠ عاماً من حياته في التجوال سطرها في هذا الكتاب، وهو الجغرافي الذي رسم أول صورة للأرض.
٣- كتاب «مروج الذهب ومعادن الجوهر» لمؤلفه أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (٨٩٦م-٩٥٧م)، عالم فلكي جغرافي ورحالة رصد رحلاته في هذا الكتاب.
٤- كتاب «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» لمؤلفه محمد بن عبدالله اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة (١٣٠٤م-١٣٧٧م)، رحالة ومؤرخ وقاض، قضى ٢٧ عاماً يتجول حول العالم ورصد رحلاته في هذا الكتاب.
٥- كتب ومراجع ملاحية للملاح والجغرافي العربي أحمد بن ماجد (٨٢١هـ-٩٠٦هـ)، كان خبيراً بالبحار، خصوصاً بحر الهند، والمحيط الهندي، والبحر الأحمر، وأرسى قواعد الملاحة واكتشف البوصلة، وهو الذي قاد الملاح البرتغالي فاسكو دي جاما لاكتشاف رأس الرجاء الصالح الموصل إلى الهند.
وتمثل هذه الكتابات العابرة لهؤلاء الرحالة عن الهند جزءاً من كتبهم العامرة بالمعلومات عن بلدان العالم، ولم يتمكن هؤلاء الرحالة، بسبب رحلاتهم الكثيرة إلى بلاد أخرى، من الإقامة بصورة دائمة في الهند، أو البقاء لفترة كبيرة لدراسة أحوالها المناخية والسكانية، الأمر الذي تمكن منه الرحالة والعالم الفذ أبو الريحان البيروني، الذي أقام فيها أربعة عقود، وألف فيها كتاباً يعد أهم ما أنتجه علماء الإسلام في ميدان معرفة الأمم.
والبيروني هو أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني (٩٧٣م-١٠٤٨م)، ولم يكن في الأصل رحالة، بل كان فلكياً وجغرافياً وجيولوجياً ومترجماً، ووصف بأنه من أعظم العقول التي عرفتها الثقافة الإسلامية، وهو أول من قال إن الأرض تدور حول محورها، وصنف كتباً تربو على المائة والعشرين، وكان متعدد الثقافات ويجيد عدة لغات إلى جانب العربية كالفارسية والسريانية واليونانية والسنسكريتية.
رافق البيروني السلطان الغزنوي في غزواته للهند ثلاث عشرة مرة، ثم ذهب وأقام فيها لمدة أربعين عاماً، مما أتاح له الإحاطة بعلوم الهند وقراءة أسفارها ومخالطة علمائها، وألف كتاباً أسماه «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة»، وفرغ من تأليفه بعد عام ونصف العام من وفاة السلطان الغزنوي، وجاء مختلفاً عن بقية كتب الرحالة العرب الذين زاروا الهند، فهو وثيقة تاريخية مهمة تجاوزت المعلومات الجغرافية والتاريخية وسعت إلى دراسة ثقافات ومجتمعات الهند قديماً ممثلة في لغاتها وعقائدها وعاداتها، مع عناية خاصة باللغة السنسكريتية التي تناولها بالتحليل وقارن بينها وبين اللغة العربية.
يبلغ عدد أبواب الكتاب ثمانين باباً، وعدد صفحاته ٣٢٨ صفحة من القطع الكبير.
كان البيروني معروفاً لدى الأوروبيين بإسهاماته الفذة في مجال العلوم الطبيعية، ولكن لم يكن معروفاً كرحالة، وأول من نبه إليه هو المستشرق نيكولاس دي فانيكوف عام (١٨٦٦م)، وتلاه الألماني ساخاو الذي ترجم إلى الألمانية كتاباً آخر للبيروني هو «الآثار الباقية» عام (١٨٧٩م)، وبعد عام صدر في لندن ترجمة للكتاب باللغة الإنجليزية، واشتهر في أوروبا بعنوان «تاريخ الهند»، وتوالى بعد ذلك الاهتمام بكتابات البيروني ورحلته التاريخية للهند، إذ تأسست عام ١٩١٣م لجنة للبحث عن مؤلفات البيروني، وتُرجم كتابه إلى اللغة الروسية ونُشر في طشقند عام ١٩٦٣م ضمن المجموعة الكاملة من مؤلفاته، وأعيد طبع كتابه في حيدر آباد في الهند عام ١٩٥٨م، لكن أقدم نسخة له محفوظة في المكتبة الأهلية في باريس.
تُجمع آراء الباحثين في أدب الرحلة على أن كتاب البيروني عن رحلته إلى الهند يبين مستوى علماء المسلمين في تلك الفترة عند دراستهم للمجتمعات، وأن الكتاب كتب بلغة علمية ومنهج متكامل، وأن من يقرأه كأنه يقرأ لواحد من علماء العصر الحديث، كما يعد البيروني مؤسس علم الدراسات الهندية في التراث العربي لوصفه الهند في القرن الحادي عشر، ويعد كتابه قراءة مهمة ومتفحصة للحضارة الهندية القديمة بشتى مستوياتها.
ولمجمل إسهاماته في مجال العلوم الطبيعية والإنسانية، يعد البيروني من أعظم العقول النيّرة التي عرفها التاريخ، فبعد غزو الفضاء ونزول أول سفينة فضاء على سطح القمر، اختير اسمه ليكون ضمن أسماء ١١٨ عالماً سميت باسمهم معالم وأماكن على سطح القمر تقديراً لإنجازاتهم العلمية.
وأطلقت بلده الأم أوزبكستان اسمه على إحدى جامعاتها بطشقند، أما جمهورية الهند التي خلدها في التاريخ وأرخ لحضارتها فقد احتفت عام ١٩٥١م بمناسبة مرور ألف سنة على مولده، وأصدرت مجلداً تذكارياً حوى عشرات المقالات من مؤلفاته التي تُبرز إسهاماته في إثراء الثقافة العالمية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *