اليوم العالمي للشعر ٢١ مارس.. دور جديد للشعر في عصر العولمة الثقافية

مارس 2020

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

عرفت الحضارات والثقافات الإنسانية الشعر كأحد أهم أشكال التعبير الفني، وقد نظم الإنسان المقطوعات الشعرية منذ فجر الإنسانية، وتفيد بعض الدراسات التاريخية أن أغاني الهدهدة، وأغاني ترقيص الأطفال، التي تبدعها الأمهات بصورة عفوية، هي بواكر النصوص الشعرية في ثقافة البشر أجمعين.
لعبت النصوص الشعرية التي أبدعها الشعراء دوراً مهماً في الحفاظ على تاريخ الحضارات والثقافات القديمة، ويعتمد عليها المؤرخون كثيراً في رصد أحوال وأحداث العالم في العهود الماضية، فملحمة جلجامش المكتوبة بالخط المسماري، التي كتبت قبل ٣٠٠٠ سنة وتدور أحداثها في بلاد ما بين النهرين وتعد من أقدم الأعمال الأدبية في العالم، والمجموعات الشعرية التي عثر عليها علماء الآثار في مصر، التي تبين أن الفراعنة عرفوا شعر الغزل منذ عصر الدولة الحديثة (١٥٥٠ -١٠٧٧ ق. م)، تنبئنا بكم كبير من الأحداث لم نكن لنعرفها لو ضاعت، ولولا ملحمتا الإلياذة والأوديسة، اللتان نظمهما الشاعر الإغريقي الأعمى هوميروس (٧٠٠ سنة قبل الميلاد)، لضاع تاريخ اليونان القديمة إلى الأبد، كما أن ملحمتي الرامايانا والمهابهاراتا، اللتين كتبتا باللغة السنسكريتية حوالي سنة ٥٠٠ ق.م، تثبتان أن الثقافة الهندية لعبت دوراً مهماً في تاريخ الثقافة الإنسانية، ولولا القصائد الطوال «المعلقات»، التي نظمها شعراء العصر الجاهلي، لما عرفنا شيئاً عن حياة العرب قبل ظهور الإسلام.
وبجانب دوره التوثيقي التاريخي، يعبر الشعر عن القيم النبيلة والعواطف الصادقة، كما أن الشاعر يعبر عن المشاعر المشتركة بينه وبين بقية البشر عن طريق الكلمات الموحية وجرسها الموسيقي، فتصبح القصيدة ساحة للحوار والجمال، وأداة راقية من أدوات التواصل الإنساني.
وعلى مر العصور والأجيال، كان الشعراء في جميع الحضارات في قلب الأحداث السياسية، وكم من شاعر أشعلت قصائده ثورة شعب، وكم من شاعر جلب لبلاده المآسي واللعنات.
المهرجانات والليالي الشعرية من أهم وسائط التعريف بالشعر والترويج له، ومنذ العصر الجاهلي حتى عصرنا الراهن عرفت كل الدول العربية مهرجانات الشعر المختلفة، التي تعطي رونقاً
جميلاً للحياة الثقافية، ولتعزيز مكانة الشعر في الثقافة العالمية ليواصل لعب دوره الثقافي التاريخي، خصصت منظمة اليونسكو يوم ٢١ مارس من كل عام للاحتفاء بالشعر، ومنذ عام ١٩٩٩ تُنظم في كل دول العالم مختلف الأنشطة الثقافية التي تحتفي بالشعر وتشجع على قراءته ونشره وتدريسه والاعتراف بدوره في الحفاظ على الهوية الوطنية.
ومن أهم برامج الاحتفالات تكريم الشعراء في شخص شاعر رائد والتعريف بشعره، وقد احتفت منظمة اليونسكو في اليوم العالمي للشعر هذا العام بالشاعر واين كيون وروجت لأهم قصائده، وهو أحد شعراء شعب نيبسينغ، أحد الشعوب الأصلية التي تعيش في كندا.
إننا نعيش في عالم يتطور ويتغير باستمرار، لهذا خصصت منظمة اليونسكو عام ٢٠١٩م للتذكير بالسنة الدولية للغات الشعوب الأصلية، وحثت المجتمع الدولي على مساعدة الشعوب في الحفاظ على ثقافاتها وإرثها القومي ومعارفها، خصوصاً الدول متعددة القوميات.
ومن هذا المنطلق أدرجت المنظمة عدداً من الفنون الشعرية في القائمة الأساسية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، إذ إن الفنون الشعرية للشعوب يمكن أن تلعب دوراً مهماً في التصدي للظلم والقهر، وتروج لمبادئ السلم والعدالة، وهي بهذا تفتح الباب على مصراعيه للشعر ليقوم بأدوار جديدة.
دور الشعر والشعراء يتعاظم الآن في عصر الثورة العلمية التكنولوجية، فالآن تسود مفاهيم العولمة الثقافية، وأصبح الشعراء هم حراس اللغة الأدبية المتوارثة منذ القدم، ومع أن شبكة الاتصالات العالمية والهياكل الاقتصادية والإنتاجية التابعة لها جعلت من العالم قرية واحدة تتوحد فيها مفاهيم ثقافة عالمية شاملة، لكن الشعر المكتوب باللغة الوطنية في كل بلد يبقى وحده صمام الأمان الذي يحافظ على تفرد الهوية الوطنية والثقافية، وهنا تكمن أهمية الشعراء وقوة مختلف الفنون الشعرية.
وننشر هنا قصائد منتقاة لشعراء من مختلف دول العالم تبين أن القصيدة حتى لو فقدت بعضاً من جرسها الموسيقي للغة التي كتبت بها تظل نظماً متفرداً يختلف عن الكلام المنثور، وهو رأي أفتى به الناقد العربي ابن طباطبا في القرن الثالث الهجري في كتابه عيار الشعر: «الشعر أسعدك الله كلام منظوم، بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم»، فهل تستطيع القصيدة العربية شكلاً ومضموناً أن تستوعب قضايا العصر الحديث وتواجه تحديات العولمة الثقافية؟، وهذا سؤال يجب أن يرد عليه الشعراء.
القصائد المترجمة
(١)
يجب أن نعيش بغير ادعاء
أن نحيا بصورة
تجعل المسافة تحبنا في النهاية
وأن نسمع النداء الآتي من المستقبل
ينبغي أن نترك فراغات في مصيرنا
لا بين الأوراق
وأن نخط بوضوح فوق السطور
الأماكن والفصول التي عشناها كاملة
بوريس باسترناك، روسيا
(٢)
في الصباح وفي المساء وفي الظهر وفي الليل
يقف صائدون قادمون من الظلام ومن الضوء
أرى الأرض كالمحيط
وأتوهم أننا نعوم ببطء كالأسماك
في الأعماق البعيدة، الدنيا كالمحيط
الصيادون في الانتظار
مستعدون بشباكهم وطعومهم
ترى كيف سيحملني الزمن بعيداً
أفي شباك الظلام أم في صنارة الضوء
رسول حمزاتوف، داغستان
(٣)
على العافية المستردة
على الخطر الذي زال
على الأمل المسلوب والذكريات
خططت اسمك
***
وبسلطان لفظة واحدة
أعود فأبدأ حياتي
لقد ولدت كيما أعرفك
وأدعوك باسمك
أيتها الحرية
بول إيلوار، فرنسا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *