«عاشقة الضاد» لزينب المحمود.. إضافة ثرية للشعر القطري

ديسمبر 2019

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

تلعب المؤسسات الثقافية التي أسست حديثاً في دولة قطر دوراً حيوياً في دعم الحياة الثقافية في قطر، في مختلف مجالات الفنون والآداب والتراث، لتلعب دورها في التنمية المستدامة، ومن بين هذه المؤسسات مركز قطر للشعر «ديوان العرب»، الذي أسس عام ٢٠١٧م، ويهدف إلى نشر ثقافة الشعر وخلق جيل من الشعراء المبدعين في الدولة وتشجيعهم بنشر إنتاجهم.
ومن الدواوين التي نشرها المركز مؤخراً ديوان «عاشقة الضاد» للشاعرة زينب المحمود، وقبل أن ندلف إلى دهاليز أبواب الديوان، يستحسن أن نلقي الضوء على موضوع حرف الضاد في الثقافة العربية، والشعراء العرب الذين سبقوا زينب المحمود في الهيام باللغة العربية والتغني بمحاسنها.
اللغة العربية من اللغات السامية، وهي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، ويؤدي بها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها صلواتهم وعباداتهم، وتتكون من ثمانية وعشرين حرفاً، من بينها حرف الضاد، وهو الحرف الخامس عشر في ترتيب الحروف الأبجدية.
وتتفق جميع مصادر تاريخ اللغة العربية على أن سبب تسمية اللغة العربية بلغة الضاد يرجع إلى القرنين الثاني والثالث الهجريين، فعندما انتشر الإسلام واعتنقته كثير من الشعوب الأعجمية، أخذت هذه الشعوب تتعلم اللغة العربية لفهم القرآن وأداء الصلوات والعبادات، لأن القرآن لا يترجم، وقد عجزوا عن نطق حرف الضاد أثناء تعلمهم لها، وتأكد لهم أنه الحرف الوحيد الذي يوجد فقط في اللغة العربية ولا يوجد في أي لغة أخرى من لغات العالم، وأطلقوا على اللغة العربية منذ ذلك الوقت اسم لغة الضاد، تمييزاً لها عن لغات العالم الأخرى.
أولى اللغويون بعد ذلك حرف الضاد عنايتهم، وتعمقوا في دراسة مكانته في اللغة العربية، ومن أبرزهم عمرو بن عثمان الملقب بسيبويه (٧٦٠-٧٩٦م)، الذي قال إن حرف الضاد أحد الأصوات غير المستحسنة ولا الكثيرة في اللغة، ومن لا يستطيع نطق حرف الضاد بطريقة صحيحة لا يمكنه قراءة القرآن ولا الشعر بطريقة صحيحة.
وتنسب كثير من مصادر الأدب إلى الشاعر العباسي أبي الطيب المتنبي (٩١٥-٩٦٥م) انتشار تسميته اللغة العربية بلغة الضاد، وكان شديد الاعتداد بنفسه، وقال في أبيات له:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي
وبنفسي فخرت لا بجدودي
وبهم فخر كل من نطق الضاد
وعوذ الجاني وغوث الطريد
لكن بعض علماء الفقه واللغة أفتوا أن هناك حروفاً أخرى في اللغة العربية، مثل حروف الألف واللام والظاء، توجد في اللغة العربية ولا توجد في لغات الأمم الأخرى، لكن شهرة المتنبي شاعراً هي التي جلبت الصيت الحسن لحرف الضاد، ويقول الإمام الداني القرطبي (٣٧١-٤٤٤هـ) في كتابه «الفرق بين الضاد والظاء»: وقد أجمع علماء اللغة أن العرب خصت بحرف الظاء دون سائر الأمم، لم يتكلم بها أحد غيرهم، ولغرابتها صارت أقل حروف المعجم وجوداً في الكلام وتصرفاً في اللفظ واستعمالاً في ضروب المنطق، فهي لا توجد إلا في نحو مئة كلمة من جملة كلام العرب.
الرأي نفسه يؤكده الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو صاحب أحد أقدم القواميس في اللغة العربية، وقال إن الظاء هو الحرف الذي خُصت به العرب من دون سائر الأمم ولم يعط أحداً من العجم، إلا أن أبيات المتنبي في التفاخر بحرف الضاد انتصرت على آراء اللغويين.
هذا الجدل اللغوي المتخصص لم يقلل من اعتماد شعراء العصر الحديث تسمية اللغة العربية بلغة الضاد، فيقول الشاعر والناقد اليمني عبدالله البردوني (١٩٢٩ – ١٩٩٩):
إنّما العرب أمّة وحّدتها
لغة الضاد والدما والعناصر
إنّما العرب أمّة هزّت الدنيا
وشقّت سود الخطوب العواكر
إنّ للعرب غابراً داس كسرى
وتمشّى على رؤوس القياصر
فاستمدّي يا أمّتي من سنا الماضي
معاليك واعمري خير حاضر
كل ما أوردناه يؤكد أن افتخار الشاعرة زينب المحمود باللغة العربية وهيامها بها له جذور تاريخية في اللغة العربية ألهمتها أن تجعل من عشقها للغة الضاد عنواناً لديوانها، بل وأفردت له باباً خاصاً أسمته «في محبة الضاد»، والقصيدة القصيرة التالية تمثل حبها للغة العربية خير تمثيل:
هنا جذري، هنا قلبي، هنا لغتي
وظل الروح، أعرافي ووجداني
هنا الضاد الفصيحة فيها عافيتي
بها فكري وآهاتي وأحزاني
ومزمار لها طربي ولذاتي
به جذري به ساقي وعنواني
أنا ما زدت في حرفي لقافيتي
ولا بالغت في رسمي وألواني
به جاءت حروف النور موعظة
وخُطّ به كتاب الله قرآني
يبلغ عدد صفحات الديوان ٢١١ صفحة من القطع الصغير، وعدد قصائده اثنتين وستين، بعضها قصائد طويلة وبعضها الآخر يتكون من عدة أبيات. قسمت الشاعرة ديوانها إلى خمسة أبواب، وهي على التوالي: «جذوعي وفروعي»، و«وطنيات»، و«بوح ومناجاة»، و«في صحبة الضاد»، واختتمته بباب «من دوحة الشعر».
يغلب على شعر زينب المحمود العواطف الوجدانية وشعر المناسبات، ولها قصائد ذات مناحٍ فكرية وفلسفية واضحة، مثل قصيدة «من أكون؟» وقصيدة «المجد ديوان العرب»، وتجلت موهبتها الشعرية في قصائدها الوطنية، التي جارت فيها الأحداث الجسام بعد الحصار الجائر على دولة قطر، مثل قصيدة «الحق أنت»، وهي قصيدة رائية طويلة تعد من أفضل قصائد الديوان، وتقول في مطلعها:
الحقُّ أَنتِ وأَنتِ السمع والبصرُ
والنورُ نورُك يسعى اليومَ يا قطرُ
للجار حافظةٌ للعهدِ صائنةٌ
والبرُّ طبعُك لا مكرٌ ولا كَدَرُ
تنتمي الشاعرة إلى مدرسة الشعر العمودي، لكن ثقافتها الشعرية قادتها إلى الاعتراف بالشعر الحر، الذي نظمت به أكثر من قصيدة لا تقل جودة وتماسكاً عن قصائد الشعر العمودي، منها قصيدة «ما عيينا»، وتقول في مطلعها:
ما عيينا
رغم ما مرّ علينا
من صروف تنثر الصخر طحينا
ما يئسنا في ظلام ودياجي
ما تعبنا من طويلات الفجاج
ما رغبنا في حياة
نحتسي أيامها ذلاً وهوناً
الديوان بلا شك إضافة لمكتبة الشعر في قطر، وهو ديوان نادر في موضوعه، وأثبتت صاحبته أنها صوت شعري نسائي جديد ينضم إلى كتيبة الشاعرات القطريات اللائي ينشطن في الحياة الثقافية في قطر، أمثال سعاد الكواري، ود. زكية مال الله.
وفي دواوينها القادمة، نأمل أن تحلق زينب المحمود في أجواء مواضيع الشعر العربي وأبوابه المتعارف عليها، بعد أن أوفت حرف الضاد ما يستحقه من اهتمام وعشق، فالشعر ساحة للوجدان والعواطف بقدر ما هو ساحة للفكر والمعرفة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *