ملحمة «العودة إلى سنار» لمحمد عبد الحي.. الشاعر عندما يرتحل عبر الزمن بحثاً عن الهوية

أكتوبر 2019

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

الشعب السوداني شعب متعدد الأعراق والثقافات، وقد انعكس ذلك على آدابه وفنونه وعلومه، لهذا فإننا عندما نؤرخ للشعر السوداني كجنس أدبي نجد أنه نما وترعرع في أرض المعرفة الأفريقية العربية الخصبة، وكتبه شعراء على قدر من الموهبة امتلكوا ناصية اللغة والتراث العربي، واستطاعوا أن يجدوا المعادل الموضوعي في إنتاجهم الشعري بين الشكل والمضمون للهوية الأفريقية العربية للسودانيين،
ويقول الشاعر السوداني المعروف محمد المهدي مجذوب:
عندي من الزنج أعراق معاندة
وإن تشدق في إنشادي العرب
الشاعران محمد عمر البنا (١٨٤٧-١٩١٩م)، ومن بعده محمد سعيد العباسي (١٨٨٠-١٩٦٢)، هما اللذان جعلا من قصيدة الشعر السوداني نصاً أدبياً مكتملاً جديراً بأن ينتمي إلى شعر أمة العرب على امتداد العصور، لكن هنالك حقائق ثقافية وتاريخية ثابتة تؤكد أن الشعر السوداني منذ بداياته الأولى في منتصف القرن التاسع عشر أبدعه شعراء على قدر كبير من الوعي الوطني وواكبوا حركة التجديد في الأدب العربي ولم يتخلفوا عنها، سواء من منظور فلسفة الآداب والفنون أو أهدافه القومية الشاملة.
ولعب المثقفون والأكاديميون العرب، الذين عملوا في جامعة الخرطوم (١٩٥٠-٢٠٠٥م)، مثل د. عبده بدوي، د. محمد النويهي، د. عبدالمجيد عابدين، د. إحسان عباس، د. سلمى خضراء الجيوسي، دوراً مؤثراً في التعريف بالشعر السوداني واكتشاف مجاهله ودراسته وربطه بحركة الشعر العربية الحديثة والمتطورة، وخير مثال على ذلك اهتمامهم بالآثار الشعرية للأكاديمي والشاعر محمد عبدالحي، الذي يعد بحق في طليعة الشعراء السودانيين المجددين الذين انتصروا لقضية الشعر الحر، وأثرى المكتبة السودانية بترجمات ومؤلفات شعرية جعلته في مصاف كبار الشعراء العرب.
ولد محمد عبدالحي في الخرطوم في أبريل ١٩٤٤م في أسرة تهتم بالتعليم، فخاله سعد الدين فوزي كان أول عميد سوداني لكلية الاقتصاد بعد الاستقلال (١٩٥٥م)، وإسماعيل جده من ناحية الأم كان يكتب الشعر، أما والده عبد الحي فكان مهندساً للمساحة، وهي وظيفة مرموقة في ذلك الزمن، وقد أثر الجو الأسري المرتبط بالحركة الوطنية في السودان، وتنقل أسرته في شتى مناطق السودان، في تشكيل وعيه الفكري المبكر، وبدأ ينظم الشعر ويخفيه عن والده، وكان ذلك عندما التحق بمدرسة حنتوب الثانوية، إذ إن والده كان يخاف أن يؤثر نظم الشعر والاهتمام به في مستواه الدراسي.
وعلى الرغم من أن مصادر سيرته الذاتية لم تشر لاهتمامات والده السياسية والثقافية، إلا أن بعض الكتابات المؤكدة تشير إلى أنه كان على علاقة صداقة بالمثقف والدبلوماسي السوداني المعروف جمال محمد أحمد، وأنه سمح لابنه بنظم الشعر بعد أن أخبره جمال محمد أحمد، الذي كان سفيراً للسودان بلبنان، أن المثقفين في لبنان يسألون عن محمد عبدالحي، وأن كتاباته تثير ضجة في الأوساط الأدبية هناك، وهذا يعني أنه كان ينشر أشعاره في المجلات اللبنانية وهو في المدرسة الثانوية.
التحق محمد عبدالحي بجامعة الخرطوم عام ١٩٦٢م، ونبغ في اللغة الإنجليزية وآدابها وعلومها، وبعد تخرجه عمل أستاذاً في قسم اللغة الإنجليزية، ثم ابتعث لجامعة ليدز، ثم إلى جامعة أكسفورد، وحصل على الدكتوراه في اللغة الإنجليزية عام ١٩٨٢م.
ارتبط محمد عبدالحي بجامعة الخرطوم طوال حياته المهنية، أستاذاً وشاعراً ومترجماً، وكانت جامعة الخرطوم قبل وبعد ثورة أكتوبر ١٩٦٤م مركزاً للإشعاع الثقافي والفكري في السودان.
كان عبدالحي يقرأ قصائده في المحافل والندوات داخل الجامعة وخارجها، وينشرها في الصحف السودانية، خاصة الملحق الثقافي لجريدة الرأي العام، الذي نشر فيه عام ١٩٦٣م ملحمته الشعرية «العودة إلى سنار»، التي توالى نشرها فيما بعد في مجلة «شعر» اللبنانية، و«الشعر» المصرية، لتشتهر في العالم العربي وتصبح رمزاً للشعر السوداني الحديث شكلاً وموضوعاً.
الملحمة من ناحية الشكل أقرب إلى القصة الشعرية منها إلى القصائد الطوال، وتتكون من خمسة أناشيد هي: البحر، والمدينة، والليل، والحلم، والصبح، ويربط بين الأناشيد الخمسة بطل أسطوري هو الراوي، وصوت الأنا هنا لعله للشاعر نفسه، رحالة جوال، لكن ترحاله ليس مكانياً إنما زماني، فهو يترحل ذهاباً وإياباً عبر حقب التاريخ، وينفذ إلى الماضي ثم يعود إلى الحاضر، وفي تجواله هذا يبحث عن الحق والهوية، فتوقف عند حضارة مروى، وهي حضارة سودانية عظيمة، لكنها لم ترضِه، فتجاوزها إلى سنار عاصمة مملكة الفونغ، أو السلطنة الزرقاء (١٥٠٤-١٨٢١م)، بوصفها الأكثر حضوراً وتعبيراً عن الذات السودانية الأفروعربية، وهذا هو جوهر ملحمة «العودة إلى سنار».
استعان عبدالحي بالأساطير والرموز الثقافية المستمدة من الثقافة المحلية لرسم صورة البطل التراجيدي، واستعمل في قصائده، لأول مرة في الشعر السوداني، لغة بسيطة معبرة، لغة الإنسان العادي، وتمثل هذه الملحمة تاريخ محمد عبدالحي الفكري ومنحاه في البحث عن الهوية، ويذهب بعض الباحثين إلى أنها نمت معه، وأن اهتمامه بالأسطورة والتاريخ والمسرح وكل المكونات التراثية محاولة منه للعودة إلى نبع البراءة الأولى، وأن الملحمة أهم كتابة شعرية سودانية حاولت اكتشاف الهوية بوصفها معرفة مخبوءة في التاريخ وقابلة للتجلي في الشعر.
أنكر الشاعر أكثر من مرة تأثره بالأدب والشعر الإنجليزي في كتابتها، لكنه اعترف بتأثره في كتابتها بكتاب الفتوحات المكية لمحي الدين بن عربي، وأن ما تقدمه القصيدة ليس فكراً سياسياً أو قومياً، إنما هي تأكيد للجوهر الديني للوجود الإنساني، وهذا الجوهر هو أصل الملامح المتعددة للإنسان وأفعاله.
وكتب الشاعر هذه الملحمة أكثر من مرة، وتتضارب إفادات النقاد والباحثين حول ذلك، إلا أننا نأخذ بإفادة زوجته د. عائشة موسى، التي ذكرت أن الشاعر أودع في دار الوثائق السودانية مظروفاً أوصى أن لا يفتح إلا بعد عشر سنوات من موته، وقد توفي بعدها بمدة وجيزة، وبعد أن اكتملت عشر السنوات فُتحت الوثيقة فوجدوا ملحمة العودة إلى سنار في خمس نسخ مكتوبة بخط اليد، وهناك اختلاف بينها في جوهر الكلمات والاستخدامات، أما المضمون فهو واحد.
نشط محمد عبدالحي في مجالات الترجمة والصحافة الأدبية، وكان يتمتع بعلاقات واسعة مع المثقفين العرب والسودانيين، وآخر ما كتبه د. عبدالله الطيب من شعر كان في رثاء محمد عبدالحي.
تعرض محمد عبد الحي لأكثر من وعكة صحية بين الأعوام ١٩٨٠-١٩٨٩م، وفارق الحياة وهو في شرخ الشباب في أغسطس ١٩٨٩م.
ينتمي محمد عبدالحي وفق تصنيف النقاد السودانيين إلى مدرسة الغابة والصحراء الشعرية، وهي مدرسة يرمز فيها إلى العنصر الأفريقي بالغابة والبدوي بالصحراء كمكون للهوية السودانية، لكنه كان يتجاوزها كثيراً في شعره، فهو فيلسوف تؤرقه الهموم الإنسانية عامة أكثر مما تؤرقه هموم الإنسان السوداني فقط.
وننشر هنا مطلع كل نشيد من الأناشيد الخمسة حتى يدرك القارئ الكريم أن كل نشيد يختلف لغة وموضوعاً عن الآخر، ويمكن العثور عليها كاملة في المواقع التي تهتم بالشعر العربي.
النشيد الأول (البحر):
الليلة يستقبلني أهلي:
خيلٌ تحجل في دائرة النّارِ،
وترقص في الأجراس وفي الدِّيباجْ
امرأة تفتح باب النَّهر وتدعو
من عتمات الجبل الصامت والأحراجْ
حرّاس اللغة- المملكة الزرقاءْ
ذلك يخطر في جلد الفهدِ،
وهذا يسطع في قمصان الماءْ
النشيد الثاني (المدينة):
«بدويُّ أنتَ ؟»
«لا»
– «من بلاد الزّنج؟»
«لا»
أنا منكم، تائه عاد يغنِّي بلسانٍ
ويصلّي بلسانٍ
من بحارٍ نائيات
النشيد الثالث (الليل):
وفتحت ذراعها
مدينتي
وحضنها الرغيدْ
أيّة أنهارٍ عظيماتٍ
وغاباتٍ
من البروق والرعودْ
النشيد الرابع (الحلم):
رائحة البحر التي تحملها الرياحْ
في آخر الليل، طيورٌ أفرختْ
في الشفق البنفسجيِّ بين آخر النجوم والصباحْ
النشيد الخامس (الصبح):
مرحى! تطلُّ الشمسُ هذا الصبحَ من أفق القبولْ
لغةً على جسد المياهِ،
ووهجَ مصباحٍ من البلّورِ في ليل الجذورِ،
وبعضَ إيماءٍ ورمزٍ مستحيلْ.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *