ابن رشيق القيرواني.. ألّف أهم كتب نقد الشعر ونظّم أفكاره النقدية في قصيدة رصينة

سبتمبر 2019

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

بدأت الألفية الثالثة بالسيطرة الكاملة للثورة العلمية التكنولوجية وثورة الحاسب الآلي التي طالت كل جوانب الحياة، حتى الإنسان لم يعد بحاجة إلى القرطاس والقلم ليعبر عن أفكاره ويتباهى بما يكتبه كما فعل أبو الطيب المتنبي عندما قال:

الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم

وأصبح يكتفي بضغطة زر واحدة لطباعة عشرات الصفحات، وهذه الثورة الرقمية اللغوية تؤثر على قدرات البشر الإبداعية، وعلى الأجيال المعاصرة ابتكار لغتها الجديدة التي تتماشى مع روح العصر، وهي لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن اللغة المتوارثة، لغة الوطن الأم، وأهمها لغة إبداع الآداب والفنون، لهذا خصصت منظمة اليونسكو يوم الحادي والعشرين من مارس من كل عام، يوماً عالمياً للشعر، والسابع والعشرين من مارس من كل عام، يوماً عالمياً للمسرح، ويوم الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، يوماً عالمياً للغة العربية.
وفي الوقت الحالي يتم تنظيم الندوات والمحاضرات التي تدعو للاهتمام بالآداب والفنون وتدريسها ونقدها لتلعب دورها في التنمية المستدامة وتنمية المجتمع، أما في الوطن العربي فينصب الاهتمام أكثر على الشعر لأنه أكثر الفنون انتشاراً، كما أن رياح التغيير بدأت تهب على أروقة القصيدة العربية، فبجانب التمرد على القصيدة الكلاسيكية، يبدو التأثر واضحاً بأساليب النظم الأجنبية عند بعض الشعراء مثل الهايكو الياباني والسونيت الإنجليزي، لهذا نحتاج لوقفة فكرية للتعرف على هوية الشعر والشعراء ودورهم في الحياة، فالشعر بشقيه الفصيح والعالمي أصبح يتمازج مع فنون أخرى مثل المسرح والسينما والأوبرا، فهل التعريفات التي كانت تطلق على الشعر والشعراء تصلح لعصرنا الحديث أم تحتاج لمصطلحات جديدة تتماشى مع عصرنا الراهن؟
وتتعدد تعريفات الشاعر في كتب التراث النقدي العربي، ولكنها تتفق على أنه الشخص الذي ينظم الشعر ويقول الشعر، وسمي شاعراً لأنه يشعر بما لا يشعر به الآخرون، وسمي شاعراً لفطنته ومعرفته القوية بالشعر، وقد صنف الأقدمون الشعراء إلى طبقات، جاهليون، وهم من قالوا الشعر في الجاهلية ثم أدركوا الإسلام، ومتقدمون ويقال الإسلاميون، وهم الذين نظموا الشعر في صدر الإسلام.
وأكثر تصنيفات الشعراء رواجاً في كتب التراث العربي هو تصنيف الجاحظ (١٥٩هـ – ٢٥٥هـ)، الذي أورده في كتابه البيان والتبيين، ويعتمد عليه حتى الآن كثير من النقاد في كتاباتهم وبحوثهم، إذ يقسم الجاحظ الشعراء في كتابه إلى أربعة أقسام: الشاعر الخنذيذ، وهو التام الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره، والشاعر المفلق، وهو الذي يأتي بالعجيب البديع ولكن لا رواية له، والشاعر، وهو الذي ينظم الشعر دون أن يأتي بالبديع أو الجديد في الشعر ولكن شعره ليس رديئاً، وأخيراً الشعرور، وهو الذي يأتي بأي شيء وله القدرة على نظم المفردات دون أي معنى مفيد أو لفظ حسن.
ويقول ابن قتيبة الدينوري (القرن الثالث الهجري) في كتابه الشعر والشعراء، إن الشعر مصدر رئيس من مصادر المعرفة، ويقول ابن طباطبا، وهو شاعر وأديب أصبهاني (توفي عام ٩٣٤م) في كتابه عيار الشعر، إن الشعر كلام منظوم بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم، أما أبو بكر عبدالقاهر الجرجاني، وهو من علماء العصر العباسي (١٠٠٩-١٠٧٨م)، فيقول إن الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، وقد عرفه ابن منظور في «لسان العرب» بأنه منظوم القول غلب عليه الوزن والقافية.
لكن أكثر التعريفات وضوحاً وشمولاً هو تعريف ابن خلدون بأن الشعر هو «الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متقنة في الوزن والرؤى، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به».
وكان عبدالرحمن بن محمد بن خلدون (١٣٣٢-١٤٠٦م) عالم اجتماع وفيلسوفاً، وكتابه «المقدمة» من أهم مصنفات الفكر العالمي، فقد عالج فيه قضايا العمران البشري، ولم ينس قضية اللغة والأدب والشعر وصناعته، ويقع الكتاب في ستين فصلاً خصص منها الفصول من الخامس والأربعين حتى الفصل الرابع والخمسين لعلوم اللسان العربي، والخامس والخمسين حتى الثامن والخمسين لصناعة الشعر ووجه تعلمه، وهو الجزء الذي سندلف منه إلى كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني، فقد عالج ابن خلدون قضية نقد الشعر في الأدب العربي، وتوقف عند الفراهيدي الذي وضع علم العروض ونسق بحور الشعر التي يقوم عليها النقد الأدبي العربي وميّزه عن كل كتب النقد التي سبقته، لكنه لم يجد بداً من الإشادة ضمنياً بكتاب لناقد وشاعر من أبناء جلدته تونسي مثله، يعد من أفضل الكتب في وجوب تعلم الشعر ونقده، فقال عن كتاب العمدة «هو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وإعطاء حقها، ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله».
ولد أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني سنة ١٠٠٠م في المسيلة بالجزائر، وتعلم صياغة الذهب مثل أبيه، ولكنه مال إلى الأدب والعلم فرحل إلى القيروان حينما كان عمره ١٦ سنة، وتبعد مدينة القيروان ١٦٠كلم عن تونس العاصمة، وهي أولى المدن الإسلامية المشيدة في بلاد المغرب، وكان لها دور استراتيجي في الفتح الإسلامي، وبها جامع القيروان الكبير الذي أسسه عقبة بن نافع عام ٦٧٠م، وكان جامعاً وداراً للعلم في الوقت نفسه.
برع القيرواني في العلوم ومدح صاحب القيروان المعز بن باديس واتصل بخدمته، ووزع وقته بين العلم والتأليف والمسجد، إلى أن اختلف معه وغادر القيروان إلى صقلية، وتوفي سنة ١٠٦٤م.
ألف القيرواني كتابه الذي أسماه «كتاب العمدة في محاسن الشعر وآدابه» ما بين سنة ٤١٢هـ – ٤٢٥هـ) وأراد له أن يكون موسوعة في الشعر ومحاسنه ولغته وعلومه ونقده وأغراضه، والبلاغة وفنونها، وما لا بد للأديب من معرفته من أصول علم الأنساب، وأيام العرب وملوكها وخيولها وبلدانها.
يقع الكتاب في مائة وسبعة أبواب، منها ٥٩ باباً في فصول الشعر وأبوابه، و٣٩ باباً في البلاغة وعلومها، و٩ أبواب في علوم شتى، ومن أبوابه الممتعة باب سرقة الشعر بأنواعه، وهناك أبواب يمكن أن تعين على فهم التراث الشعري.
كان القيرواني شاعراً، لهذا لم ينس أن ينظم وصاياه النقدية شعراً، وقد أوردها ابن خلدون في مقدمته كاملة، وهي قصيدة يصعب تجزئتها وهي من صنف الشعر التعليمي، وعلى الرغم من أنها شديدة البلاغة إلا أنها تخلو من الصور الجمالية، ولكن هذا لا يقلل من قيمتها الإبداعية.

قصيدة القيرواني التي ضمنها أفكاره النقدية:
لعن الله صنعة الشعر ماذا
من صنوف الجهّال فيها لقينا
يؤثرون الغريب منه على ما
كان سهلاً للسامعين مبينا
ويرون المحال معنى صحيحاً
وخسيس الكلام شيئاً ثمينا
يجهلون الصواب منه ولا يدرون
للجهل أنهم يجهلونا
فهم عند من سوانا يلامون
وفي الحقّ عندنا يعذرونا
إنما الشعر ما يناسب في النظم
وإن كان في الصفات فنونا
فأتى بعضه يشاكل بعضاً
وأقامت له الصّدور المتونا
كل معنىً أتاك منه على ما تتمنّى لو لم يكنْ أن يكونا
فتناهى من البيان إلى أن
كاد حسناً يبين للناظرينا
فكأن الألفاظ منه وجوه
والمعاني ركبن فيها عيونا
إنما في المرام حسب الأماني
يتحلّى بحسنه المنشدونا
فإذا ما مدحت بالشعر حرّاً
رمت فيه مذاهب المشتهينا
فجعلت النسيب سهلاً قريباً
وجعلت المديح صدقاً مبينا
وتنكبت ما تهجّن في السّمع
وإن كان لفظه موزونا
وإذا ما قرضته بهجاء
عبت فيه مذاهب المرقبينا
فجعلت التصريح منه دواء
وجعلت التعريض داءً دفينا
وإذا ما بكيت فيه على الغادين يوماً للبين والظاعنينا
حُلت دون الأسى وذلّلت ما كان من الدمع في العيون مصونا
ثم إن كنت عاتباً جئت بالوعدِ
وعيداً وبالصعوبة لينا
فتركت الذي عتبت عليه
حذراً، آمناً، عزيزاً، مهينا
وأصحُّ القريض ما فات في النظم
وإن كان واضحاً مستبينا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *