سنة الطبعة في قطر والخليج (1 – 3)

نوفمبر 2019

بقلم‭: ‬علي‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬الفياض

مرت دول الخليج العربي في تاريخها الحديث، ومنها قطر، بالعديد من الأزمات الاقتصادية، والكوارث الطبيعية، والأمراض والأوبئة، والخلافات والمشاكل والحروب، وعانى الإنسان الخليجي أشد المعاناة وأصعبها وأقساها، لكنه صبر وثابر وتحمّل قسوة الحياة وشظف العيش وشدة العناء والتعب، ليحصد في النهاية، بعد انقضاء عهد الغوص، الخير والرخاء والأمن والنماء، ويودّع زمان العوز والشقاء.
وكان أهل قطر والخليج يؤرخون أيامهم وولاداتهم ووفياتهم بالسنوات التي وقعت فيها بعض تلك الكوارث والحوادث الكبرى، ويطلقون عليها أسماء معينة تدل عليها، منها على سبيل المثال: سنة العسر، وسنة الطاعون، وسنة الجدري، وسنة الطبعة، وسنة ساحوت، وغيرها من الأسماء.
ومن أشد وأصعب وأقسى ما مر على قطر والخليج حادثة الطبعة، التي أطلق عليها «سنة الطبعة»، والطبعة بلهجة أهل الخليج تعني: غرق السفن، أما تاريخ هذه الحادثة فتذكر المصادر المعتمدة لها تواريخ مختلفة، لكنها متقاربة، فيذكر المؤرخ راشد بن فاضل البنعلي في كتابه «مجموع الفضائل في فن النسب والقبائل» أنها حدثت سنة 1343هـ / 1924م، وورد في كتاب «حادثة سنة الطبعة»، تأليف سعد بن عبدالعزيز السيف نقلاً عن المؤرخ النجدي عبدالله بن محمد بن بسام من كتابه «تحفة المشتاق في أخبار نجد والحجاز والعراق»: «ثم دخلت سنة 1344هـ، وفيها في الثالث عشر من ربيع الأول حصل في البحرين ونواحيه وأكثر جهات بحر فارس ضربة عظيمة في زمن الغوص تلف بسببها نفوس وأموال».
وهناك مصادر أخرى ذكرت تواريخ مغايرة، إلا أننا نستطيع أن نطمئن إلى أن سنة 1344هـ / 1925م هي السنة الصحيحة، بشهادة قول الشاعر ناصر بن حماد من أهل نجد، وكان شاهد عيان في تلك الحادثة، كونه كان يعمل «غيصاً» في أحد المحامل في هير الديبل، وقد قال:
أنا ما تهيا لي بعمري وهالني
سوى ليلة سودا على اللي سرى بها
يوم ان على الديبل تطبع بها الخشب
كم واحدٍ جت قدرته ما درى بها
ضربنا بنصف الليل نصفٍ من الشهر
شهرنا ربيع أول بعدة حسابها
في عام أربع وأربعين وثلاث
وألفٍ من الهجرة لمن لا درى بها

ويتفق المؤرخون على أن الشهر الذي حدثت فيه الطبعة هو شهر ربيع الأول، لكنهم يختلفون في اليوم، فمنهم من قال إنه الثاني عشر، ومنهم من قال إنه الثالث عشر، أما الشاعر ناصر بن حماد فيذكر كما مر بنا أنه نصف الشهر، أي اليوم الخامس عشر.
هذا عن تاريخ حدوث تلك الطبعة أو المأساة الكبرى التي ضربت قطر والخليج بأكمله؛ فماذا حدث في تلك الليلة الليلاء؟.
كانت ليلة مقمرة والبحر هادئاً كأنه لوح زجاج، بينما كانت سفن قطر والخليج موجودة على مغاصات اللؤلؤ في هير الديبل، وأم الشيف، وحالول، وأبا الحنين، وغيرها؛ ثم هبّت عاصفة هوجاء ورياح نشطة شديدة تصاحبها أمطار غزيرة، فثار البحر وزمجر، وتعالت أمواجه وتلاطمت جوانبه، ودفعت الرياح والأمطار السفن في كل الاتجاهات، فتلاطمت مع بعضها وارتفعت أمواج البحر، وتعالت أصوات خلق الله بترديد التضرع والتوسل إلى الله والالتجاء إلى رحمته وهم يصارعون هول هذه الليلة الحالكة الهوجاء، ويسمعون النداءات وأصوات الاستغاثة من كل الاتجاهات وهي تتعالى مع صرير الألواح وتمزق الأشرعة وتلاطم الأمواج، وغرق أكثر السفن والمراكب بمن فيها إلا من كتب الله له النجاة.. وبعد انتهاء العاصفة وسكون البحر هرعت سفن الإنقاذ من الموانئ القريبة حاملة الطعام والشراب والإسعافات الأولية، ونتج عن تلك الكارثة، بعد البحث والتحري، ما يلي:
– غرق 80% من السفن والمراكب الموجودة في عرض البحر.
– موت وفقد عدد كبير من الرجال من جميع الأعمار، وقيل إن عددهم وصل إلى خمسة آلاف شخص.
– أما السفن التي نجت فقد حدث بها تلفيّات كبيرة كما ذكر سعد بن عبدالعزيز السيف في كتابه «حادثة سنة الطبعة».
ويصف الكاتب نفسه ما حدث بصورة تراجيدية فيقول عن تلك المشاهد المروعة: «هب ذلك الإعصار القوي المدمر حتى أنك تشاهد السفينة الكبيرة تتقلب وتدور حول نفسها وكأنها لعبة في يد طفل يحركها ذات اليمين وذات اليسار، بينما يتناثر كل من في داخلها من رجال ومواد وأموال، ثم يختلط كل شيء مع أشلاء السفن وجثث الموتى، بينما تسمع في مكان آخر الصراخ والأنين والعويل وأنت عاجز عن القيام بتأدية عمل أي شيء. وهكذا امتلأ البحر بجثث الضحايا والقطع المتناثرة من أخشاب السفن وأشرعتها لتنتشر في كل مكان، وينتهي كل شيء، لتبدأ مأساة أخرى هناك على أسياف البحر حيث الأم والأب والابن والزوجة، التي كانت تنتظر وحيدها أو عائلها لتشاهد الأعلام السوداء (النوف) وهي مرفوعة على سارية بعض من نجا من تلك السفن لتنبئ عن فقدان من فقد من بحارتها».

وفي العدد القادم سنكمل عن سنة الطبعة على ألسنة رواة قطر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *