الرحالة العالم أبو حامد الأندلسي الغرناطي ورواياته عن رحلاته العجيبة الغريبة

مارس 2020

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

كان للعرب والمسلمين شغف بالرحلات والتجوال من أجل طلب العلم والمعرفة والحصول على معلومات جغرافية وتاريخية واجتماعية، وكانوا يخرجون تارة من أجل التجارة، وتارة أخرى من أجل تثبيت حكم الدول الإسلامية الوليدة في عصورها المختلفة، وقد رصدوا أخبار رحلاتهم في عدد كبير من المؤلفات، التي أغنت المكتبة العربية بمعلومات متنوعة توجت التراث العلمي العربي الإسلامي، لتقف شاهداً لحضارات سادت ثم بادت، خصوصاً في أوروبا في العصور الوسطى.
ومن درر أدب الرحلات التي رصدت أخبار العالم القديم، مؤلفات الرحالة الأندلسيين، أمثال أحمد بن محمد الرازي، والشريف الإدريسي (١٠٩٩-١١٦٠)، الذي يعد أحد كبار الجغرافيين في التاريخ، وأبي حامد الغرناطي الأندلسي، الذي تفرد من بينهم بمؤلفات احتوت على كثير من الأحداث الغربية والعجيبة، التي لا تزال تثير الجدل حتى الآن بين مصدق ومكذب لها.
اسمه بالكامل محمد بن عبدالرحيم بن سليمان بن الربيع المازني الغرناطي الأندلسي، وردت كنيته «أبو حامد»، و«أبو عبدالله»، ولد في مدينة غرناطة عام ١٠٨٠م، وقضى شطراً من شبابه الباكر في بلدة أقليش، لهذا سمي بالأقليشي نسبة لها، وترجع أصوله إلى الخزر، وهم من السكان الأصليين لشمال القوقاز.
وبعد أن نهل من العلم على يد شيوخ قرطبة، كانت لديه رغبة جامحة في السفر إلى الشرق، موطن العلم وملتقى العلماء، فغادر الأندلس سنة ١١٠٦م، وتجول في مناطق مختلفة من المغرب الأقصى، ثم انتقل إلى أفريقيا (تونس حالياً) وزار مدينة القيروان، ثم انتقل إلى الأسكندرية بطريق البحر سنة ١١١٧م بقصد الاطلاع والتزود بالمعارف الدينية، وأخذ يتنقل بين مصر وبغداد ودمشق وبعلبك وتدمر سائحاً بين مكتباتها حتى عام ١١٢٢م، وعندما بلغ الخمسين من العمر سافر إلى إيران، وعبر بحر قزوين «البحر الأسود» إلى روسيا حتى وصل إلى سخسين، وهي مدينة على مصب نهر الفولغا، ومن هناك بدأت رحلاته الأوروبية التي شملت ما كان يسمى سابقاً دول المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفياتي، ومنذ عام ١١٣٥ حتى عام ١١٥٩ تجول في ربوع خوارزم، وأوزبكستان، وحوض نهر الفولغا، وباشغرد، التي يرجح العلماء أنها المجر الحالية، وفيها امتلك منزلاً وتزوج.
وفي كل الأماكن التي كان يزورها، كان يدعو إلى الإسلام ويبصر المسلمين بأمور دينهم، ويقول في ذلك: «ولما دخلت بين أولاد المغاربة أكرموني، وعلمتهم شيئاً من العلم، وأطلقت ألسنة بعضهم بالعربية، وكنت أجتهد معهم في الإعادة والتكرار في فرائض الصلاة وسائر العبادات».
بعد أن استمرت رحلاته الآسيوية والأوروبية نحو ثلاثين عاماً، سافر إلى مكة وأدى فريضة الحج عام ١١٦٠م، حل بعدها ضيفاً على الوزير ابن هبيرة في بغداد، فأكرمه وحفزه على رصد وتسجيل ذكرياته وأسفاره، فألف كتاب «المعرب عن بعض عجائب المغرب»، وبعدها بثلاث سنوات انتقل إلى الشام، ثم استقر في الموصل في ضيافة شيخ جليل هو معين الدين عمر بن خضر، الذي أعجب بغزارة علمه واتساع تجاربه ورحلاته، وشجعه على تأليف كتاب ينتفع به الناس، فألف «تحفة الألباب ونخبة الإعجاب»، وطالت إقامته في الموصل، ثم تنقل بين عدة مدن إلى أن استقر في دمشق، وفيها توفي عام ١١٧٠م.
وعند النظر إلى كتابيه «المعرب عن بعض عجائب المغرب»، و«تحفة الألباب ونخبة الإعجاب»، نجد أنهما يكملان بعضهما بعضاً من الناحية الموضوعية، لكن الأول كان الهدف منه تعريف أهل المشرق العربي بالمغرب العربي والأندلس، وقد تحدث عن ذلك صراحة، إذ قال: «مولدي بالمغرب الأقصى، بجزيرة تعرف بالأندلس، فيها أربعون مدينة، ومولدي في مدينة تسمى غرناطة»، واحتوى الكتاب على بعض العجائب والغرائب، ووصف عجائب وغرائب البلدان التي زارها، وعلى الرغم من أن الكتاب لم يكن جغرافياً صرفاً، إلا أنه تطرق إلى صفة الأرض وطولها وعرضها، وتحدث عن الجبال والأماكن وأحوال السكان بأسلوب سلس مقنع.
أما الكتاب الثاني، وهو «تحفة الألباب ونخبة الإعجاب»، فأكثر شمولية، ويعده العلماء الآن من الكتب الجغرافية المهمة، إذ اشتمل على مقدمة وأربعة أبواب: الباب الأول في صفة الدنيا وسكانها من إنسها وجانها، والباب الثاني في صفة عجائب البلدان وغرائب البنيان، والباب الثالث في صفة البحار وعجائب حيواناتها وما يخرج منها من العنبر وما في جزائرها من أنواع النفط والنار، والباب الرابع في صفات الحفائر والقبور وما تضمنت من العظام إلى يوم النشور.
وللغرناطي عدة مؤلفات أخرى لا تزال مخطوطة وقيد البحث والدراسة من علماء الجغرافيا والبيئة والتاريخ، وكلها تدور في فلك كتب العجائب والغرائب التي شاهدها، مثل كتاب «نخبة الأذهان في العجائب والبلدان»، وكتاب «عجائب المخلوقات»، وكتاب «تحفة الكبار في أسفار البحار».
ولأبي حامد مكانة رائدة بين العلماء، ووصفوه بأوصاف تدل على مكانته العلمية، مثل الصفدي والمقري وابن الأثير، وقال عنه الزركلي إنه من علماء تخطيط البلدان لكن بعض المؤلفين شككوا في رواياته واتهموه بالكذب واختلاق الأحداث، ولعل السبب في ذلك أنه استعمل في كتابة رسائله العلمية ضمير المتكلم، من هنا جاء الخلط بين ما شاهده وما سمعه وقرأه في مكتبات الأندلس والقيروان والأسكندرية ودمشق وبغداد.
المؤرخون الدارسون لثقافات مجمل شعوب أوروبا الشرقية يثمنون مؤلفاته كثيراً ويرون فيها وثائق علمية عن الحياة والإثنوغرافيا في القرون الوسطى، وأنه يمكن استخلاص كثير من الحقائق الجديدة من العجائب والغرائب التي سردها في مؤلفاته.
اهتم أبو حامد الغرناطي بالجوانب التاريخية والجغرافية في الأماكن التي زارها، واستعرض المعالم الطبيعية والأحوال السكانية، وقدم معلومات وافية عن الأندلس وحوض الفولغا وجنوب روسيا والمجر والمغرب وأفريقيا، لهذا يمكن القول إنه صاحب إسهام مقدر في الأدب الجغرافي العالمي.
ونورد هنا بعض الروايات التي وردت في مؤلفاته وتعد في حكم اللامعقول ولا يمكن تصديقها، على الرغم من أن مصدرها عالم جليل اتصف بالورع وسعة العلم:
* الرجل العملاق الذي رآه في باشغرد «المجر حالياً».
* السمكة الضخمة التي يضيق بها مجمع البحرين «جبل طارق» فترجع للبحر مرة أخرى.
* جبل قريب من البحر في جزيرة صقلية تخرج منه نار تضيء بالليل لعشرة فراسخ «٥٠ كلم».
* وصف نهر الصقالبة «الروس»، وهو نهر الدون حالياً، بأن ماءه أسود كأنه الحبر، ومع ذلك فإنه حلو طيب صافٍ ليس فيه سمك وإنما فيه الحيات السود الكبار.
* وصف الأشجار في باشغرد بأنها عالية ليس لها ثمر ولم يشاهد مثلها في الدنيا.
* قوله إن سطح نهر آتل «الفولغا» يتجمد حتى يصير كالأرض تمشي عليه الخيل والبهائم.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *