مبارك بن ناصر آل خليفة:ثقافتنا متأصلة، وهي ليست ثقافة البترول والجمل

ديسمبر 2019

العدد (33) – نوفمبر ٢٠١٠
سعادة السيد مبارك بن ناصر آل خليفة الأمين العام لوزارة الثقافة والفنون والتراث من الشخصيات القطرية التي تمتلك مشواراً كبيراً في مجال الثقافة يمتد لأكثر من ربع قرن، فقد بدأ العمل في إدارة الثقافة حينما كانت جزءاً من وزارة الإعلام في مطلع الثمانينيات، وذلك بعد أن أنهى دراسته الجامعية في الولايات المتحدة الأمريكية في تخصص العلوم السياسية، وقد استمر في العمل الثقافي خلال الفترة السابقة بكل ما فيه، وما زال مستمراً في خدمة الثقافة من خلال تدرجه في المناصب الثقافية، وهو الآن بدرجة وكيل وزارة.
الحديث معه كان متشعباً، وتناولنا خلاله الهم الثقافي والمستقبل المنظور للثقافة من خلال ما تمتلكه الوزارة من إستراتيجية تعمل من خلالها.
أبو عبدالله كان صريحاً وواضحاً في حديثه، ولن نطيل في المقدمة، فما ستقرأونه فيه الكثير من التفاصيل..

• بداية سعادة الأمين العام نود أن تحدثنا عن بداية ارتباطك بالعمل الثقافي..
– أولاً أرحب بكم، وفي الحقيقة مجلة الريان من المجلات التي أثبتت جدارتها، سواء في قطر أو خارجها، وأنا من المتابعين للمجلات المحلية بشكل عام، ويسعدني أن أرى مجلات راقية ترفع اسم قطر.
وبالعودة إلى سؤالك فأنا أنهيت دراستي في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1981م، بعدها التحقت بإدارة الثقافة التي كانت تتبع وزارة الإعلام، ثم عينت سكرتيراً لمؤتمر وزراء الإعلام، وأشرفت على مؤتمر الوزراء الذي عقد في العاصمة مسقط عام 1981م، وكان من المفترض أن تكون سكرتارية وزراء الإعلام ثابتة في دولة قطر، إلا أنه اتُّفق فيما بعد على أن تكون دورية بين دول المجلس.
وبعد أن عدنا إلى قطر عُينت مساعداً لمدير إدارة الثقافة والفنون، ثم مديراً للإدارة نفسها، وبعد أن حُلّت وزارة الإعلام وأنشىء المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث عام 1998م نقلت إلى الأمانة العامة في مكتب الشيخ سعود بن محمد آل ثاني، وبعد مدة ابتعدت عن العمل الثقافي حوالي خمس سنوات، وعندما تولى سعادة الدكتور محمد كافود أمانة المجلس الوطني طلب مني أن أكون خبيراً في المجلس، وأنا أحد أبناء الوزارة، وحينما يطلب مني العمل في أي مجال يخدم الثقافة ألبي الطلب، وقد عملت معهم خبيراً حتى صيف عام 2006، حينها عينت بقرار من سمو أمير البلاد المفدى حفظه الله أميناً عاماً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث بدرجة وكيل وزارة، وبعد أن حوّل المجلس عام 2007م إلى وزارة ظل المسمى الخاص بي أميناً عاماً، لأن هذا المسمى منحني إياه سمو الأمير المفدى، وفي الحقيقة أنا فخور بما أسند إليّ من مهام، وأنا أحد أبناء الوطن، يشرفني خدمة وطني في أي مجال.

• بعد 30 عاماً من العمل في المجال الثقافي، كيف تنظر إلى المشهد الثقافي القطري بين الماضي والحاضر؟
– في البدايات وحينما كنت مساعداً لمدير إدارة الثقافة، كنا نعاني من نقص في الميزانيات، وكنا نعتمد بشكل أساسي على التبادل الثقافي مع السفارات المعتمدة لدى الدولة، وذلك من خلال الاتفاقيات الثقافية الموقعة مع دولهم، فكنا نستضيف الأسابيع الثقافية ونستعين بفرق فنية ومسرحية من تلك الدول، ونظراً لقلة الموارد كنا نتعاون من أجل تقليل الاعتمادات المالية، أما الآن فنحن ولله الحمد نتلقى دعماً من سمو الأمير حفظه الله وسمو ولي العهد ومعالي رئيس مجلس الوزراء، لذلك تجد أنشطتنا متنوعة ومختلفة، أما في الماضي فقد كنا نتحرك وفق الإمكانات المتاحة لنا، وفي ذلك الوقت لم تكن لدينا الكوادر المؤهلة، عكس الآن، فنحن نملك كوادر مؤهلة من أبناء قطر وبعض الإخوان العرب، ومن يقود فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة هم من أبناء قطر، ونحن على استعداد تام لإقامة أي حدث مهما كان كبيراً بفضل هذه الكوادر، ولأن البنية التحتية موجودة.

• هل تمتلك وزارة الثقافة إستراتيجية للعمل الثقافي المستقبلي، سواء كان قريباً أو بعيداً؟
– نحن ننطلق في عملنا من خلال «رؤية قطر»، وكانت لدينا إستراتيجية قديمة منذ الثمانينيات، لكن المتغيرات في المشهد الثقافي وتبعية الثقافة جعلت الإستراتيجية متغيرة لتتماشى مع المستجدات، والآن لدينا إستراتيجية للشباب وأخرى لقطاع الثقافة، وسترى النور قريباً.

• نحن الآن على وشك الانتهاء من احتفالية الدوحة عاصمة للثقافة العربية لعام 2010، هل أنتم مستعدون لاختتام نشاطاتكم في الربع الأخير من العام؟
– نحن بدأنا بتاريخ 28/1/2010م، وحاولنا أن نكثف نشاطاتنا في الربع الأول من السنة، وأود أن أشير هنا إلى أن وزارة الثقافة لم تعمل وحيدة في هذا الشأن، فقد كُونت لجنة عليا تضم ممثلين من وزارات مختلفة، وساهمت هذه اللجنة في وضع تصور لفعاليات الدوحة عاصمة للثقافة العربية، وهناك مشاركات من هيئات ومؤسسات ووزارات، مثل مؤسسة قطر وهيئة متاحف قطر ووزارة الأوقاف ووزارة الداخلية، ولا ننسى الدعم الذي قدمه لنا المكتب الهندسي الخاص بتوفير قاعات في سوق واقف، وهناك استطعنا أن نتواصل مع الجمهور، لأن سوق واقف معلم من معالم قطر.
وكل الجهات في الدولة ساعدتنا، ونحن نقدم لهم الشكر على جهودهم، وفي وزارة الثقافة نحن لا نحتكر العمل الثقافي، بل نحن – وبناء على تعليمات سعادة الوزير – على أتم الاستعداد لدعم أي جهة تعمل في المجال الثقافي.

• انطلقت فكرة العواصم العربية عام 1996م وبدأت بالقاهرة، ما الذي يميز الدوحة عن غيرها من عواصم الثقافة العربية من خلال متابعتكم؟
– لكل دولة رؤية فيما تقدمه، وقد حاولنا الاستفادة من تجارب من سبقنا، مثل الجزائر والقاهرة ودمشق، وشاركنا في دعم القدس عاصمة للثقافة العربية بناء على توجيهات حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى.
ونحن انطلقنا بشعار «الثقافة العربية وطناً والدوحة عاصمةً»، وركزنا على أن نكون ملتقى لجميع العواصم العربية، ففي الافتتاح كان هناك عمل مشترك، وهو بيت الحكمة بمشاركة سورية، واحتفلنا بمئوية أبي القاسم الشابي، واستضفنا عدة أسابيع عربية، كما كان هناك بعد عالمي، فكانت تركيا ضيف شرف في معرض الكتاب، واستضفنا عدداً من الأسابيع الثقافية لعدد من الدول الأجنبية، مثل كوبا وفنزويلا واليابان وغيرها، وقد لمسنا أصداء واسعة لما قمنا به من خلال الآراء التي تلقيناها من الأشقاء والأصدقاء.

• استُضفتم في برنامج «لكم القرار»، وفي الاستفتاء الخاص بالبرنامج أظهرت نسبة كبيرة من الحضور عدم رضاها عما تقدمونه في فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة العربية، فما ردكم؟
– عندما جئت إلى البرنامج لاحظت أن أغلب الحضور ليسوا من المتخصصين في العمل الثقافي، وعندما تابعت موقع البرنامج على الإنترنت واستمر التصويت فيه لمدة طويلة وجدت أن نسبة التأييد للوزارة حوالي 95٪، وهذه هي النسبة الحقيقية، لأن ثلاثين شخصاً في البرنامج لا أعتقد أنهم يمثلون قطر أو الشريحة الثقافية، وأنا في الحقيقة لا تزعجني آراؤهم، ومن حق الكل أن يسأل وأن يستفسر، وأعتقد أن من يعمل هو الذي يخطئ، ونحن بشر، كما أنهم تحدثوا عن مدة طويلة، أي منذ عام 2002م، وأنا حينها لم أكن أميناً عاماً، لكنني لم أتنصل من الإجابة والمسؤولية بحكم إلمامي بالعمل الثقافي، ولولا التخطيط والإشراف المباشر لما رأينا نجاح فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة، وقد لمسنا ذلك من خلال الآراء التي نواجهها.

• البعض يقول إن هناك نقصاً في الفعاليات الشعبية، مثل الأمسيات الشعرية والمحاورة وغيرها، فما ردكم؟
– كل إنسان من حقه أن يبدي رأيه، ونحن ركزنا على جوانب كثيرة ومتعددة، مثل المسرح والموسيقى والشعر النبطي والفصيح والسينما، وهنا لا نستطيع أن نركز على جانب دون آخر، فهذه فعاليات ثقافية وليست مهرجاناً متخصصاً في الشعر، ومع هذا شكلنا لجنة للشعر في البداية، ولم نرفض أي طلب لهذه اللجنة، وفي البداية كان الأخ فالح العجلان مسؤولاً عن هذه اللجنة، وبعد ذلك ونظراً لظروف خاصة رُشح الأخ حمد بن محسن النعيمي، وتستطيع أن تسأله عن مدى تعاوننا معه، لكن يجب أن يدرك الناس أن هذه الوزارة ليست وزارة للشعر، بل هي غطاء ووعاء لجميع جوانب الثقافة، ومع ذلك فقد كان للشعر حقه في الفعاليات.

• هل هناك نصيب للشعر في الربع الأخير؟
– في الحقيقة طلبت من الأخ حمد بن محسن أن تكون هناك محاورة وأمسيات شعرية، والأسابيع الثقافية العربية كان من ضمن برامجها أمسيات شعرية، مثل الأسبوع السعودي والأسبوع الجزائري والموريتاني والمصري، ونحن بصدد استضافة أسابيع عربية قد تتضمن أمسيات شعرية، والصالون الثقافي قد يستضيف شعراء من داخل دولة قطر.

• أُصدرت مجلة «العاصمة» بالتزامن مع انطلاق فعاليات الدوحة عاصمة للثقافة العربية، حدثنا عن هذه المجلة، وهل ستستمر أم ستتوقف مع نهاية عام 2010م؟
– هي الآن خاصة بالدوحة عاصمة للثقافة العربية، لكنني لا أخفيك أننا ننوي استمرارها، ومن خلال هذه المجلة عملنا على توثيق الأحداث الثقافية خلال عام 2010م، وسوف نصدر مجلداً يضم جميع الأعداد ليكون مرجعاً، كما أننا ننوي إصدار كتاب حول هذا الموضوع ستتولى طباعته إدارة الدراسات والبحوث، ولدينا فكرة لتصوير فيلم وثائقي عن فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة العربية.

• بعد غياب مهرجان الدوحة الثقافي لمدة عامين، هل سيعود مجدداً؟
– إن شاء الله، وقد كان للغياب مبررات، فالغياب الأول كان بسبب أحداث غزة، وقطر لا يمكن أن تنظم مهرجاناً وغزة ترزح تحت نيران الاحتلال الإسرائيلي، والغياب الثاني كان بسبب اختيار الدوحة عاصمة للثقافة العربية 2010م، فهي على مدار العام في مهرجان مستمر، وبناء على توجيهات سعادة الوزير ننوي الاستمرار على وتيرة عام 2010م في العام القادم، مع اختلاف المسمى، لأن العاصمة في العام القادم سوف تكون مدينة «سيرت» الليبية.

• مجلة الدوحة مجلة عريقة، حدثنا عنها..
– مجلة الدوحة الحالية يقارنها الناس بتلك التي كانت تصدر في السبعينيات، لكن هناك أشياء كثيرة اختلفت، الجيل والكُتاب، والفكر المطروح سابقاً قد لا يكون مقبولاً الآن، والمجلة حالياً مطلوبة بشكل كبير، ونحن نحرص على وصولها إلى أكبر شريحة من الجمهور العربي.

• ما مدى رضاكم عن الإعلام القطري والعربي في تغطية فعاليات الدوحة عاصمة للثقافة العربية؟
– صراحة لم أتوقع الصدى الذي وصلت إليه هذه الفعاليات، وقد لمست هذا من خلال زياراتي لبعض الدول، فهناك إشادة كبيرة بما نقدمه، حتى إنه في الاجتماع الأخير لوزراء الثقافة الذي أقيم في دولة الكويت طلب المجتمعون رفع برقية شكر لقطر على ما قدمته هذا العام من خلال الاحتفالية ووصفها من أميز العواصم العربية للثقافة، ونحن هدفنا أن نقدم الأميز، وأن نرفع اسم قطر عالياً، فهناك تطور في قطر على مختلف المستويات، ولا بد للثقافة أن تواكب هذا التطور، ومتى كنت حريصاً على ثقافتك استطعت الحفاظ على هويتك وإثبات وجودك، ومن خلال ذلك نستطيع أن نصدر ثقافتنا وأن نُعرف العالم أننا عكس ما كان يروج عنا قديماً من أننا فقط نملك ثقافة «البترول والجمل»، فنحن نملك ثقافة عريقة ومتأصلة.

• ما مدى التنسيق في العمل الثقافي بين دول مجلس التعاون؟
– هناك تواصل بين دول المجلس، فهناك لجنة ثقافية عامة تضم مديري الثقافة وتجتمع بشكل دوري، وهذه اللجنة تضع السياسات والبرامج الثقافية المشتركة والإستراتيجيات وترفعها إلى أصحاب السعادة الوكلاء لمناقشتها، ومن ثم الوزراء، ومن خلالهم ترفع إلى أصحاب السمو القادة لإقرارها.

• هل تعتقد أنها تلبي طموحات الشعوب الخليجية؟
– صحيح أننا ما زلنا نطمح لتحقيق الأكثر، وهذا مطلب الشعوب، ومطالب الشعوب دوماً حق، لكن القريب من العمل الثقافي يلمس أن هناك جهوداً تبذل لمزيد من التواصل، ولدينا الكثير من الأنشطة المشتركة وتقام بشكل دوري بين دول المجلس، مثل الأنشطة المسرحية والفنية والأدبية، ومؤخراً قررنا إقامة أسابيع ثقافية مشتركة في بعض الدول.

• نحن نعرف أنك شاعر، فهل أبعدك العمل الثقافي عن الشعر؟
– أنا لا أطلق على نفسي مسمى شاعر لكي لا أظلم نفسي، ومن الظلم أن يقارن أحد نفسه بالشعراء الكبار الذين لهم باع طويل، فأنا لي قصائد معدودة في سمو الأمير وفي بعض الأمور الخاصة، ولست حريصاً على الوجود في الإعلام شاعراً، وأريد هنا أن أتناول بعض الهموم في مجال الشعر، فبعض ما ينشر لا يصلح للنشر، لأنه شعر يتجاوز الخطوط الحمراء من ناحية الإسفاف وقذف الشعراء الآخرين وقبائلهم، وهناك من يأتي بالشعراء من أجل المديح، ونسي هذا أن من لا يستحق المدح لن ترفعه مثل هذه القصائد، كما أن الشعر في الوقت الحالي لا يعتمد على الشعر فقط، وهذا ما نراه من خلال التصويت، وأصبحت هذه الطريقة من أسباب إحياء العنصرية القبلية، فكل شاعر ينادي باسم قبيلته، ومن المفترض أن تكون في هذه المسابقات لجان متخصصة ومحايدة تحدد الشاعر الفائز، ومع أن بعض هذه البرامج أساءت إلى الشعر، إلا أن هناك شعراء مميزين خرجوا من تحت عباءتها.

• ما الهوايات التي تحرص على ممارستها؟
– أنا من محبي القنص، خاصة في العراق، وعندما كانت الأمور مستقرة في العراق كنت أقنص أنا والوالد رحمه الله وبعض الإخوان هناك، لكن ما يحدث الآن في العراق جعلني أبتعد عن هذه الهواية، وقد تلقيت بعض الدعوات للذهاب إلى هناك، لكنني لا أرغب، وذلك لأسباب إنسانية بحتة، فلا أحب أن أتمتع بالقنص هناك وأنا أرى الشعب العراقي في وضع يرثى له.
ومن الهوايات التي أتابعها بشكل مستمر الرياضة، وما زلت عضواً في الجمعية العمومية لنادي الريان، وشاركت في مجالس إدارات بعض النوادي في فترات سابقة، كما أنني أتابع وأدعم ملف قطر 2022، وأتوقع أن تستضيف قطر هذا الحدث المهم بحكم خبرتها وما تمتلكه من مقومات، وإذا ما أعطيت الفرصة فسوف تبهر العالم.

• رسالة أخيرة تود توجيهها..
– أتمنى أن يساهم المثقفون معنا في الاهتمام بالشأن الثقافي، وأتمنى أن يهتم الجمهور المثقف بحضور الفعاليات الثقافية، وأنا ألمس جفاء من بعض المثقفين، مع أننا نتمنى أن يشاركوا في حضور الفعاليات وتقييمها، ونحن نتقبل كل الآراء والانتقادات، ومكاتبنا في وزارة الثقافة مفتوحة، ومكتبي يرحب بكل مثقف وكل صاحب مشروع ثقافي، ونحن على الاستعداد للمساعدة وفق إمكاناتنا المتاحة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *