«أصول الشعر السوداني».. الغوص في لجة بحر التاريخ بحثاً عن الهوية

أكتوبر 2019

منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، استوطن الإنسان الأراضي الخصبة الغنية بالمراعي ومصادر المياه التي تقع جنوب مصر بداية من أسوان حتى منتصف أفريقيا، ويجري فيها أطول أنهار الدنيا.
أُسست في هذه المنطقة الجغرافية حضارات سادت ثم بادت كان لها شأن في العالم القديم، ووردت في مؤلفات التاريخ الثقافي للأمم تحت عدة أسماء، مثل تاسيتي، تانحسو، أثيوبيا، كوش، نبتة، مروى، بلاد النوبة، كما ورد اسمها في التوراة والنصوص الآشورية، ومضى حين من الدهر بسطت فيه كوش سيطرتها على وادي النيل حتى البحر الأبيض المتوسط وبلاد الشام.
عرفت هذه الأقاليم بثرواتها الطبيعية، خصوصاً الذهب، وكانت محل أطماع العالم القديم، لدرجة أن الإمبراطور نيرون حاكم روما الدموي، الذي أحرقها (٣٧ق.م – ٦٨ ق.م)، أرسل بعثة إلى هذه الأقاليم بحثاً عن الذهب، ووصلت حتى مدينة الرمد الحالية التي تقع في إقليم كردفان غرب الخرطوم، إلا أنها عادت خائبة.
اعتنقت هذه الدول الديانة الفرعونية، ثم تحولت إلى المسيحية في القرن الخامس الميلادي، وبما أن البحر الأحمر لم يكن عائقاً عن التواصل بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، فقد أدت هجرة القبائل العربية الكثيفة إلى انهيار الممالك النوبية المسيحية، وإلى تأسيس عدة ممالك إسلامية، أشهرها مملكة سنار أو السلطنة الزرقاء (١٥٠٤-١٨٢١)، التي تعد أساس الدولة السودانية الحديثة المكونة للقومية السودانية، وتمازجت الثقافات المحلية، التي يبلغ عددها ٦٠٠ تقريباً، وتتحدث ١٣٣ لغة، مع الثقافة العربية، وأصبح السودان الآن دولة عربية أفريقية تمثل نسيجاً اجتماعياً متفرداً قل أن يوجد في أي مكان آخر في العالم.
وعلى الرغم من اختلاف الثقافات وتفرد اللغات، إلا أنها جميعها ارتضت اللغة العربية وسيلة للتخاطب فيما بينها، كما أن اللغة العامية السودانية، التي أساسها اللغة العربية، هي لغة التخاطب اليومي بين أهل السودان، وهي أيضاً نتاج التلاقح الثقافي الأفريقي العربي، سواء في مفرداتها أو حتى في بلاغتها.
ويقول البروفيسور عون الشريف قاسم (١٩٣٣-٢٠٠٦)، وهو أحد أعمدة الثقافة والفكر، في مقدمة سفره القيم «قاموس اللهجة العامية في السودان»: «فكما امتزج العرب بالسكان الأصليين واختلطت دماؤهم بدمائهم، امتزجت لغتهم بعناصر مختلفة من لغات هؤلاء السكان، واختلطت بها اختلاطاً نرى سماته الواضحة في المفردات والتراكيب».
والتمازج الأفريقي العربي في السودان هو الذي أكسب السودان الآن ما هو عليه من وحدة رغم كل تباين أثني وقبلي، وهو في صلب قضايا الهوية القومية السودانية، التي تعبر عن نفسها في كل المجالات، خصوصاً في مجال الأدب.
استعمر محمد علي باشا السودان (١٨٢١-١٨٨٥)، ومن بعده بريطانيا، وعندما نال السودان استقلاله عام ١٩٥٦م، كانت قضية الهوية الثقافية ومحتوى الأدب السوداني الأفروعربي هي محور النقاش بين الأدباء والمثقفين والمفكرين، بل إنها انطلقت قبل ذلك، ففي كتابه القيم «الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه»، الذي طبع عام ١٩٣١م، نجد الناقد السوداني الطليعي حمزة الملك طمبل (١٨٩٧-١٩٥١م) يقول: «نريد أن يكون لنا كيان أدبي عظيم، نريد أن يقال عندما يقرأ شعرنا من هم خارج السودان إن ناحية التفكير في هذه القصيدة روحها تدل أنها لشاعر سوداني».
وقد استدل حمزة الملك طمبل بالشعر، لأن النثر الفني في الأدب السوداني لم يظهر بقوة إلا في مرحلة لاحقة من تاريخ الأدب السوداني في أعمال معاوية نور رائد القصة القصيرة في السودان (١٩٠٩-١٩٤١م).
ويعد كتاب «أصول الشعر السوداني»، الذي نشره الناقد والمثقف والإعلامي والدبلوماسي السوداني الراحل عبدالهادي الصديق، علامة فارقة في دراسة الشعر السوداني وتباين دوره في تأصيل الهوية الأفروعربية في السودان.
ينتمي عبدالهادي للجيل الذهبي للأدب السوداني الذي أعقب ثورة أكتوبر ١٩٦٤م، ويعد من الكتّاب والشعراء والفنانين الذي أثروا الساحة الثقافية السودانية بأعمالهم الإبداعية، كما أنه من الذين تأثروا أيما تأثر بأفكار حركة التحرر الوطني وعدم الانحياز وأفكار التجديد في الأدب العربي التي سادت الدول العربية آنذاك.
يقع الكتاب في ١٧٩ صفحة من القطع المتوسط، وقسمه المؤلف إلى خمسة أبواب، خصص الباب الأول لأصول الثقافة العربية في السودان، والباب الثاني للأصل المكاني للشعر السوداني، والباب الثالث للأصول الصوفية في الشعر السوداني، والباب الرابع لأصول اللغة العامية والشعبية، وخصص الباب الخامس للبحث عن الأصول، وأفرد أبواباً خاصة دون ترقيم عن الازدواجية والشمول، بالإضافة إلى خاتمة.
لم ينتقد عبدالهادي أفكار من سبقه من النقاد بشكل مباشر، بل جاراهم في عمق نظرتهم لواقع الأدب السوداني، واستعرض مجموعة الملامح المشتركة التي دار حولها النقاش منذ فجر النهضة الوطنية في أعقاب ثورة ١٩٢٤ في السودان وحتى وقتنا الراهن، وتحفل أبواب الكتاب بمقتطفات نقدية وأشعار عزز بها أفكاره النقدية اختارها من مؤلفات عدد من المفكرين والأدباء والشعراء، أمثال محمد أحمد محجوب، ومحمد محمد علي، وحسن نجيلة، ود. عبدالله علي إبراهيم، وعبدالله الطيب، ومما يدل على سعة اطلاعه أنه استشهد للدلالة على صحة رؤيته بآراء عدد من المؤلفين العرب والأجانب، أمثال ابن خلدون، ود. عبدالحميد يونس، وأرنست فيشر، ود. أحسان عباس.
غاية الأمر أن عبدالهادي الصديق في دراسته لأصول الشعر السوداني خلص إلى أن «دراسته يجب أن تنطلق من نفس مفهوم التفرد فيه، وإيضاح المعالم البارزة التي تمثل جذوره انطلاقاً من ارتباطها التاريخي والاجتماعي، وما نشأ نتيجة ذلك من السمات الواضحة التي سارت بينها حركة الشعر بين الشد والجذب والصراعات التي مرت بها قصيدة الشعر العربية في السودان»، لهذا طبق بشكل واضح لا لبس فيه المنهج التاريخي الاجتماعي في دراسة الشعر السوداني كظاهرة ثقافية، وارتحل بأدواته النقدية إلى ممالك السودان القديمة التي أشرنا إليها في بداية المقال ليدرس الشعر السوداني قبل ظهور الكلمة العربية التي سادت بعد دخول العرب للسودان.
يحمد لعبدالهادي الصديق كثيراً أنه فتح باباً جديداً لنقاد الأدب في السودان، وهو باب دراسة النصوص الشعرية التي كتبت باللغة النوبية في العصر المسيحي، التي كتبت في تلك الفترة بالحروف الإغريقية، وكانت تستخدم لأغراض المراسيم الدينية والحربية، وعلى الرغم من عدم القطع بأنها كانت شعراً حقيقياً، إلا أنها تثبت أن النوبيين القدماء اهتموا بتنميق الألفاظ والعناية بها، وأورد عبدالهادي نصاً وجد على مسلة الملك بعانخي كتب في القرن الرابع الميلادي:
أنتم يا من تعيشون أمواتاً
البؤساء الضعفاء الموتى
يا أبواب المدينة ومداخلها
إذا لم تنصاعي لأوامري
سيصب عليك الملك لعنته.
أجبر المنهج التاريخي عبدالهادي الصديق على تجنب تحليل اتجاهات الشعراء الفكرية ومدارسهم الشعرية، وخصص لهذا الغرض كتاباً منفصلاً أسماه «اتجاهات الشعر السوداني المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية»، ونشره في عام ١٩٩٥، ولم يشر فيه صراحة إلى أنه يعد تكملة لكتابه الأول، لكنه بالفعل يعد كتاباً نقدياً خالصاً ينتمي إلى كتب نقد الشعر في العالم العربي.
أسدى عبدالهادي الصديق بكتابيه خدمة جليلة للأدب السوداني خاصة، والأدب العربي عامة، فمثل هذه الكتب الرصينة المحكمة أكاديمياً تشكل إضافة فكرية ثرية، وتفتح الطريق أمام دراسات مستقبلية تبنى عليها نحن في أمس الحاجة إليها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *