أبو فراس الحمداني.. الشاعر الفارس خلد سيرته الذاتية في قصائده

سبتمبر 2019

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

قامت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية، ومنذ عام ١٣٢ هـ حتى سقوط بغداد على أيدي المغول في ٦٥٦ هـ، ازدهرت الدولة العباسية على أيدي خلفائها في كل مناحي الحياة، فقد اتصلت بجاراتها من الأمم الأعجمية وتأثرت بها، وتعاظم دور العلوم والفنون والآداب في الحياة عامة والمجتمع العباسي خاصة، وكانت أروقة وبلاطات الملوك والخلفاء مكاناً أثيراً لالتقاء الشعراء والأدباء والمفكرين، حيث أجزلوا لهم العطاء.

وبسبب تغير الحياة وتنوعها واختلاط الثقافة العربية بغيرها من الثقافات، تطور الشعر العربي في العصر العباسي كثيراً من ناحية الشكل والمضمون، واتسعت آفاق الشعراء ونضج خيالهم وتوسعت موضوعات فنونهم الشعرية.
كما شهد العصر العباسي ظهور كوكبة من الشعراء أضافوا كثيراً من القصائد القيمة لقاموس الشعر العربي، أشهرهم: أبو الطيب المتنبي، وأبو فراس الحمداني، وأبو العلاء المعري، وأبو نواس، وابن الرومي.
ويعد أبو فراس الحمداني الأكثر تميزاً بينهم، ليس لعظم موهبته الشعرية فحسب، ولكن بسبب انتمائه للأسرة المالكة الحمدانية، ولأنه كان فارساً ومحارباً، ونعرف من سيرته الذاتية أنه مات في ريعان شبابه في ساحة القتال، وأنه سطر الجزء الأهم من سيرته الذاتية في شعره المليء بالعاطفة والشجن وعزة النفس.
والحمدانيون أسرة عربية أسست الدولة الحمدانية التي حكمت مدينتي الموصل وحلب وامتدت في نفوذها حتى ضمت مساحات شاسعة شملت قرى الشام والفرات في الفترة ما بين ٨٩٠م – ١٠٠٤م، وآل الحكم في نهاية المطاف إلى سيف الدولة الحمداني، بعد مقتل والد الشاعر أبي فراس.
وأبو فراس الحمداني اسمه بالكامل هو: أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني التغلبي الربعي، ولد في الموصل عام ٩٣٢م، وترعرع في كنف أمه وابن عمه سيف الدولة الذي رعاه بعد مقتل والده عندما كان في الثالثة من عمره، وشمله بعطفه ورعايته وميزه عن غيره لذكائه، وكان يسمح له بارتياد مجالس الأدباء والشعراء في بلاطه، فشب شاعراً فارساً يدافع عن إمارة ابن عمه ضد هجمات الروم، وفي أوقات السلم كان يشارك في مجالس الأدب فيذاكر الشعراء ويناقشهم، فوثق فيه سيف الدولة كثيراً وولاه إمارة منبج فأحسن حكمها.
كانت الحروب كثيرة بين الحمدانيين والروم على أيام أبي فراس، وفي إحدى المعارك وقع أسيراً سنة ٩٥٩م، فسجنه الروم في حصن منيع على الفرات، ولم يمكث في الأسر طويلاً، لكنه وقع أسيراً مرة أخرى في يد الروم عام ٩٦٢م، وهو الحدث الذي غير مجرى حياته وفتق قريحته الشعرية، وجعله يبدع أروع القصائد التي تعتبر إضافة ثرية للشعر العربي لا يزال صداها يتردد إلى الآن في فضاء العالم العربي الشعري ويطلق عليها النقاد اسم الروميات.
قضى أبو فراس سبعة أعوام أسيراً عند الروم، مرت خلالها أحداث كثيرة فخلدها شعراً، أبرزها وفاة والدته التي نفد صبرها وهي تنتظر تحريره، فقال يواسيها:
أيا أمَّ الأسيرِ سقاكِ غيثٌ
بكُرْهٍ مِنْكِ مَا لَقِيَ الأسِيرُ
أيا أمَّ الأسيرِ سقاكِ غيثٌ
تَحَيّرَ، لا يُقِيم وَلا يَسِير
أيا أمَّ الأسيرِ سقاكِ غيثٌ
إلى منْ بالفدا يأتي البشيرُ
وقال مواسياً نفسه:
لَوْلا العَجُوزُ بِمَنْبِجٍ
مَا خِفْتُ أسْبَابَ المَنِيّةْ
وَلَكَانَ لي عَمّا سَأَلْـتُ
منَ الفدا نفسٌ أبيةْ
وفي مرة حطت حمامة على غصن قريب من نافذة سجنه فقال يخاطبها ويرد على هديلها:
أقُولُ وَقَدْ نَاحَتْ بِقُرْبي حمامَةٌ
أيا جارتا هل تشعرين بحالي ؟
معاذَ الهوى ما ذُقتِ طارقةَ النوى
وَلا خَطَرَتْ مِنكِ الهُمُومُ ببالِ
أتحملُ محزونَ الفؤادِ قوادمٌ
على غُصُنٍ نائي المسافة ِ عالِ
أيا جارتا ، ما أنصفَ الدهرُ بيننا
تَعَالَيْ أُقَاسِمْكِ الهُمُومَ، تَعَالِي
تَعَالَيْ تَرَيْ رُوحاً لَدَيّ ضَعِيفَةً
تَرَدّدُ في جِسْمٍ يُعَذّبُ بَالي
أيَضْحَكُ مأسُورٌ، وَتَبكي طَلِيقَةٌ
ويسكتُ محزونٌ ، ويندبُ سالِ
لقد كنتُ أولى منكِ بالدمعِ مقلةً
وَلَكِنّ دَمْعي في الحَوَادِثِ غَالِ
لم يكن أبو فراس يعرف في أسره أخبار حــــروب ســــيف الدولة مع الروم، فكــــان يتذمر من نسيانه له ويشكو الدهر، ويرسل القصائد المليئة بمشاعر الألم والحنين للوطن، ولعل أشهرها وأهمها قصيدته التي يقول في مطلعها:
أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ
أما للهوى نهي عليكَ ولا أمرُ
بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعةُ
ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ
وهي قصيدة طويلة جاء في كتب التراث أنها فعلت فعل السحر في نفس سيف الدولة، فقاد جيشاً عرمرماً وهاجم الروم وهزمهم وتم تحرير أبي فراس وجميع الأسرى عام ٩٦٦م.
اختلف مؤرخو الأدب في بقاء أبي فراس طوال هذه المدة في الأسر، فمنهم من قال إن الروم تعمدوا ذلك خوفاً من فروسيته وبأسه، ومنهم من قال إن سيف الدولة تعمد ذلك لخشيته من مطالبته بالحكم بعد تحريره، ويبدو أن سيف الدولة كان محقاً في ذلك، فبعد وفاة سيف الدولة عام ٩٦٧م، دار صراع على الحكم، وكان لسيف الدولة مولى يدعى قرغويه طامع في الحكم، فنادى بابن سيده أبي المعالي أميراً على حلب، وأبو المعالي ابن أخت أبي فراس، فدارت معركة بينه وبينهم قُتل فيها أبو فراس عام ٩٦٨م، وقيل إن قرغويه مثّل بجثته وفصل رأسه وتركه في البرية إلى أن جاء بعض الأعراب فكفنوه ودفنوه.
وهكذا انطفأت صفحة من أنصع صفحات الشعر العربي، وغادر الحياة أشهر فارس من فرسانها وهو في ريعان شبابه، وقيل إنه أوصى ابنته عندما كان حياً بأن تكتب على قبره الأبيات التالية بعد وفاته:
أبنيتي لا تحزني ‍
كلُّ الأنامِ إلى ذهابِ
أبنيتي ، صبراً جميلاً
للجَليلِ مِنَ المُصَاب
نُوحِي عَلَيّ بِحَسْرَةٍ
من خَلفِ سترِك وَالحجابِ
زينُ الشبابِ أبو فراسٍ
لمْ يُمَتَّعْ بِالشّبَابِ
وهو صاحب الأبيات الشهيرة في الثناء على الشعر العربي والتي أصبحت أيقونة الشعراء العرب وشعارهم:
الشعر ديوان العرب
أبدًا وعنوان الأدب
لم أعدُ فيه مفاخري
ومديح آبائي النّجب
ومقطَّعات ربمــا
حلّيت منهن الكتب
لا في المديح ولا الهجاء
ولا المجونِ ولا اللعب
ولحسن حظ الأدب العربي أن ديوانه وجد العناية والجمع من ابن خالويه الذي عاصره واهتم بجمع أشعاره واهتم بجمع الروميات من شعره، وظلت محفوظة حتى عصرنا الراهن، وتم طبع ديوانه في بيروت عام ١٨٧٣م، وترجم المستشرق ابن الورد شعره إلى الألمانية، وأول طبعة كاملة للديوان أصدرها المعهد الفرنسي بدمشق عام ١٩٤٤م.
بدأ أبو فراس الحمداني حياته الشعرية متأثراً بفحول الجاهليين والأمويين، ثم جرى على مقتضيات عصره فجاء شعره بسيطاً وواضحاً، وصقلته الآلام والرزايا التي مر بها، فسخر كلماته للتعبير عن مشاعره بطريقة لم يسبقه إليها شاعر من قبل.
من آثار أبي فراس الباقية معركته مع أبي الطيب المتنبي في كسب ود سيف الدولة والتي فاز فيها، وبسببه ترك المتنبي بلاط سيف الدولة غاضباً وهاجر إلى مصر.
لم يعش أبو فراس حياته شاعراً يغازل الكلمات، وإنما عاش فارساً مقاتلاً وأسيراً حتى قتل في ساحة الوغى، ولهذا نظم ديواناً واحداً، ولكنه كان كافياً لأن يقول فيه الصاحب بن عباد، وهو لغوي وناقد مشهور، إن الشعر بُدئ بملك، وختم بملك، ويقصد امرأ القيس، فقد كان شاعراً وسليل أسرة من الملوك، وأبا فراس الذي ورث ملكاً لم يهنأ به ومات قتيلاً في سبيل الوصول إليه.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *