دور التراث في تعزيز الهوية (٢-٢)

مارس 2020

بقلم‭: ‬علي‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬الفياض

يعد التراث الشعبي الممثل الصحيح والحقيقي لحياة الشعوب وتاريخها الاجتماعي وحضارتها، ومن خلال دراستنا لهذا الموروث ومعرفتنا له تمام المعرفة، يمكننا أن ندرك جذورنا وأصولنا وهويتنا المميزة وشخصيتنا العربية الإسلامية المؤثرة في الحضارات الإنسانية المختلفة.
وعندما نتمكن من هذه المعرفة وهذا الإدراك، فإننا نحدد على ضوء ذلك هويتنا وشخصيتنا المميزة لنا، ومن نافلة القول أن نذكر أن هناك هوية عامة وهوية خاصة، فعلى سبيل المثال نجد أن الشعوب العربية لها تراث مشترك وهوية مشتركة، ومع هذا نجد لكل شعب من شعوبها وكل منطقة من مناطقها تراثاً خاصاً وهوية مغايرة، بل إن الاختلاف قد يطال كل بلد من بلدانها، وإن كان الناس يعيشون في منطقة واحدة مشتركة، والاختلاف يكون في التفاصيل.
وفي الوطن العربي مرجعيتنا وهويتنا واحدة، الإسلام واللغة العربية والتاريخ المشترك، ومع ذلك فإن هناك اختلافات في الملبس والمأكل والمشرب، وبعض العادات والتقاليد والخلائق الاجتماعية، وطرائق العيش، لكننا في الأخير أمة واحدة لها تاريخها المشترك، ويجمعها القرآن الكريم واللغة العربية الخالدة.
ونهى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة عن التقليد والتشبه بالآخرين من الأمم السابقة من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، فقد قال تعالى: «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم»، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث بمخالفة اليهود والنصارى في بعض خصائصهم وشؤون حياتهم التي تميزهم.
أما الأدب الشعبي فدوره كان كبيراً وتأثيره كان عميقاً في توجيه الناس إلى التمسك بالعادات والتقاليد الطيبة المتوارثة، وجاء الشعر الشعبي أو النبطي في مقدمة الركب، وكان هو المعلم والموجه للأجيال الجديدة الصاعدة للتشبث بالهوية الوطنية، وقد انتقد الشعراء بعض الشباب الذين انساقوا خلف تقليد الغرب في بعض شكلياته وممارساته.
ومن الشعراء الذين أبدوا تحفظهم وشكواهم مما وقع في عصرهم، من تغيير وتبديل وتقليد للغرب وتقاليعه، الشاعر الكبير صالح بن سلطان الكواري، في قصيدته التي يخاطب فيها الشاعر الكبير عمير بن عفيشة، ويقول في شكواه:
يا عمير شفني من عنا الوقت مكمود
حملي ثقيل ومقضي بي قضايا
أشكي عليك الحال يا عون مضهود
عز الرفيق اللي حباله جذايا
وقتٍ غدا به فاعل الخير مفقود
فيه الزعامة للنسا والرزايا
والحر ودّه بين الاجداد ملحود
ولاّ حياته بالعمى والصمايا
ويرد عليه الشاعر عمير بن عفيشة بشكل أكثر تفصيلاً وبياناً للتغيرات التي طرأت على حياة الناس جراء التحديث والتمدن الزائف الذي حصل:
الوقت غث نفوس وقلوب وكبود
وخلّى كثير الناس تشكي الأذايا
وقتٍ به الصاحي من الغبن مجهود
ويشكون من ضده جميع النحايا
وقتٍ وطا العالم بقوات وجنود
وفي كل نوٍّ له سبور وسرايا
وقتٍ به المنقود ما هو بموجود
يا عونة الله فيه كشف الغطايا
وهكذا كان الشعر حاثاً على التمسك بالهوية الوطنية والعادات والتقاليد الطيبة، نابذاً وذاماً من يفرط فيها ويتهاون ويتجه لهويات أخرى لشعوب قريبة أو بعيدة.
وهناك أمثلة وشواهد أخرى من الشعر ومن الأمثال الشعبية والقصص والحكايات التي تصب في هذا المصب وتنحو هذا المنحى، لكن المجال لا يتسع لذكر المزيد من تلك الشواهد والقرائن، وفيما قلناه الكفاية لمن سمع وفهم ووعى، والله من وراء القصد.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *