انتشار قصص الحب العربية في الآداب العالمية.. الشاعر الأذربيجاني «نظامي» نموذجاً

نوفمبر 2019

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

الحب أسمى درجات المشاعر الإنسانية، ويقول ابن منظور صاحب قاموس «لسان العرب» إن الحب نقيض البغض، وهو بمعنى الوداد والمحبة، لهذا كانت قصص وأشعار الحب أثيرة عند الأدباء والشعراء في مختلف العصور ومختلف الحضارات.
ويشكل الشعر الغنائي Lyric Poetry الباب الأوسع والأكثر انتشاراً في الشعر العالمي، لهذا حفظت الشعوب في ذاكرتها الأدبية مختلف قصص الحب الخالدة، التي غدت الآن تراثاً عالمياً ينتقل بين الثقافات، مثل قصة روميو وجوليت، التي خلدها الكاتب الإنجليزي وليم شكسبير (١٥٦٤-١٦١٦م)، ورسلان ولودميلا، التي خلدها الشاعر الروسي بوشكين (١٧٩٩-١٨٣٧م) في قصيدة شعرية.
وهناك قصص حب خالدة خلدت بطريقة أو بأخرى، فتاج محل في الهند شاهد على حب الإمبراطور المغولي شاه جيهان لزوجته ممتاز محل في القرن السادس عشر، وحب عنترة بن شداد لابنة عمه عبلة جعل منه بطلاً أسطورياً وشاعراً ترجمت أشعاره إلى جميع لغات العالم كرمز للحب العفيف.
وهناك نوع من شعر الحب عرف به التراث الشعري العربي أكثر من غيره، وهو الشعر العذري الذي يعبر به الشاعر عن حبه لحبيبته، ويحدد النقاد طبيعة الشعر العذري بأنه لون من الشعر الذي يعبر عن المشاعر ذات الطابع العفيف الطاهر، ويصف الشاعر من خلاله لوعته في الحب وآلامه جراء فراق محبوبته وعواطفه الجياشة تجاهها.
ومن أشهر قصص الحب العذري في الأدب العربي قصة حب الشاعر قيس بن الملوح لابنة عمه ليلى العامرية، التي نشأ معها وأحبها وأخذ ينشد الأشعار في حبه لها، فرفض أهلها أن يتزوجها وزوجوها غيره، فهام على وجهه ينشد الأشعار، فيرى حيناً في الشام وحيناً في نجد وحيناً في الحجاز، إلى أن وجد ميتاً في كهف، وعلى الرغم من أنه لم يكن مجنوناً، إلا أنه جرى العرف الأدبي أن يطلق عليه مجنون ليلى، وساد بذلك اللقب في المراجع العلمية الأدبية.
عاش قيس بن الملوح حياة قصيرة (٦٤٥-٦٨٨م)، ووردت قصته في أكثر من مصدر من مصادر التراث العربي، لكنها وردت بشكل أساسي في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني (توفي ٩٦٧م) الذي يعد من أغنى الموسوعات الأدبية، وقد حفل بمواضيع الغناء والشعر وعلوم اللغة وأخبار الشعراء والفتوح وأحوال الخلفاء، وغطى المراحل الزمنية من العصر الجاهلي إلى عهد الخليفة العباسي المعتضد بالله، الذي توفي عام ٩٠٢م.
ولمعرفة الوسائط التي انتقلت بها قصة مجنون ليلى إلى اللغة الفارسية، وكيف تأثر بها الشعراء الذين كتبوا آثارهم باللغة الفارسية، يجب الرجوع قليلاً إلى تاريخ جنوب القوقاز وشرق تركيا، إذ لم تكن الشعوب والقبائل تعرف الحدود الجيوسياسية، وقبل وصول الإسلام إلى هذه المناطق كان السكان يعتنقون المجوسية والمسيحية تحت الحكم الساساني، ووصلت إليها أولى الحملات في عهد عمر بن الخطاب بقيادة عتبة بن فرقد، ثم حذيفة بن اليمان، وبعدها ازداد انتشار الإسلام في عهد العباسيين، وهو عهد ازدهار الترجمة والتواصل الحضاري والثقافي مع الثقافات الأخرى، وعرف سكان جنوب القوقاز وشرق تركيا معظم الآثار الثقافية العربية النادرة وتأثروا بها، ومن بين هؤلاء سعدي الشيرازي (١٢١٠-١٢٩١م)، الذي تنقل بين الأناضول ومصر والعراق، ونظم الشعر باللغتين الفارسية والعربية، لكن أكثر الشعراء تأثراً بالآثار العربية الخالدة، خصوصاً رواية مجنون ليلى وأشعاره، هو الشاعر نظامي الغنجوي، وسمي كذلك نسبة إلى غنجة مسقط رأسه، وتتبع حالياً جمهورية أذربيجان متعددة القوميات والثقافات، وكانت تتبع لفارس في التاريخ القديم، وهي مدينة جميلة تعد ملهمة للأدباء والشعراء.
ولد نظامي في مدينة غنجة عام ١١٤١م وتيتم وهو صغير، وتولى تربيته عمه علي، ولا تسهب المراجع كثيراً في سرد سيرته الأدبية الذاتية ومن هم أساتذته، إلا أننا نعرف أنه كان شاعراً موهوباً غزير الإنتاج واسع المعرفة، ومن أعماله ديوان من الغزليات والموشحات وأشعار الحكمة يتكون من ٢٠٠٠٠ ألف بيت.
لكن أشهر أعماله قاطبة هو ملحمته القصصية الطويلة «بنج غنج»، وتعني الكنوز الخمسة، وتتألف من خمس منظومات من الشعر القصصي: مخزن الأسرار، وخسرو وشيرين، وليلى ومجنون، وهفت بيكر، وتعني العروش السبعة، وكتاب الإسكندر المقدوني، وتتفاوت أعداد أبيات الشعر في أجزاء هذه الملحمة القصصية، إلا أن أطولها هي قصة ليلى ومجنون، التي تتكون من عشرة آلاف بيت.
كان نظامي واعياً بمتطلبات عصره، وكان شاعراً موهوباً وعبقرياً باعتراف النقاد، وقد أثر في الأدب والتاريخ الأدبي بإيران وشبه القارة الهندية، ويعد رائد سرد القصة في الأدب الفارسي، وكان بارعاً في توظيف اللغة وإيجاد التركيبات الخاصة به وإبداع المعاني والمضامين الحديثة.
ترك نظامي للبشرية أحد أهم الموروثات الأدبية على الإطلاق، وكان منفتحاً على الثقافات الأخرى، ومع أن جذور الشعر القصصي كانت موجودة في الأدب الفارسي، إلا أنه استطاع أن يطور هذا النوع من الشعر ويصل به إلى ذروة الكمال، وعن طريق آثاره الأدبية انتشرت وتكررت قصة مجنون ليلى في آداب الشعوب في آسيا الوسطى، وقد صاغها كما وردت في التراث العربي القديم، الأمر الذي سهل انتقالها للثقافات الأخرى دون تحريف.
ورسم مبدعو المنمنمات الفارسية، أمثال آغا ميراك، ومير سيد علي، وميرزا علي، أحداث ملحمة نظامي، ولا تزال الرسومات محفوظة حتى يومنا هذا كدليل على ارتباط الرسم بالفنون الأدبية في الحضارة الفارسية.
وأطلقت جمهورية أذربيجان اسم الشاعر نظامي على أهم شارع في عاصمة البلاد باكو، وأسست معهداً للأبحاث الأدبية يحمل اسمه، ونصب له تمثال ضخم عام ١٩٤٩م.
توفي الشاعر نظامي الكنجوي عام ١٢٠٩م، لكن العالم لا يزال يتذكره حتى الآن كرمز من رموز حوار الحضارات في تاريخ الإنسانية، فقد كانت أمه كردية، واحتفى في شعره بالثقافات العربية، وكتب أشعاره باللغة الفارسية والأذرية، وكان رجل سلام ومحبة بالفعل تجسدت في شخصيته أسمى المشاعر الإنسانية، وكان منفتحاً على الثقافات، وتجاوز نشاطه الفكري عالم الشعر، فقد كان فيلسوفاً، واهتم بالعلوم والرياضيات والفلك، ولقدرته وبراعته الفائقة في استعراض الجزئيات، وإضفاء الصور والاستعارات الجميلة عليها، يعد عموداً من أعمدة الشعر الفارسي الأساسية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *