طاغور عاشق الطبيعة.. متعدد المواهب وأغزر أدباء العصر إنتاجاً

أغسطس 2019

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

تضافرت عدة عوامل جغرافية وتاريخية وديموغرافية لتجعل من جمهورية الهند دولة فريدة من نوعها، إذ يتعايش على أرضها في سلام أصحاب الديانات البوذية والهندوسية والسيخية والإسلامية والمسيحية، ويبلغ عدد سكانها تقريباً حوالي ١٫٤ مليار نسمة يتحدثون ١٦٥٢ لهجة، وتتمازج ثقافاتهم في توافق إنساني جعل الهند، وبإجماع خبراء الأمم المتحدة، أسرع الدول نمواً في العالم، وتبرز كإحدى الدول الصناعية الكبرى في العالم.

تضرب جذور الحضارة الهندية في أعماق التاريخ، وتعتبر حضارة وادي السند، التي ازدهرت قبل نحو ٤٥٠٠ عام، البداية الحقيقية لإنجازات الهند وتأصيل دورها في إثراء الثقافة الإنسانية، وتمهيد الطريق لإنجازات حضارية شكلت البدايات الأولى للمعرفة الهندية التي كانت ولا تزال الوقود المحرك للمجتمع الهندي.
نالت جمهورية الهند استقلالها عن الحكم البريطاني عام ١٩٤٧م، ووفقاً للدستور الهندي الذي وضع عام ١٩٤٩م، فإن الدولة تعترف باثنتين وعشرين لغة يتحدث بها سكان الهند، وتصدر الصحف والمجلات والقوانين والفنون والآداب في ولايات الهند الثماني والعشرين بهذه اللغات، بجانب اللغة الهندية التي هي اللغة الرسمية للدولة التي يتحدث بها ٧٤٪ من السكان، لكن كل هذه اللغات تعتمد في أصولها على مصدر واحد هو اللغة السنسكريتية، لهذا يجد الباحث، الذي يتتبع تاريخ الأدب الهندي الحديث، صعوبة في تتبع الآثار الإبداعية لأدباء عموم الهند لكثرتهم وتنوع مصادرهم، لكن المؤشرات العامة للكتابات النقدية تبين أن القاسم المشترك الأعظم بينهم، بجانب الهموم الإنسانية العالمية، هو حب طبيعة الهند، والإنسان الهندي البسيط، والمشاعر الإنسانية الجياشة وأهمها الحب، وخير مثال على الأدب الهندي الحديث الذي يتواصل مع الماضي الهندي الثقافي العريق، هو الشاعر والكاتب والمسرحي والفيلسوف والرسام رابندر انات طاغور.
ولد طاغور في ٧/٥/١٨٦١م في مدينة كالكتا لأسرة ميسورة الحال من طبقة البراهما، وهي أسرة معروفة بتراثها الثقافي ورفعة نسبها، وكان طاغور أصغر أخوته السبعة، أسماه والده رابندر، وتعني الشمس، لعله يضيء كالشمس في يوم من الأيام، وحرص على تعليمه بنفسه، واصطحبه معه في رحلات كثيرة، أبعدها أثراً في نفسه رحلته إلى جبال الهملايا التي رسخت حب الطبيعة في نفسه، تيتّم في صغره وكان أثر ذلك قاسياً على نفسه.
كان آل تاكور من رواد حركة النهضة البنغالية وسعوا للربط بين الثقافة الهندية التقليدية والأفكار والمفاهيم الغربية، لهذا اهتموا بالتعليم، فتلقى طاغور تعليمه في المنزل على يد أبيه وأشقائه، ودرس الإنجليزية ولغته الأم السنسكريتية والآداب والفنون، واطلع منذ طفولته على معارف لا تتيسر لمن في سنه مثل الفلك والسير التاريخية، وساعده على إتقان كثير من الفنون مدرس خصوصي هو معلمه الأول دفيجندرانات الذي كان عالماً وكاتباً مسرحياً وشاعراً.
تزوج طاغور عام ١٨٨٣م وهو في الثانية والعشرين من عمره، وأنجب من زوجته ولدين وثلاث بنات، وقد عبر عن حبه لزوجته في ديوانه «بستاني الحب»، يقول في إحدى قصائده:
وداعبت موسيقى الأشياء كلها أعضاءها
لتمنحها إهاب الجمال
إنها زوجتي
لقد أشعلت مصباحها في بيتي وأضاءت جنباته

توفيت زوجته في مقتبل العمر، ولحق بها ابنه وابنته وأبوه في فترات متقاربة ما بين عامي ١٩٠٢ – ١٩١٨م، فخلقت تلك الرزايا جرحاً غائراً في نفسه.
واصل طاغور كتابة الشعر، وفي عام ١٨٩٠م أصدر مجموعته ماناسي (المثالي) التي شكلت نقلة نوعية، ليس في الشعر البنغالي وحده بل في الشعر الهندي قاطبة.
بعد تجربة فاشلة للدراسة المنظمة في إنجلترا عاد طاغور إلى الهند وانتقل إلى البنغال الشرقية (بنغلاديش حالياً) لإدارة أملاك العائلة، وقضى هناك عشر سنوات، وبدأ مرحلة أخرى أكثر التصاقاً واندماجاً بالطبيعة، وأصبح يقضي معظم أوقاته في قارب معد للسكن يبحر به على نهر الجانج، وأروع ما كتب من قصص وشعر يعود إلى تلك الفترة من حياته، حيث نشر العديد من الدواوين الشعرية أميزها (القارب الذهبي) عام ١٨٩٤م وعدة مسرحيات، وبعد أن عاد إلى الهند قام بتأسيس جامعة خاصة في عام ١٨٩١م، وقد بدأ العالم يتعرف على إبداعه في عام ١٩١٢م عندما ترجمت أعماله إلى اللغة الإنجليزية.
أبدع طاغور في مسيرته الحافلة بالإبداع حوالي ألف قصيدة و٥٢ مسرحية بين طويلة وقصيرة، وثمانية مجلدات قصصية، وثماني روايات، بالإضافة إلى عشرات الكتب التي جمع فيها مقالاته ومحاضراته في الفلسفة والتربية والدين والسياسة والقضايا الاجتماعية، كما ألف ٢٢٣٠ أغنية معظم كلماتها ومواضيعها مستقاة من أدبه وقصصه.
في عام ١٩١٣ مُنح طاغور جائزة نوبل للأدب عن ديوانه (جيتنجالي)، كما أن اثنتين من قصائده أضحتا النشيد الوطني للهند وبنغلاديش، وفي عام ٢٠١١م اختارته منظمة اليونسكو شخصية العام، كما منحته الحكومة البريطانية لقب (سير)، لكنه أعاده إليها بعد أحداث عام ١٩١٩ م الدامية.
وصف طاغور نفسه بأنه «كالبخور لا ينتشر عطره ما لم يُحرق»، لكن أفضل وصف وتكريم له ما قاله مؤسس دولة الهند الحديثة وبطلها القومي المهاتما غاندي الذي وصفه بأنه «منارة الهند».
توفي طاغور في أغسطس من عام ١٩٤١م، بعد أن أضاء بأشعاره وأدبه دروب الثقافة العالمية كما توقع والده، وخلد اسمه كأكثر أدباء العالم إنتاجاً في العصر الحديث.

نموذجان من شعر طاغور:

أغنية الشاعر

حين كنت أوالف قيثارتي على لحني المتقطع
كنت قصياً عن إدراكي
كيف كان لي أن أعرف
أن تلك الأغنيات كانت تسعى إليك
على شواطئ المجهول؟
وحالما أتيتَ قربي
رقصت أغنياتي على إيقاع خطاك
وكأن نسمة الفرح الأسمى في هذا الاتحاد
كانت تنتشر عبر العالم
وكانت الأزهار تتفتح
عاماً بعد عام

أغنيتي

هذه أغنيتي ستدير موسيقاها حولك
طفلي
كذراعَي الحب الحنونين
أغنتي ستلمس جبينك
كقبلة من الرضا
عندما تكون وحيداً ستجلس بجانبك
وتهمس في أذنك عندما تكون وسط الزحام
ستحيطك بالعزلة
أغنيتي ستكون كزوج من الأجنحة لأحلامك
ستنقل قلبك لحافة المجهول
ستكون كالنجم المخلص في السماء
عندما يكون الليل المظلم على طريقك
أغنيتي ستجلس في بؤبؤ عينيك
وستحمل نظرك إلى جوهر الأشياء
وحين يسكن صوتي في الموت
أغنيتي ستتحدث في قلبك الحي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *