العمارة التقليدية في اليابان.. عندما ينتصر الخشب على الزلازل والعواصف

ديسمبر 2019

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

تقع اليابان بين المحيط الهادئ وبحر اليابان وشرق شبه الجزيرة الكورية، واسمها يعني «مشرق الشمس»، وأطلق عليها الصينيون هذا الاسم في العصور الغابرة، لأنها كانت تقع شرقي العالم المأهول.
وكانت اليابان منعزلة عن العالم لقرون طويلة، وقد أسسها الإمبراطور جينمو عام ٦٦٠ق.م، والعائلة الإمبراطورية اليابانية أقدم ملكية وراثية مستمرة إلى اليوم في العالم.
وتنتشر الجزر اليابانية على طول ساحل المحيط الهادئ، ويبلغ عددها ٦٨٥٢ جزيرة، بينها أربع جزر رئيسية، وهي كيوشو، وشيكوكو، وهونشو، وهوكايدو.
ومرت اليابان منذ تأسيسها بعدة مراحل تاريخية وحروب متواصلة، آخرها الحرب العالمية الثانية التي هزمت فيها من قبل الحلفاء عام ١٩٤٥م، وعلى الرغم من ذلك أصبحت الآن دولة رائدة في جميع المجالات، مثل صناعة السيارات، والاختراعات في مجال التكنولوجيا الدقيقة ونظم المعلومات، وتعد من أكبر الاقتصادات في العالم، ويرجع الفضل في ذلك إلى نظامها الديمقراطي المستقر بعد وضع دستورها عام ١٩٤٧م، واحترامها ومحافظتها على ثقافتها التقليدية، التي تعد أساس نظامها التعليمي، وتضبط إيقاع الحياة فيها.
تشرّب الفكر والثقافة اليابانية بالعديد من الظواهر الثقافية الوافدة من دول الجوار الآسيوية، خصوصاً الصين وكوريا، وقد انصهرت هذه العناصر الوافدة عبر التاريخ مع الثقافة اليابانية لتشكل الثقافة اليابانية الفريدة، ونمط الحياة اليابانية اليوم هو مزيج من هذه الثقافات الآسيوية التقليدية والثقافة الغربية الحديثة، لكنها لم تؤثر في نمط التقاليد العائلية الموروثة، وثقافة الطعام، والعمارة التقليدية اليابانية، وهي عريقة عراقة الشعب الياباني نفسه، ولا تزال أنماط العمارة التقليدية منذ القرن السابع الميلادي متوارثة في الطراز المعماري الياباني حتى اليوم.
ويعد الخشب مادة أساسية في العمارة التقليدية اليابانية، وقد فرضت الظروف المناخية والموقع الجغرافي للجزر اليابانية على الشعب الياباني بناء منازل ودور عبادة آمنة يمكن أن تصمد أمام العواصف والزلازل التي تضرب اليابان طوال العام، بجانب الرطوبة العالية التي تؤثر في المباني المبنية من المواد الصلبة من الحجر والطين، وقد عثر الباحثون على أقدم البيوت الخشبية في العالم، الذي بني في أوائل القرن السابع الميلادي، في هوريو- جي شمال شرق اليابان.
وتنقسم العمارة التقليدية اليابانية إلى ثلاثة أقسام: دور العبادة (المعابد)، والقصور والقلاع الإمبراطورية، والمباني التقليدية لسكان المدن، ويرجع تاريخ كثير من القلاع والقصور إلى القرون الوسطى.
ومن أقدم الشواهد على القصور والقلاع الخشبية التي بنيت في العصور الوسطى وبقيت صامدة حتى الآن قلعة هيميجي في محافظة هيوغو، وقلعة أوساكا التي لعبت دوراً مهماً في توحيد اليابانيين في القرن السادس عشر، وهناك قلاع أخرى مثل أزوتشي، وإيدو، وشوري، وكانازاوا، وماتسوموتو، وعلى الرغم من أنها في البداية كانت تتكون من الخشب والحجر، إلا أن بعضها تطور وأخذ شكل القلاع الأوروبية في القرن السادس عشر.
تعرضت الأخشاب التي استخدمت في بناء القلاع إلى التدمير بمرور الزمن، لكن الكثير منها رُمّم خلال الفترة (١٦٠٣-١٨٦٧) بوصفها من مواقع التراث الوطني، وتشير بعض المصادر إلى أنه يوجد الآن حوالي خمسة آلاف قلعة في اليابان بعضها محافظ على حالته الأصلية منذ أن بني عام ١٦١١م، مثل قلعتي ماتسويه وكوتشي.
ومن أشهر القصور في اليابان القصر الإمبراطوري، الذي بني في نارا عام ٧١٠م عندما كانت مدينة نارا عاصمة اليابان، وهو مبنى كبير على مساحة اثني عشر هكتاراً، وتأثر بعوامل الزمن وطمست كثير من معالمه، لكن الحكومة اليابانية بدأت مشروعاً من أكثر المشاريع الأثرية طموحاً في العالم للتنقيب حول القصر لإظهار باقي ملامحه ومبانيه.
وتعد مدينة نارا القديمة أحد مواقع التراث العالمي في لائحة التراث العالمي لليونسكو، وأغلب مبانيها القديمة يرجع تاريخها إلى القرن السابع، لهذا يوجد بها عدد كبير من المعابد القديمة والآثار التي تعكس مراحل مهمة من تاريخ اليابان.
البيت الياباني التقليدي، الذي يعيش فيه اليابانيون في العصر الحديث، مبني على أساس فلسفة البناء الخشبي المتوارثة عبر القرون، ويتكون من طابق واحد أو طابقين، والغرف مصممة على الطراز الياباني، وهي ذات مساحات محدودة، ويستغل المكان بذكاء، وهي معدة للتعديل والتنسيق بما يسمح بالتأقلم مع تغيرات المناخ، ولا يوجد أبواب أو شبابيك أو أرضيات تقليدية، وتستخدم الأبواب المنزلقة بدلاً من الجدران، ويجلس الناس عادة على الأرض، وأرضية المنزل مرتفعة قليلاً عن مستوى مدخل الباب لتفادي دخول مياه الأمطار الغزيرة أو تسرب الرطوبة داخل المنزل.
ولا يوجد في المنزل الياباني أسرة للنوم، إنما ينام الناس على الأرض، وتوافر أرضية المنزل المبنية من القش شعوراً بالراحة، أما الحمامات فمنفصلة تماماً، وجميع أجزاء المنزل مصنوعة من الخشب (من ألواح، وقش، ولحاء الشجر وورقه)، واستغني عن المواد الصلبة في البناء، مثل الحجر والطين كعناصر أساسية، إلا في السقف القرميدي الذي يسمح بمرور مياه الأمطار.
إن اعتماد العمارة التقليدية على الخشب مادة للبناء يتوافق مع طبيعة البيئة الرطبة في اليابان، خاصة خلال أشهر الصيف الحارة، وتساعد الأرضيات المرتفعة والمساحات المفتوحة على توفير التهوية المناسبة التي تمنع تراكم العفن السام، كما أن العوارض والأعمدة الخشبية تلعب دوراً مهماً في مقاومة الزلازل ورياح الأعاصير، ويعتمد المعماريون حالياً التصاميم التي تمزج بين المواد الطبيعية وأسلوب الحياة العصرية المريحة.
تغطي الغابات الجبلية ٧٠٪ من المساحة الكلية لليابان، وهي غير صالحة للسكن أو الاستثمار الزراعي، لكن الشعب الياباني نجح في التوافق معها وحمايتها واستغلالها لتكون ساعده الأيمن في بناء مأواه الذي يتحدى الأعاصير والزلازل.
لقد أعطت الثقافة التقليدية اليابانية الخشب مضموناً جديداً ودوراً جديداً في الحياة، دوراً لم يجده في أي ثقافة أخرى من ثقافات العالم.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *