المدينة القديمة المسورة في باكو.. آثار الحضارات يحاور بعضها بعضاً

نوفمبر 2019

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

هناك ثلاثة أمور شغلت بال البشر في جميع الحضارات في كل الأزمنة والعصور، وهي المأوى والملبس والمأكل، لكن المأوى يظل هو العمود الفقري والدينامو المحرك لمسيرة إبداع الإنسان على الأرض، لذلك بنى الإنسان منذ فجر التاريخ آلاف المدن في مختلف القارات، بعضها اندثر وتدمر لعوامل جغرافية وسياسية، وبعضها الآخر بقي صامداً حتى الآن كشاهد حي على حضارات سادت ثم بادت، وعلى تطور قدرات الإنسان في مجال بناء المنازل والقصور وزخرفتها، وقد أدرجت اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، التي ترعاها لجنة التراث العالمي بمنظمة اليونسكو، هذه المدن في لائحة التراث العالمي المعرض للخطر، وحضت الدول على حمايتها وصيانتها ورعايتها بوصفها إرثاً بشرياً يجب الحفاظ عليه لأهميته من منظور العلم والفن.
ومن أهم هذه المدن بعض المدن العربية، مثل مدينة حلب في سوريا، التي تعد أقدم مدينة على وجه الأرض، إذ أسست قبل سبعة آلاف سنة، ومدينة دمشق التي أسست في الألف الثالث قبل الميلاد، وعدن في اليمن التي أسست في القرن السادس قبل الميلاد.
ومن أهم المدن التاريخية، التي تعد آثارها رمزاً لإبداع الإنسان وقدرته على العمران، مدينة باكو في جمهورية أذربيجان، وبشكل أدق المدينة القديمة في باكو وقلعتها والسور الذي يحيط بها.
هاجرت موجات من قبائل الأوغوز القادمة من آسيا الوسطى إلى مناطق القوقاز، كان ذلك في القرن الحادي عشر الميلادي، وكان من بينهم الغزنويون، الذين أسسوا أذربيجان الحالية عام ١٠٣٠م، التي تعاقب عليها حكام وحضارات وصولاً إلى ضمها إلى الاتحاد السوفياتي بعد ثورة أكتوبر ١٩١٧م، ثم نالت استقلالها عام ١٩٩١م بعد الانهيار الدرامي للاتحاد السوفياتي وتفككه، وحالياً تعرف باسم جمهورية أذربيجان.
انعكس كل هذا التاريخ على مدينة باكو، فكل الحكام تركوا بصماتهم المعمارية عليها، وطوال تلك العهود كانت باكو عاصمة لأذربيجان، وهي مدينة معروفة منذ القدم، ففي القرن الأول الميلادي أرسل الرومان حملتين لفتح القوقاز، وقد تمكنتا من ضم المنطقة إلى الإمبراطورية الرومانية، وكانت تلك أول مرة تذكر فيها المدينة في سجل مكتوب، وفي القرن الخامس الميلادي حل الفرس محل الرومان، ثم حل العرب محل الفرس، وتمكن المسلمون من فتح باكو وكامل أذربيجان، كان ذلك في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومنذ ذلك التاريخ عرفت أذربيجان عامة وباكو خاصة الإسلام كمكون حضاري ثقافي أساسي.
أطلق الجغرافيون العرب على تلك المدينة عدة أسماء قبل باكو، منها باكوخ، وباكويا، وذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان (١١٧٩-١٢٢٩م) أن باكويه بلد من نواحي الدربند من نواحي الشروان، فيه عين نفط عظيمة تبلغ قبالتها في كل يوم ألف درهم، وإلى جانبها عين أخرى تسيل بنفط أبيض كدهن الزئبق لا تنقطع ليلاً ولا نهاراً تبلغ قبالته مثل الأول.
تعاقب الحكام والغزاة الأجانب انعكس على تركيبة الآثار التاريخية في مدينة باكو، خصوصاً وسط المدينة، فصارت مدينة ذات طابع أوروبي إسلامي عصري، تتوسطها مدينة أخرى هي المدينة القديمة المسورة، أو المدينة الداخلية كما يطلق عليها أحياناً.
أجريت للمدينة القديمة على أيدي الحكام منذ القرن الثاني للميلاد حتى القرن الثاني عشر مختلف عمليات التطوير والإضافة، وأصبحت الآن رمزاً للثقافات والحضارات: الزرادشتية والساسانية والعربية والفارسية والشروانية والعثمانية والروسية التي حكمت أذربيجان، وحافظت على جزء كبير من أسوارها الدفاعية التي يعود تاريخها إلى القرن الثاني الميلادي، وتمثل في مجملها نموذجاً رائعاً وفريداً لمجموعة حضارية ومعمارية تاريخية.
وتعد المدينة القديمة من المدن القليلة القروسطية التي بقيت قائمة حتى الآن، ولا تزال محافظة على طابع تلك المدن، مثل متاهة الأزقة الضيقة، والمباني المزدحمة، والساحات الصغيرة.
وفي عام ٢٠٠٣م، وقع الرئيس حيدر علييف مرسوم المحافظة على المدينة القديمة، وأعلنت محمية للعمارة التقليدية الأذربيجانية.
المدينة مأهولة بالسكان، وهي الآن مزار سياحي عالمي، وتتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية هي: القلعة الكبرى، والقلعة الصغرى، وشارع عاسف زينلي، ويوجد بها كثير من الشوارع الضيقة والصغيرة التي تتخلل مبانيها، وهي بهذه التركيبة المعمارية الفريدة تشبه حارات كثيرة في مدن عربية وإسلامية شرقية، خصوصاً أن قصورها مزينة بالآيات القرآنية التي رسمت على الجدران بالخط العربي.
وأشهر معالم المدينة قاطبة، التي جلبت لها الشهرة العالمية، هي المعالم التاريخية التالية:
١- برج العذراء أو قلعة العذراء: شيد خلال القرن الثاني عشر ليكون جزءاً من المنشآت الدفاعية.
٢- قصر الشروانشاهيين: أكبر المعالم الباقية من العهد الشرواني، ويقع في وسط المدينة ويحتوي على عدة أبنية.
٣- مسجد بي بي هيبة: هو أحد أبرز مساجد المدينة، وشيد في القرن الثالث عشر، أما المبنى الحالي فقد شيد خلال عقد التسعينيات.
وقد أدرجت جميع هذه المواقع في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر منذ عام ٢٠٠٣م، بعد الزلزال الكبير الذي تعرضت له المدينة عام ٢٠٠٠م.
تعد المدينة القديمة فخراً لجمهورية أذربيجان، وصور كثير من آثارها تزين عملاتها الوطنية، ونظراً لطرزها المعمارية الفريدة صورت فيها بعض الأفلام والمسلسلات الأوروبية، ونظمت فيها بعض المهرجانات والمناسبات الثقافية العالمية.
النفط الذي عرفت به باكو منذ القدم، وبدئ في استثماره في العصر الحديث عام ١٨٤٧، جعل منها واحدة من أكبر المدن على شاطئ بحر قزوين، إن لم يكن في بلاد القوقاز قاطبة، ومركزاً اقتصادياً وثقافياً عالمياً، لكن المدينة القديمة بآثارها متعددة الثقافات جعلتها تتميز بإرث حضاري فريد قل أن يوجد في مدينة أخرى من المدن التي أسست في زمن يقارب الزمن الذي أسست فيه، وهو التنوع وحوار الحضارات المعماري إن جاز التعبير.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *