سنة الطبعة في قطر والخليج (2 – 3)

ديسمبر 2019

بقلم‭: ‬علي‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬الفياض

سنة الطبعة على ألسنة رواة قطر:
تحدث بعض الرواة في قطر عن سنة الطبعة، التي أطلقوا عليها اسم الدالوب، أو سنة الدالوب، والدالوب في اللهجة القطرية والخليجية بمعنى العاصفة القوية، وكان بعضهم معاصراً لها، وبعضهم ولد بعدها لكنه ملم بتفاصيلها التي نقلها عن المعاصرين لهذه الحادثة من الرواة والإخباريين.
ومن الرواة القطريين الذين تحدثوا عنها وذكروا بعض تفاصيلها، الراوي المعروف علي بن خميس الحسن المهندي، أطال الله عمره، وهو من الذخيرة، وقد عاصر تلك الحادثة، وجاءت روايته في كتاب «ذاكرة الذخيرة»، وقال إنه عندما حدثت عاصفة الدالوب كان مع والده في الغوص، ويذكر أنه أصبح الصباح فوجد الريح ساكنة (خواهر)، والبحر هادئاً (سبحة)، وأخذ ينظر حوله فرأى السفن (الخشب) غارقة بعد العاصفة الشديدة التي هبت ليلاً وجعلت السفن تتصادم بعنف وقوة، مما جعلها تتحطم، مخلفة وراءها دماراً ووضعاً كارثياً أسفر عن غرق الكثير من السفن الموجودة في مغاصات اللؤلؤ، ومات بسبب ذلك الكثير من البحارة الذين ابتلعتهم الأمواج، ونجا عدد آخر منهم.
ويذكر الراوي أن سفن الذخيرة لم يتعرض أي منها للغرق، أما الخور فقد غرق عدد من سفنها، من بينها سفينة تدعى (جوهر السفن) لمالكها النوخذة عبدالوهاب بن علي المحري.
أما الراوي علي بن عيد الكواري رحمه الله، وهو من أهل سميسمة، فيقول عن الطبعة أو الدالوب كما ورد في كتاب «الغوص في قطر»: «كنا في إحدى ليالي 17 من شهر عربي، ولا أذكر السنة بالضبط، وإنما هذه الليلة لا تُنسى، حيث كنا مع النوخذة ابن مترف الحميدي، وكان الوقت علينا المغرب، وتفاجأنا بالغبار والسحب التي كانت عبارة عن طهوف تبدو من بعيد وليست قريبة، وساعتها كنا في شمالي المرونة، وفويرط في (هير الغليل)، وبعد شوي اعتفس الجو علينا، وبدأت الرياح تزداد بشكل مخيف، وكثر الغبار مما أدى إلى انعدام الرؤية، وكانت سفن كثيرة قريبة منا، ولم نعرف ماذا أصابنا وقتها؛ حيث كان الدالوب قوياً جداً مما أدى إلى انقطاع (الخراب)، ومن ثم وجهنا السنبوك في اتجاه الريح، وبعد مسيرة ما يقارب الكيلو تقريباً بدأ الدالوب يخف شيئاً فشيئاً، وهذا الأمر حصل لنا مع انتهاء الغوص، وفي الليل سمعنا صراخاً بالقرب منا، وصوت رجال يطلبون النجدة وهم في البحر بعد أن غرقت مراكبهم، وفي الحال توقفنا وأسعفناهم ومن ثم تعرفنا عليهم، وهم من أهل فويرط والذخيرة، وبعدها بندرنا في الذخيرة، ونزلنا الغرقى الذين أسعفنا وأكملنا المسير إلى قريتنا سميسمة، حيث كان الأهل والأقارب ينتظرون على السيف، ونجونا من هذه الأهوال التي لا يصدق العقل النجاة منها».

أما الراوي إبراهيم بن علي المريخي، شفاه الله وعافاه، فقد ولد سنة 1925م، وهي سنة الطبعة نفسها؛ لذا فإنه لم يشاهد تلك الأحداث، لكن خاله علي بن مفتاح المريخي روى له قصة هذه الحادثة المأساوية مع ابنه الصغير، الذي لم يتجاوز سبع السنوات، ولم ينجب غيره، فكان من أعز الخلق عنده، وعندما غرقت السفينة التي كانا يعملان فيها وانقلبت وأصبح عاليها سافلها، خرج هو وابنه ممسكاً به من تحت السفينة، وبدأ بالسباحة وانتظار الفرج من الله، وكانت المصيبة أن الموج يلطم وجهه بشكل سريع ومتكرر، وبدأ بطنه يمتلئ بالماء، وأخذ منه التعب والإنهاك كل مأخذ، وبدأ يداخله الإحساس والحزن باقتراب أجله وأجل ابنه، و«هنا أخذت قراري عند إحساسي بالموت أنه يجب أن يعيش أحدنا»، وكان ذلك الإحساس مشتركاً عنده وعند ابنه، وهنا توقف الوالد عن السباحة وأمسك يدي ابنه وفكّها من رقبته لقوة شعوره باقتراب الموت منه، وعندما أطلقه من رقبته صاح الابن وصرخ صرخة ظلت ترن في أذنه ويسمعها كل يوم، قال له: «سلم على أمي»، وقد غرق الابن وابتلعته الأمواج، ونجا الوالد وعاش حتى حكى حكايته الدرامية التي بلغت قمة المأساة، رحم الله الجميع، وقد روى هذه القصة الراوي إبراهيم بن علي المريخي في كتاب «الكنز»، الذي أعده سلطان بن إبراهيم المريخي وجاسم بن إبراهيم المريخي.
وفي العدد القادم سنكمل عن سنة الطبعة على ألسنة الشعراء.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *