الرسام الفرنسي ديلاكروا.. الضمير والفن وجهان لعملة واحدة

فبراير 2020

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

شرعت فرنسا منذ منتصف القرن التاسع عشر في استعمار دول المغرب العربي الواحدة تلو الأخرى، وكافحت هذه الدول حتى نالت استقلالها بعد قرن من الزمن، بعد أن دفعت مهراً غالياً من دماء المحاربين الوطنيين، حتى وصفت الجزائر بأنها بلد المليون شهيد.
وفي نضالها من أجل التحرير والاستقلال، تضامن العالم أجمع مع دول المغرب العربي، وكان من أبرز المتضامنين الطبيب النفسي المارتينيكي فرانز فانون (١٩٢٥-١٩٦١، والمناضل السوداني إبراهيم النيل، وقاد المثقفون الفرنسيون برئاسة الفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر (١٩٠٥-١٩٨٠)، ورفيقة دربه سيمون دي بوفوار (١٩٠٨ -١٩٨٦)، معارضة شرسة في فرنسا ضد استعمار المغرب العربي.
لقد وجد الاستعمار الفرنسي لدول المغرب العربي معارضة وعدم قبول من كثير من الأدباء والفنانين الفرنسيين الشرفاء، الذين مثلوا وجه فرنسا الحقيقي في ذلك الوقت، كان أبرزهم الرسام فرديناند فيكتور أوجين ديلاكروا، المعروف عالمياً باسم أوجين ديلاكروا، الذي لم يخف انحيازه للثقافة العربية منذ بداية الاستعمار الفرنسي، تلك الثقافة التي استلهم منها مواضيع لوحاته، وكان يرى أن ثقافة شعوب شمال أفريقيا بتراثها الغني، وثقافتها العربية التي تأثر بها، وتقاليدها العريقة، هي المعادل البصري للثقافة الكلاسيكية لليونان وروما القديمة، وأنها جديرة بالاحترام.
ولد ديلاكروا في فرنسا في ٢٦/٤/١٧٩٨ لعائلة تهتم بالفنون، وكان والده تشارلز ديلاكروا رجل دولة بارزاً عمل لمدة وزيراً للخارجية في فرنسا.
وبعد أن أنهى فرديناند دراسته الثانوية في مدرسة لويس الكبير، التحق بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة، ودرس الفن على يد الأكاديمي البارز بيير نارسيس، وكان وقتها فتى صغيراً لا يتعدى السابعة عشرة من العمر.
تردد ديلاكروا كثيراً على متحف اللوفر الشهير في باريس، وبهرته روائع الفنانين، وأبدى اهتماماً واضحاً برسم المناظر الطبيعية، وفي عمر السابعة والعشرين سافر إلى إنجلترا للتعرف عن قرب على أسلوب الفنان الإنجليزي جون كونستابل، وتأثر به، وقد زادت هذه الرحلة من معارفه عن الأدب الإنجليزي، وألهمته في المستقبل أعمالاً فنية بالطباعة على الحجر ورسم الأحداث التاريخية المختلفة التي عرفتها أوروبا.
لم تكن شخصية ديلاكروا الفنية قد تبلورت بعد في هذه المرحلة، وإن كان بادياً في لوحاته تأثره بالمدرسة الرومانتيكية، وكان يتمتع بخيال خصب، وتقنية فنية عالية، وميل شديد للعب بالألوان كما يشاء، وكان يرى أن اللون المعبر الأول عن جو اللوحة، واستخدم الألوان بنهج فريد، وبدأ في رسم لوحات أكبر، وكلف برسم جداريات وأسقف عدد من المباني الحكومية.
التحول الكبير في حياته الفكرية وفي أسلوبه الفني حدث عندما سافر إلى إسبانيا وشمال أفريقيا في مهمة دبلوماسية، وكان لتلك الرحلة أثر كبير في اختيار مواضيع لوحاته فيما بعد، بل في مستقبل حياته كمثقف فرنسي متعدد المعارف.
وصل ديلاكروا في ٢٥ يناير ١٨٣٢ إلى المغرب، ولم تكد تمر عليه ثلاثة شهور حتى صار متيماً بأرضها وناسها وشمسها، حتى إنه أرسل إلى شقيقه رسالة قال فيها: «وداعاً أخي، الأفريقي يرسل لك التحية».
بقي في المغرب ستة أشهر كان إنتاجه فيها وافراً، فقد وصل عدد لوحاته إلى ١٠٠ لوحة، وامتلأت لوحاته المغاربية بمشاهد الخيول العربية، وببشر يصارعون الحيوانات المفترسة، ومعارك بين القبائل في الجبال، ونساء عربيات وقورات محتشمات، ولم يكن يرسم فقط، بل انشغل أيضاً بالأدب والسياسة والدبلوماسية، وكان يقيم المعارض، ويشارك في الندوات الفكرية في المغرب والجزائر، ويحاور المثقفين، وقد ساهم بنشاطه ولوحاته في اندفاع الفنانين الفرنسيين إلى الشرق بحثاً عن مصادر الإلهام، بعد أن أطلق مقولته الشهيرة عن شمال أفريقيا: «عند كل خطوة هناك لوحة جاهزة للرسم».
في المغرب تغيرت طريقته في العمل على الألوان بشكل كبير، بعدما تأثر بثقافة مختلفة تماماً عن الثقافة الفرنسية، وهي الثقافة العربية، فبرزت في لوحاته الأزياء الملونة الزاهية، والخيول، والمباني، وبلغ عدد لوحاته المغاربية ١٠٠ لوحة، وهذا يعني أنه كان يرسم دون كلل وفي كل مكان.
دمج ديلاكروا في أسلوبه بين المفاهيم الرومانسية والتقنيات الخاصة به، وطور أسلوبه الشخصي من خلال إظهار الألم والمعاناة باعتماد الألوان الزاهية.
لقد أثرت رحلته إلى المغرب والجزائر في حياته كثيراً، وعكس في لوحاته انطباعه عن الشرق، وقال في ذلك قولة شهيرة: «هنا رأيت الضوء والألوان على حقيقتهما»، ونظراً لأفكاره الجريئة المنحازة للثقافة العربية، لاقى نقداً ورفضاً من الفنانين الذين كانوا ينتمون إلى الصالون الباريسي، الذي كان بمثابة الراعي الرسمي للفنانين الفرنسيين، لكن النقاد كان لهم رأي آخر، إذا يرون أنه من أهم الفنانين الكلاسيكيين في القرن التاسع عشر، وأنه كان رائداً في الابتكارات الفنية الجريئة، وأنه يتميز بالبراعة الحسية للألوان.
ترك ديلاكروا تراثاً ثرياً من الأعمال الفنية، منها ٨٥٠ لوحة، وأكثر من ٦٠٠ مخطط، و١٠٠ عمل في الطباعة على الحجر والزنك، ومن أهم أعماله، بجانب لوحاته عن رحلته المغاربية، لوحة مذبحة ساقز، ولوحة «دانتي وفرجيل في الجحيم»، وفي عام ١٨٣٠ عبر عن انحيازه للثورة الفرنسية بلوحة كبيرة شهيرة عنوانها «الحرية تقود الشعب».
انتقل ديلاكروا في ٢٨/١٢/١٨٥٧ إلى شقته في باريس، وعاش وحيداً بائساً يكافح المرض، تقوم على خدمته خادمة وفية، ولم يكن يخرج كثيراً، وفي ١٣/٨/١٨٦٣ توفي في هدوء، وتحولت شقته فيما بعد إلى متحف يؤرخ لحياته وأعماله.
كان ديلاكروا شاهداً أميناً على عصره، وتجسدت فيه بحق صورة الفنان الذي لم يخن ضميره الفني قط، وكان يقول: «إننا لا نرسم بالضرورة ما نرى، إنما ما رأيناه يوماً ونخاف أن لا نراه بعد ذلك أبداً».
وبشهادة الكثرة الغالبة من نقاد الفنون، كان ديلاكروا يطوع الألوان بريشته كيفما يشاء، لدرجة أنهم أطلقوا عليه لقب «سيد الألوان»، وهو لقب لم يطلق على أي رسام قبله.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *