الكاتب اللبناني إبراهيم اليازجي.. سليل أسرة تحترف الكتابة منذ القرن السابع عشر

فبراير 2020

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

احتفل العالم أجمع في الثامن عشر من ديسمبر ٢٠١٩م باليوم العالمي للغة العربية، المدرج في قائمة الأيام الثقافية العالمية لمنظمة اليونسكو، وقد نظمت الجامعات والمؤسسات الثقافية في شتى أنحاء العالم فعاليات ثقافية تعرف باللغة العربية وآدابها وعلومها ومدى استيعابها ومواكبتها للتطورات المتسارعة لعصر الثورة العالمية التكنولوجية، فقد غدت اللغة الرابعة الأكثر استعمالاً في الإنترنت، ويتحدث بها ويعرفها أكثر من نصف مليار نسمة من سكان العالم.
لم تبلغ اللغة العربية هذه الدرجة من الذيوع والانتشار إلا بفضل رجال وعلماء لغة كرسوا حياتهم لدراستها والتخصص في فروعها المختلفة والحفاظ عليها من تغول اللغات الأوروبية التي انتشرت في العالم العربي مع استعمار الدول العربية، وانتشار التعليم وازدهار التجارة العالمية وتطور طرق الاتصال والمواصلات، ومن هؤلاء الرجال العلماء في العصر الحديث اللغوي والناقد والصحفي اللبناني إبراهيم اليازجي.
هو إبراهيم بن ناصيف بن عبدالله بن ناصيف بن جنبلاط اليازجي، ولد في بيروت في الثاني من مارس ١٨٤٧م، ووالده هو الشاعر اللبناني المعروف ناصيف اليازجي، الذي كان كاتباً للأمير حيدر الشهابي، وكان بارعاً في الطب التقليدي.
وأصل أسرة اليازجي من حمص في سوريا، وقد هاجر أحد أجداده إلى لبنان واستقر في كفرشيما، ولقب اليازجي كنية للعائلة، وتعني الكاتب، فقد اشتهرت عائلة اليازجي بنبوغها في الأدب والفكر العربي، وفصاحة لسانها في اللغة العربية، ومنذ القرن السابع عشر تولى رجالها وظيفة الكتابة والتدوين لدى أمراء الشام، ومع أن الأسرة مسيحية كلدانية، لكن هذا لم يمنعها من الارتباط بالثقافة الإسلامية عن طريق تخصصها في اللغة العربية وآدابها وعلومها.
تلقى إبراهيم تعليماً ممتازاً على يد والده، الذي لم يكن شاعراً فحسب، بل كان أيضاً لغوياً دارساً للغة العربية ومحققاً لكتب التراث الإسلامي، وكانت هذه البداية الرصينة دافعاً لإبراهيم ليجدّ في الدراسة ويزيد من معارفه اللغوية والعلمية، فدرس الفقه الحنفي على المرحوم الشيخ محيي الدين اليافي، أحد مشاهير الأئمة في ذلك الوقت، وتؤكد مصادر العائلة أنه سعياً وراء تجويد لغته حفظ القرآن كاملاً، وكان لا يتحدث لأبنائه إلا باللغة العربية الفصحى، وله في ذلك طرائف شتى يضيق المجال عن سردها.
بدأ إبراهيم مسيرته الأدبية بنظم الشعر الذي برع فيه، وكتب شعراً جيداً جمعه في النهاية في ديوان واحد، لكنه وجد هواه أكثر في الدراسات اللغوية وكتابة مقالة النثر الفني رفيعة المستوى اللغوي، ففارق درب الشعر واتجه بكليته إلى الكتابة الصحفية وتدريس اللغة العربية وآدابها وتحقيق كتب التراث.
تولى إبراهيم تحرير جريدة النجاح عام ١٨٧٢م، وارتبط اسمه بعدها بعدد كبير من الصحف والمجلات، التي كان يصدرها لشتى الأغراض العلمية والثقافية مع مثقفين لبنانيين آخرين، مثل مجلة الطبيب ١٨٨٤م، ومجلة الضياء ١٨٩٨م، لهذا يضعه مؤرخو الصحافة العربية في مرتبة واحدة مع رواد النهضة الصحفية العربية، أمثال جورجي زيدان وأنستاس الكرملي وأحمد فارس الشدياق وغيرهم.
بدأ إبراهيم الكتابة مبكراً في مجلة الجنان، التي كان يصدرها بطرس البستاني، ومنذ ذلك الحين انحاز للقضايا القومية العربية وعمل في سبيل إحيائها في قلوب الناشئة العرب، لهذا يعد من رواد النهضة العربية بعد قرون من التدهور، وهو من أوائل الكتاب العرب الذين أدركوا أهمية اللغة العربية ودعا إلى تعلمها وعدم الاهتمام باللغات الأخرى على حسابها، وقد سار على هذا النهج طوال حياته العلمية والمهنية.
وعندما أسست الجمعية العلمية السورية في لبنان عام ١٨٦٨، انتسب لها، كما درّس في المدرسة الوطنية، وفي المدرسة البطريركية التي أسسها بطرس البستاني عام ١٨٦٣م.
ذاع صيته باحثاً بارعاً متبحراً في اللغة العربية، فطلب منه الآباء اليسوعيون ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العربية، فعكف على تعلم اللغتين السريانية والعبرية وترجمه إلى لغة عربية متقنة واضحة البيان، وقضى في إنجاز هذا العمل تسعة أعوام.
ولأنشطته القومية البارزة، تعرض إلى مضايقات من السلطات، فهاجر إلى مصر، وهناك أصدر مجلة البيان، التي لم تستمر إلا لعام واحد (١٨٩٧م)، ثم مجلة الضياء، التي أصدرها عام ١٨٩٨م، واستمرت في الصدور حتى وفاته عام ١٩٠٦م.
كان إبراهيم اليازجي مثقفاً متعدد المواهب والمهارات، التي سخرها جميعها لخدمة اللغة العربية، فقد كان خطاطاً ورساماً ماهراً، وعندما عرف أن حروف الطباعة كانت تجلب من الأستانة (إسطنبول) آنذاك والمغرب العربي، نجح في صناعة الحروف محلياً، الأمر الذي سهل طباعة الكتب والمجلات.
وترك في مجال البحث العلمي وتأصيل اللغة العربية كنوزاً من المقالات الرصينة المنشورة في المجلات والصحف التي عمل فيها، وعمل على ابتكار طائفة من المصطلحات التي نستعملها الآن، وكمثال لا للحصر: البيئة، المجلة، اللولب، الدراجة، الحساء، الحوذي، المأساة، المقصلة.
وبجانب ديوان شعره الوحيد، أنجز إبراهيم عدداً كبيراً من الكتب، أهمها: الفرائد الحسان من قلائد اللسان، وهو معجم في اللغة العربية، وكتاب نجعة الرائد في المترادف والمتوارد، وأتم شرح ديوان أبي الطيب المتنبي الذي بدأه والده، وله دراسة في نقد قاموس لسان العرب لابن منظور، ودراسة في نقد قاموس تاج العروس للزبيدي.
بعد وفاته في القاهرة عام ١٩٠٦م، نقل جثمانه إلى بيروت حيث ووري الثرى، وكرمته الحكومة اللبنانية بأن نصبت له تمثالاً في الطريق إلى منطقة البرج عام ١٩٢٩م، وفي عام ١٩٥٦م نقل التمثال إلى قصر الأونيسكو.
حاز إبراهيم اليازجي عدداً من الأوسمة والنياشين، من بينها وسام الآداب والفنون من ملك النرويج، لكن الوسام الذي زين صدره طوال حياته، ويبقى خالداً في سجل حياته، هو لقب أديب النهضة العربية.
وننشر هنا أبياتاً من قصيدة إبراهيم اليازجي الوطنية التي ألقاها في إحدى جلسات الجمعية العلمية السورية في بيروت عام ١٨٦٨م:
تنبهوا واستفيقوا أيها العرب
فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب
فيم التعلل بالآمال تخدعكم
وأنتمُ بين راحات القنا سلب
الله أكبر ما هذا المنام فقد
شكاكم المهد واشتاقتكم الترب
كم تظلمون ولستم تشتكون وكم
تستغضبون فلا يبدو لكم غضب
ألفتم الهون حتى صار عندكم
طبعاً وبعض طباع المرء مكتسب
وفارقتكم لطول الذل نخوتكم
فليس يؤلمكم خسف ولا عطب
فصاحب الأرض منكم ضمن ضيعته
مستخدم وربيب الأرض مغترب

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *